As Safir Logo
المصدر:

حسن عبد الله في مجموعته الجديدة راعي الضباب مغالبة العالم بالسخرية الفاجعة والوضوح الماكر(صورة)

المؤلف: بزيع شوقي التاريخ: 1999-01-29 رقم العدد:8210

حسن عبد الله في مجموعته الجديدة »راعي الضباب« مغالبة العالم بالسخرية الفاجعة والوضوح الماكر ****** حملت تجربة حسن عبد الله منذ بدايتها، أوائل السبعينيات، نكهة خاصة في إطار القصيدة اللبنانية الحديثة. فقد انطلقت هذه التجربة من اعتبار الشعر صدى لارتطام الشاعر بالحياة والأشياء من حوله لا صدى لارتطامه باللغة والقاموس المجردين. وفي حين كان معظم شعراء السبعينيات ينحون نحو التجريب الصرف والاختبارات اللغوية والشكلية التي سادت الكتابة الشعرية في ذلك الوقت، كان حسن عبد الله يعاقر لغة بعيدة عن المجانية والاحتشاد الكرنفالي. لغة مقطعة من الشغف بالعالم أو الاحتجاج عليه، من قصاصات العيش ونثاره اليومي لا من المكابدة الذهنية وعناء التحصيل وإلحاح المهارات. وهي تبعاً لذلك لا تتصل بالتهويل واستنفار القدرات واستنفاد جعبة المخيلة بقدر ما تتصل بالمساحة التي تشغلها والمعنى الذي تريد قوله والفكرة التي تلح في توصيلها لا أكثر ولا أقل. هذه الحقيقة لا تؤتي ثمارها بسهولة ولا تسمح بالركون الى الاطمئنان. فهي من جهة تتطلب تخليا عن الزوائد والاضافات وكبحا للتداعي التلقائي، وهي من جهة أخرى تتطلب حذرا شديدا في ضبط مناطق الاشتباك التي يتداخل فيها الشعر بالنثر وفي حماية القصيدة من الوضوح التام وانكشاف المعنى. وأعتقد أن حسن عبد الله بذل جلّ عرقه وكدحه في حماية هذا التوازن الدقيق الذي يدفع اختلاله الى أحد احتمالين: النزوع الجمالي ووضوح الصنعة من جهة والوقوع في السرد النثري والتقريرية السهلة من جهة أخرى. من هنا كان على الشاعر أن يبذل جهدا هائلا ومزدوجا في مغالبة الخيارين وبالتالي إقامة التوازن بين أدوات الكتابة فوق أرض الشعر لا خارج حدودها. وقد نجح حسن في مجموعتيه الأوليين »أذكر أنني أحببت« و»الدردارة« الى أبعد الحدود في بناء قصيدة خاصة توازن بين الإحكام والعفوية وبين الوضوح والإيماء الخفي وبين الإيقاع المدروس والانسياب التلقائي وبين قرب العبارة وابتعادها في الصدى والترجيح. وأعتقد أن قصيدة الشاعر تعتمد في الكثير من عناصرها على الخداع والمكر. فهي حين تشي بسهولتها وانكشافها تدفع بالقارئ الى ولوجها وتستدرج فضوله وحشريته، لكنه ما ان يصبح في قلبها تماما أو عند طرفها الأخير حتى يشعر بأنه وقع في مصيدة شبيهة بتلك التي درج حسن على نصبها للعصافير على ضفاف نبع الدردارة. فالمعنى الذي ظنه القارئ مكشوفا وشديد السهولة ما تلبث تموجاته ان تقود الى أسئلة مقلقة والى مساحات لم تكن في الحسبان. ثمة قشعريرة تنبعث فجأة من مكان ما، من لفظة أو صورة أو عبارة، وتضع المتلقي في وضع غير محسوب يدفعه إما الى تعقب أصداء القصيدة وتموجاتها المتكاثرة أو الى إعادة قراءتها من جديد من أجل استجلاء الموقف وتفحص أبعاده. هكذا يكرر حسن عبد الله مع قرائه اللعبة نفسها التي أتقنها مع عصافيره وطيوره وكائنات طفولته الأولى. انها لعبة الاستدراج والمراوغة والتضليل والإيهام ونصب الأفخاخ ثم الوقوع في المصيدة التي نصبها جيدا لكي لا تخطئ الهدف. لكن اللعبة التي تبدو سهلة من الخارج تتطلب في الحقيقة حياة بكاملها من أجل أن تتحقق لها سبل النجاح. فقصيدة الشاعر التي تشي بالعفوية والارتجال أحياناً هي ثمرة صناعة مضنية واشتغال قاسٍ على العبارة والمفردة والإيقاع وتوازنات الجمل وهندستها الداخلية الدقيقة. لقد بذل حسن جهدا عاليا في صناعة قصيدته وبذل في المقابل جهدا موازيا لإخفاء صنيعه وتجفيف عرقه وتمويه كدحه بالبساطة الظاهرة والانسياب المائي. وتبعاً لذلك فقد ظلت معانيه ومقاصده حتى في أوج القصائد الوطنية والتحريضية في دائرة الإبهام واللبس. فهو في »أجمل الأمهات التي انتظرت« يصف عودة الشهيد أسعد عواضة بقوله »ذابلة بندقيته/ ويداه محايدتان«. فأي شهيد ذلك الذي تصاب بندقيته بالذبول في زمن الرايات المرفوعة والأسلحة المسددة الى نحر الخصم، والذي يعود مستقيلاً من الحرب بيدين محايدتين فيما لا أحد حتى الطبيعة كان يقف في تلك الفترة على الحياد. ثمة روح عبثية تندس في جيوب القصيدة حتى تلك الخارجة من عباءة الحرب أو النشيد المنحاز أو الموقوف الملتزم. وهو ما سمح للشاعر بأن يصرخ في قصيدة »من أين أدخل في القصيدة« المكتوبة بدورها في عز الحرب: »هل ترون معي هواءً مع هواءٍ آخرٍ/ يتمشيان على رصيف البحر؟/ يقتتلان؟/ أو يتناقشان الخبز/ أو يتحاجزان؟/ وكان في المقهى هواءٌ يحتسي خمراً وناداني إليه..«. هذا الشيء المدسوس دائما في الخفاء هو روح السخرية التي كانت جاهزة باستمرار لقلب المعنى على قفاه ولتقويض التراجيديا الإنسانية في لحظة ما ومنعها من الاستفحال. بعد صمت طويل ونادر استمر ثمانية عشر عاما، انصرف الشاعر خلالها الى الكتابة للأطفال، يعود حسن عبد الله ليصدر مجموعته الثالثة »راعي الضباب«. والحقيقة ان المجموعة الجديدة تكاد تكون بمعظمها استمرارا لمعظم العناصر التي تقوم عليها قصيدة الشاعر وأسلوبه الخاص في الكتابة. لهذا السبب ربما يمتنع حسن عن تذييل قصائده بتواريخ محددة رغم أن بعضها مثل »قبر حرب« و»زواج برناديت« و»عودة« كتب قبل عشرين عاما، في حين ان بعضها الآخر كتب بالتدريج خلال السنوات التي تلت. ومع ذلك فنحن نقرأ المجموعة برمتها بوصفها عملا متكاملا يحكمه مناخ واحد من الترابط والانسجام والنظرة الى الوجود. غير ان انقطاعا طويلا كهذا لا بد من أن يترك بصمات ما على جسد الكتابة أو يصيبها بتغيرات في السمات والملامح، تماما كما لو أننا نصادف شخصا نعرفه منذ زمن طويل بعد مرور عقدين من الزمن على غيابه. فما الذي حدث لقصيدة الشاعر بعد هذه السنين. وما الذي احتفظت به من عناصر تكونها الأولى، وما الذي أسقطته من حسابها أو أضافته بالمقابل الى رصيدها السابق؟ مثل هذه الأسئلة تحتاج بالطبع الى بحث مستفيض لا يتسع له هذا المقام، لكن ذلك لا يمنعنا من تقصي ملامح هذه التجربة الغنية بعناصرها ومفارقاتها المختلفة. أول ما نلاحظه في المجموعة الجديدة هو انكسار البناء الملحمي والإنشادي الذي اتصفت به بعض أعمال الشاعر الأولى مثل »صيدا« و»الدردارة« و»سقوط المهرج« وغيرها لمصلحة القصيدة الفكرة، أو الومضة أو البرقية أو المشهد. كأن الحرب العاتية وما رافقها من الأحلام والوعود التي سمحت ببناء القصائد الدرامية والملحمية والمركبة لم تلبث ان أخلت أماكنها لنثار عيش متقطع ونتف طفولات سابقة وأعقاب ذكريات لم يبق منها سوى ذبالاتها الغاربة. هكذا بدت المجموعة باستثناء »قبر حرب«، التي كُتبت في أواخر السبعينيات واحتفظت بطابعها الدرامي الأسطوري، تعبيرا عن قصاصات حياة سابقة وبحثا عن ذلك العالم الخلبي الذي تشع كواكبه المتهالكة من وراء الرماد. القصائد بمعظمها تدور في فلك الاستعادة والحسرة والتذكر ونبش تلك الأماكن التي شكلت محور العيش ونقطة ارتكازه. إنها تسترجع عبق الأزمنة الأولى في الخيام وحول نبع الدردارة وفي ثانوية صيدا وشوارعها وبحرها القديم، أو في شوارع بيروت المثخنة بنصال الحرب. لكن الحرب، كما غيرها، لا تبدو في المجموعة إلا بوصفها خلفية للمشهد أو ظلالاً متعددة الأمواج لصورة الحياة اللاحقة حيث يطل الموت بقرنيه وأشباحه في العديد من القصائد التي تدور حول محور آخر. انه يندلع فجأة ليكسر الإيقاع ويداهم الحقيقة كالكابوس. ففي قصيدة تشرين الأول يقدم الشاعر عدداً من الصور اللافتة عن الشجر والنسيم والألوان، ثم تنعطف القصيدة فجأة على الشكل التالي: »الآن/ وقد زال العرق الصيفي عن الأبدان/ فإن صديقاً لي في القبر«. وفي قصيدة »ذكرى من صيدا« تحرف الخاتمة المفاجئة مجرى السرد الساخر والطريف أو تقلبه رأسا على عقب حين يعلن الشاعر: »قد كان مهدي آنذاك/ لا يزال حيا«. فالقصيدة المرحة المبنية على حضور مهدي تنعطف عبر الخاتمة باتجاه المرارة والأسى والفقدان. غير أن قصر القصائد ونزوعها نحو الإيجاز واللمعة الخاطفة لم يغير من طبيعتها السردية التي ميّزت شعر حسن عبد الله منذ البداية. فالشاعر الذي استهل حياته بكتابة القصة القصيرة ظل متشبثا بروح السرد والإخبار محاولا أن يربط قصائده بخيط قصصي يمنعها من التشتت ويربط بين عناصرها المختلفة. وهذه الميزة تنتظم كل القصائد، إلا أنها تنجح في بعضها وتخفق في البعض الآخر. وهنا لا بد من الاشارة الى بعض الثغرات التي أصابت قصيدة حسن عبد الله في مرحلتها الجديدة. من هذه الثغرات المبالغة في السرد والوصول به الى حافة النثرية دون مسوّغ يذكر. ففي القصائد السابقة كان السرد يتداخل مع البنية الدرامية الملحمية للقصيدة كما كانت الصور الشعرية المباغتة تمنعه من الوقوع في النثر الخالص، في حين أن بعض القصائد الجديدة تستسلم للنثر العادي دون رافعة مجازية أو صورية تعيدها الى أرض الشعر: »بعد يوم سأل:/ قلت نذل؟/ أنا ما قلت نذل/ بلى قلتها/ لم أقلها/ لنقل إنني قلتها/ فإلى أين تدفعني كي أصل/ وانفعل/ وانفعلت/ وصاح/ وصحت..«. والأمر نفسه يتكرر في قصائد أخرى مماثلة كما في قصيدة »قافلة« و»هدير« و»لم يكن ذلك حباً« وغيرها. كما أن هذا النزوع النثري ينتهي أحيانا بنوع من الشروح الزائدة والتقريرية التي لا لزوم لها كأن ينتهي الشاعر الى الاستنتاج العادي: »جمح المال/ لا أمل بفساد أقل/ وقبح أقل«. أو الى استنتاج آخر في قصيدة »الأفكار« يبطل دور القارئ ويلغي حاجته الى التأمل الشخصي والتأويل الخاص: »العالم ليس كما تبنيه وتؤثِّثه أفكار الناس/ العالم إحساس!«. والحقيقة ان ثمة نزوعا واضحا لدى حسن عبد الله نحو التأمل والحكمة. غير ان هذا النزوع يخرج أحياناً عن حدوده ويتحول الى نوع من التعليمية المباشرة والوعظ المجرد كما في الأمثلة السابقة. وهذه المشكلة في رأيي ناجمة عن تمرس الشاعر بأدب الأطفال وتفرغه لهذا النوع من الكتابة ردحا طويلا من الزمن بحيث لم يعد يستطيع التخلص من آثاره وسماته في ما بعد. غير أن الشاعر سرعان ما يستعيد الوجه الناصع لنزوعه الحكمي الذي يأتي أحيانا أخرى خاطفا ومفاجئا وشديد التميز: »فجأة/ دار شيء برأسي/ وحدسٌ ومضى/ الحياة مرض«. أو: »الحياة قليلة/ الحياة أقل من امرأتين«. في مثل تلك اللمحات الإنسانية العالية يستعيد حسن عبد الله قوة تركيزه وغنى مخيلته وقدرته الفائقة على الإيجاز والتكثيف وقطف رحيق المعنى الإنساني. يبقى القول أخيرا ان بعض الملاحظات التي ذكرت لا تقلل على الإطلاق من قيمة المجموعة الأخيرة التي تؤكد مسيرة الشاعر وخياراته الثابتة القائمة على الصدق والجرأة والمكاشفة والوضوح. إن قصيدة حسن عبد الله هي ثمرة مغالبة مضنية مع اللغة والصورة وليست استسلاما سهلا لهما، وهي قصيدة مغامرة وتجريب لا قصيدة استكانة وركون، وهي بالتالي قصيدة الحياة لا قصيدة الذهن والإنشاء المجرد.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة