As Safir Logo
المصدر:

طريقان الى بوذا واحد يتأخد في العالم واخر يصل فورا الى النيرفانا كل واحد بوذا والزن فن الاستنارة الكاملة لكل حركة ولحظة

المؤلف: خليل ربيع التاريخ: 1999-01-29 رقم العدد:8210

طريقان إلى بوذا.. واحد يتأخر في العالم وآخر يصل فوراً إلى النيرفانا كل واحد بوذا والزن فن الاستنارة الكاملة لكل حركة ولحظة ****** تعتبر البوذية تاريخيا، بداية وعي الإنسان لذاته، وإدراكه لمحيطه، خلافا للديانات التي كانت سائدة في الهند القديمة، وخاصة البرهمانية وطقوسها المعقدة وفوارقها القبلية المقدسة، وقد عنيت البوذية بشكل خاص بالإنسان ومعاناته ودعت الى تحريره من هذه المعاناة، لا بمقاتلة قوى الطبيعة، بل عن طريق الكمال الأخلاقي الذي يمكن بلوغه، بالانغماس بالنيرفانا أي الانسحاب من الحياة. وترتكز البوذية على المبدأ الفلسفي القائل بأن الإنسان والعالم شكلا تياراً من عناصر المادة والوعي يسمى (الدهارما) وهما يتناوبان بحلول الأول مكان الثاني وبالعكس، ويكمن الخلاص في قمع أي إثارة للدهارما. والبوذية وفق هذا المبدأ، هي اليوم أسلوب حياة لنحو 500 مليون نسمة موزعين بشكل أساسي في نيبال وبورما وتايلند والصين واليابان. ورغم الاتفاق على أسلوب الحياة البوذي، إلا أن الاختلاف هو في المحاولات التي يتم القيام بها لتبرير ذلك الأسلوب الذي يستند في النهاية إلى نتائج نوعية معينة من الحياة، هي بالضرورة التبرير الوحيد لتلك النوعية، التي يفترض بها أن تخرج بالمرء من دائرة المعاناة وتتيح له الرضى والسلام (الهدف الأسمى للبوذية). كل إنسان بوذا وهذه النتائج ليست محكومة بالطريق الذي سلكه بوذا نفسه، اذ ان كل إنسان فيه بوذا، وكل إنسان يستطيع أن يسلك طريقه التي تقوده الى الاستنارة من خلال الحقائق »الأربع النبيلة« للتغلب على المعاناة، وعبر الطريق ذي »الشعاب الثمانية« التي حددها المعلم، والحكم بالنهاية يكون على النتائج. وحتى الطريق الوسط الذي سلكه بوذا، ليس بأفضل الطرق للوصول الى الاستنارة، لأن لكل إنسان معاناته، ولكل إنسان تجربته الخاصة مع المعاناة وسبل الخروج منها وفق مبادئ البوذية التي يتفق عليها الجميع. وبالتالي فإن هذا النوع من الرحابة في ممارسة التأمل والسلوك، شرّع الاجتهاد والنقاش والأساليب، في السلوك والغائيات، والأولويات، وطرق بلوغ الاستنارة، حتى تفرعت البوذية على نحو عشرين مدرسة، لكل منها نظرتها وآراؤها، وتتفاوت من حيث الأهمية والتأثير، وسنتحدث عن أبرزها وأبعدها تأثيرا في التاريخ والفكر البوذيين. بوذا يسجل التاريخ البوذي وجود 24 بوذا قبل سدهارتا جوتاما، الذي عرف في ما بعد باسم بوذا، وهذا قد يعني وجوداً سابقاً للبوذية أو شكلاً من أشكال التأمل والعبادة الذي طوّره بوذا نفسه، وهذا الأخير قد يكون محطة بارزة أو عامل انتقال عن السائد في الهند القديمة. ولأنه لا يوجد دليل مادي على وجود البوذات الأربع والعشرين الآنفي الذكر فإن تاريخ البوذية يبدأ مع سدهارتا أو شاكياموني (حكيم قبيلة شاكيا) (563 483 ق.م). وتتفق الروايات عن سدهارتا في انه كان ابناً لعائلة نبيلة حاكمة جنوبي ما يعرف اليوم بالنيبال، وأن أحد الحكماء أشار على والده بأن يجنب ابنه مظاهر الشقاء والمعاناة كي لا يتحول الى الزهد ويترك الحكم، وبناءً على هذه الإشارة عاش سدهارتا حياة لهو وترف حتى سن التاسعة والعشرين، الى ان عاين وواجه ظواهر المرض والشيخوخة والموت، الأمر الذي دفع به الى البحث عن أسباب المعاناة التي يتعرض لها البشر، وإيجاد السبل للقضاء عليها، وذلك من خلال الاندفاع نحو الزهد والتقشف حتى شارف على الموت، وأثناء هذه المرحلة توصل سدهارتا الى انه لا الانغماس بالملذات ولا التقشف والزهد يفضيان الى القضاء على المعاناة، وإنما »الطريق الوسط« بين هذين الاتجاهين المتطرفين، وطبعا من خلال ضبط النفس والتطهر، وهكذا حقق سدهارتا استنارته، ليعرف مذاك ببوذا وليصرف بقية عمره في الوعظ والإرشاد معلما الحقائق الأربع النبيلة والطريق ذا الشعاب الثمانية (جوهر البوذية). المدارس عُقدت ثلاثة مجالس بوذية بعد وفاة بوذا، الأول اثر وفاة المعلم مباشرة في راجاجها، والثاني بعد قرن تقريبا في فيسالي، والثالث ربما في القرن الثالث في بتاليبوتا. ومنذ المجلس الأول ظهرت الخلافات الحادة حول قواعد الانضباط، وقد رُد آنذاك الاقتراح الذي يدعو الى تخفيف حدة الانضباط في المعيشة التي يحياها الرهبان، وأوصى المجلس بالاحتفاظ بالقواعد نفسها كما حددها بوذا دون حذف أو إضافة. هذا الخلاف، بعد قرن من الزمن، أسس لمعارضة قوية في المجلس الثاني حيث ظهرت مسألة الانضباط كمشكلة خطيرة هذه المرة، وتختلف المصادر حول نشوء الانقسام الأول بين المجلس الثاني أو الثالث، إلا أن الخلاف حول هذه النقطة أدى الى قيام مدرسة المهاسنغيكا، التي دعت الى مجتمع أكثر انفتاحا، وإلى نمط أقل تشددا من أنماط الانضباط السائدة، وركزت على رؤية ميتافيزيقية محددة لبوذا التجاوزي وليس بوذا التاريخي، ولا يدرك بوذا التجاوزي إلا بدرجة نقاء كل واحد. وهذه النقطة الأخيرة هي جزء من مجموعة نقاط خلافية، تجاوزت مسائل مثل قواعد الانضباط والسلوك لتؤسس في ما بعد لخلافات على أسس دينية تتعلق بتفسير تعاليم بوذا بالوصول الى النيرفانا. أول انقسام حدث كان مع مدرستي »الترافادا« و»المهايانا«، فالأولى ركزت على الفرد وإنجازاته وهدفت الى الوصول الى القداسة (الأرهاتية)، من خلال التدريب على إطفاء الشهوة والانضباط الصارم، والجهود التي يبذلها الفرد في التأمل والعبادة. أما المهايانا فقد اهتمت بمساعدة الآخرين في القضاء على المعاناة وركزت على الشفقة التي أبداها بوذا التاريخي، وبالتالي تراجع التركيز على الجهد الفردي، والاعتماد بشكل أساسي على الإيمان ببوذا، وهدف هذه، المدرسة ان يصبح المرء المعتنق لنظامها بوذيستفا، الذي سيكرس نفسه في مساعدة الآخرين في قصر المعاناة. وهذا البوذيستفا (بوذا المنتظر) أو الشخص الذي يسلك لأن يكون بوذا، وهي مرحلة ما قبل الاستنارة، يتحول فيها المرء الى وعد ببوذا مع حتمية الوفاء بهذا الوعد بالنهاية، ولكن دور البوذيستفا يكون بالدرجة الأولى بالتخلي عن النيرفانا ليظل في العالم، ما دامت هناك معاناة وما دامت هناك مخلوقات يتعيّن إنقاذها من هذه المعاناة. ويمكن اعتبار ان كل المدارس التي تفرعت في ما بعد خرجت من هاتين المدرستين، وقد انقسم البوذيون بينهما، بين أن يسلك المرء الى أن يغدو بوذا، أو أن يسلك وينضبط الى ان يتحول الى بوذيستفا، ومع تطور هذين الاتجاهين نشأت المدارس المختلفة وكل يدعم وجهة نظره بميتافيزيقيا مختلفة داخل البوذية، وفي هذا الاطار دعمت نزعة الشك الفلسفية، ونزعة السلطة المطلقة، مدرسة المهايانا فيما دعمت ميتافيزيقيا التدفق المستمر للواقعية، مدرسة الترافادا. وهكذا أدى الانقسام في المنظور الديني الى قيام أنساق ومذاهب فلسفية، توزعت أيضاً على اتجاهين فلسفيين هما فلسفات الواقعية والمثالية. وتوحدت مع الأولى (الترافادا) مدرستا فيبهاشكا وسوترانتيكا، ومع الثانية (المهايانا)، اشفاجوسا، مدهياميكا، واليوجاكار. الفيبهاشكا: انتقدت هذه المدرسة كلاً من المدارس البوذية والهندوسية، وهي تقول إن العالم مؤلف من ذرات متحركة مستمرة في الحركة ويمكن إدراك العالم على نحو ما هو موجود. السوترانتيكا: تقوم على الواقعية الانتقادية، وهي من أهم المدارس الترافادية التي مهدت لظهور مدرسة فيجنانفادا، وترتكز على الأجزاء الأخيرة من النصوص البوذية، وأتباع هذه المدرسة يردونها الى أنانوا وهم أتباع بوذا المقربون (السوترات: الأسفار المقدسة). المدهياميكا: وهي مدرسة »نزعة الشك الفلسفية« وقد ذهبت الى عدم إمكان إدراك الواقع تماما من خلال وسائل ذهنية وحسية. ورغم اعترافها بالنشاط الذهني إلا أنها لا تعتبره النشاط النهائي. اليوجاكارا: عُرفت هذه المدرسة بهجومها النقدي الحاد على المدارس البوذية الأخرى، وتؤكد على نشاط العقل وتستبعد ما عداه. نلاحظ ان هذه المدارس رغم انها تنتمي الى تيارين أساسيين هما الترافادا والمهايانا (الواقعية والمثالية) أو تلك التي تسلك باتجاه التحول الى بوذا وأخرى الى بوذيستفا، وهذا ما يعني غائية التيارين المذكورين، وتنعكس هذه الغائية بالتأكيد على نمط العيش والسلوك ونسبة الانضباط، لكن الخلافات داخل التيار الواحد أو مع التيار الآخر تقوم على التصورات الفلسفية المفضية الى الغاية المنشودة ويجب عدم الخلط بين التصورات الميتافيزيقية وجوهر البوذية، لأن هذه الأخيرة تتمثل في فهم المعاناة والقضاء عليها، وليس في تصورات عن الإنسان والعالم، وأيضا نلاحظ في تصورات المدارس الفلسفية البوذية ونقاش بعضها مع بعض تقاربا بين مدرستين من اتجاهين مختلفين، إذ ان اليوجاكارا المهايانية نراها أقرب الى السوترانتيكا الترافادية لجهة اعتمادها على العقل كوسيلة تؤدي الى الغاية المنشودة لكل منهما بحيث تذهب اليوجاكارا بالمرء الى ان يتحول الى بوذيستفا فيما السوترانتيكا تنشد الوصول الى بوذا. ولإيضاح هذا التقارب والتباعد بين اليوجاكارا والسوترانتيكا، مثلا، يجدر بنا التفريق بين البوذية كأسلوب بالحياة، وبين الفلسفات البوذية، فالبوذيون على اختلاف مدارسهم وفلسفاتهم يتفقون على ان الطريقة البوذية هي أفضل طريقة للحياة، وترتكز تعاليمها على مفهومي الانضباط والشفقة البوذيين. ولكن مدرسة السوترانتيكا ترتكز على الانضباط الصارم للخلاص الفردي بالوصول الى الاستنارة، من خلال إعلاء شأن العقل واعتماده، فيما مدرسة اليوجاكار تميل الى مفهوم الشفقة الذي أبداه بوذا نحو العالم لخلاصه من المعاناة من خلال إعلاء شأن العقل واعتماده. وما نقطتا الخلاف والالتقاء في هاتين المدرستين إلا نموذج عن عشرات من أمثالهما نجدهما في تاريخ المدارس الفلسفية البوذية التي دأبت على إيجاد أساس عقلي للتعاليم الدينية البوذية. وبرغم خلافات هذه المدارس حول ما تراه الطريق الأمثل لقهر المعاناة إلا أنها تعترف ببعضها ولا تلغي الآخر وذلك انطلاقا من مبادئ البوذية التي تعود الى بوذا نفسه الذي شجع أنصاره في تمحيص مذهبه بأنفسهم وذلك بالاستناد الى سلوك الطريق ذي الشعاب الثمانية. وحتى بوذا عندما وصل الى استنارته من خلال »الطريق الوسط« والرجوع الى الإيمان استبعد اعتبار الايمان المبرر الوحيد للطريق الأوسط. وبالتالي فإن النتيجة التي تفضي الى السلام والرضى، هي المبرر الوحيد لهذه النوعية من الحياة او تلك، أما كيف ولماذا يكون وضع الحد للمعاناة ووصول المرء الى السلام والرضى، وهما المنطلق الأساسي للفلسفات البوذية، فالإجابات المختلفة عن هذا السؤال تختلف وتتوزع الفلسفات البوذية. البوذية الصينية قبل الحديث عن دخول البوذية الى الصين، لا بد من الإشارة الى بعض خصائص الثقافة الصينية، والاتجاه العام للشخصية الصينية في ذلك الوقت، الأمر الذي سيوضح استقبال بعض مدارس البوذية بحماسة، دون غيرها من المدارس برغم انتمائها الى مبدأ أو جوهر ديني واحد. وأهم هذه الخصائص هي سيطرة الكونفوشية شبه المطلقة على العقل الصيني، وسيادة مبدأ الخير الفطري بالطبيعة الإنسانية، وهذا المبدأ الذي تقوم عليه الديانة أو الفلسفة الكونفوشية، يركز على الاهتمام بشؤون الناس وجعلهم عظماء أكثر من محاولات تفسير العالم وفهمه، إضافة الى ان الكونفوشية فلسفة أخلاقية سياسية وأرضية بالمطلق، ولا تتضمن ميتافيزيقيا خاصة بها كما هي الحال بالنسبة للديانات عموما والبوذية خصوصا. وتتقاسم التاوية (بنسبة أقل) النفوذ على العقل الصيني مع الكونفوشية، وتقوم التاوية على مبدأ الطريق الطبيعي الى الحرية، أي توحد تاو الإنسان مع تاو الكون ليسود السلام والتناسق، وتمثل تعاليم التاو الأخلاقية والاجتماعية محاولة بنّاءة للحفاظ على الحياة الإنسانية وجعلها عظيمة. وبالتالي فإن سلامة الحياة الإنسانية، وتحقيق عظمة الإنسان من خلال التاو أو الكونفوشية، بالتركيز على المبدأ الإنساني والأخلاقي أو الطبيعي، وبوسائل عملية، هما الاتجاه العام الذي تحكم في العقل الصيني وحدد مسار حياة إنسانه في تلك الفترة، إضافة إلى ان ما من فكر نشأ أو وفد الى الصين، ارتبط صعوده أو هبوطه بدرجة اقترابه أو ابتعاده عن الكونفوشية، وبنسبة أقل التاوية. وسط هذا المناخ الفكري دخلت البوذية الى الصين، بمختلف مدارسها، أوائل القرن الأول قبل الميلاد، أي بعد نحو أربعئمة عام من سيطرة مطلقة للكونفوشية والتاوية على العقل الصيني، وقد تمكنت المدارس البوذية التي توافقت مبادئها مع مبادئ الكونفوشية والتاوية من بسط نفوذها وممارسة تأثيرها على العقل الصيني. وقد أدى تشديد البوذية النرفاوية ومن خلفها مدرستا الفيبهاشكا والسوترانتيكا، على الطابع العابر والزائل للواقع، الى عدم انتشارها نتيجة اصطدامها بالمزاج العملي الصيني. كذلك بالنسبة الى مثالية مدرسة اليوجاكارا، الا أن تقاليد التأمل التاوية وانسجام اليوجاكارا مع تلك التقاليد سمحت لهذه الأخيرة بالتمدد والانتشار والتغلغل في الفكر الصيني. أما البوذية المثالية التي لا تعرف الحلول الوسط، وتؤكد واقعية الوعي وحده فقد تلاقت مع مدرسة هوا ين، وبمتقضى هذا التلاقي اعتبرت كل عناصر الواقع واقعية ويعكس كل منها الآخر بحيث يصبح الكون في تناسق كبير بين الوعي واللاوعي، البسيط والمعقد، أي انسجام كل الأضداد لأن العناصر المطلقة التي يتألف منها الكون تحتوي في ذاتها كل الجوانب والاتجاهات المختلفة الموجودة في العالم. واعتمدت مدرسة تيان تاي (الشرفة السماوية) انطلاقا من لا وجود الواقع بأسره، ثلاثة مستويات للواقع، مستوى الدارمات (الأشياء) المؤقت، ومستوى الخواء المطلق، ومستوى الجمع بينهما، وفسر فلاسفة هذه المدرسة بأن الأشياء لها وجود مؤقت، وهي في وجودها المؤقت تمثل الحالة الحقيقية للوجود، وبالتالي فإن الطريق الأوسط يكون في خلاصة تضم الظواهر والحقائق الواقعية الخفية بما يعني تناسق التجاوز والمثول، الدارمات والخواء. مدرسة الأرض الطاهرة، ويقال لها مدرسة »اللوتس«، وهي من حيث الجوهر مدرسة الإيمان البسيط، وتفيد بأن من يعجز عن بلوغ الاستنارة يمكن أن يصل إليها عبر الإيمان بفاعلية بوذا والبوذيستفا، فبعض البوذا خلقوا أرض بوذا وأرض »امتبها« (النور اللامتناهي) والتفرع البسيط والإيمان بفاعلية »امتبها« يضمن للمؤمن الميلاد من جديد في الأرض الطاهرة. بوذية زن وفق تراث الزن (تشان بالصينية) فإن بوذية الزن تصل في تسلسلها الى بوذا التاريخي، وان بوذيدارما الذي أدخل الزن الى الصين (القرن الخامس م.)، هو المعلم الصيني الأول والمعلم الهندي الثامن والعشرون، وهذا التسلسل شديد الأهمية بالنسبة الى تراث الزن، فهو من جهة يؤكد التواصل مع استنارة بوذا التاريخي وتعاليمه، ويتناسق من جهة أخرى مع مبادئ التأمل والتجربة الخاصة بهذه المدرسة، لأن أصالة تجربة الاستنارة بحاجة الى أن يجيزها شخص مؤهل، وبما أن شخصا مستنيرا بالفعل هو وحده يستطيع الحكم على أصالة تجربة استنارة شخص آخر، فإن نقل التعاليم من خلال التجربة، يتم بصورة طبيعية من المعلم الى التلميذ أو المريد. وتقول الأسطورة ان بوذيدارما جاء الى الصين في القرن الخامس ونقل ممارسة التأمل وتعاليم الاستنارة المفاجئة، عن طريق الجلوس بلا حراك والتأمل طوال تسعة أعوام في دير شاو لين سو. وتشير أقوال الزن (الكوانات) حول مبدأ التعليم الذي يأتي عن طريق التجربة فقط لا بالنصوص والكلمات، الى كلمة بوذا الشاكياموني على جبل جردراكوتا، حين رفع زهره عاليا أمام الجمع وقال »لديّ الدراما الحقة التي تسود كل شيء، والنيرفانا التي لا نظير لها والتعليم الفريد للصورة المجردة من الصورة، وهو لا يعتمد على الحروف وينقل خارج النصوص وإني أسلمه الآن الى لمهاكاشو«. إن عبارة بوذا واضحة لا لبس فيها بأن التعليم الفريد يكون خارج النصوص والكلمات وأن الاستنارة التي لا نظير لها لا يمكن صوغها في كلمات، وقد يكشف صمت عميق أو ابتسامة عن الانتقال المنعم بتجربة الاستنارة. وما قصة بوذيدارما مع الأمبراطور وو تي الذي كان شديد الحماسة للبوذية إلا خير اختصار لمجمل مفاهيم الزن وتجربتها حين رد بوذيدارما على إنجازات الأمبراطور في تشييد المعابد ونسخ النصوص ورسامة الكهنة بأنها دوافع غير نقية وتشبه ظلاً يتبع شخصا لأنه لا واقع لها ولا جدارة لها. وعندما سأل الأمبراطور بوذيدارما عن الجدارة الحقيقية أجاب »انها المعرفة الخالصة الرائعة والكاملة، لب ما هو خواء ومثل هذه الجدارة لا يمكن اكتسابها بتقديم أشياء دنيوية« وجوابا عن سؤال حول كيفية وجود مثل هذه المعرفة أجاب بوذيدارما »خواء شاسع ولا شيء مقدس« وعندما سأل الأمبراطور من الذي يقف أمامي أجاب »لست أدري«. هذا الحوار الذي ينكر القداسة عن المعرفة، لا بل ينكر أي شكل من أشكال التمذهب والقسمة الثنائية التي تمزق الواقع وتشعبه بين مقدس وعادي، كائن وغير كائن، وحتى عندما أراد الأمبراطور ان يحشر بوذيدارما بوجوده أجاب عن نفسه بأنه لا يدري من الذي يقف أمامه.. ويمضي بوذيدارما الى ما وراء التجربة، الى الرؤية المباشرة وصولا الى الواقع المطلق غير المجزأ معلنا ان »السمسارة« (دورة الميلاد والممات) والنيرفانا خاويتان، والخلط بين البنى الخاوية والواقع هو جذر الحياة الناقصة والممزقة. وتقوم الزن على ثلاثة أسس هي الممارسة والاستنارة والتعاليم، والممارسة هي القاعدة الأساسية في النظام (الزازن) حيث يتم الجلوس للتأمل عبر السيطرة على كامل الجسم، الرأس والقدمين واليدين وتنظيم التنفس والسيطرة على الانفعالات وصولا الى غرس الصمت في أعمق أعماق كيان المرء، وتفترض هذه الممارسة ان الإنسان ضائع في شبكة هائلة من الأفكار والنظريات والتأملات والرغبات الخ... التي تشكل حاجزا بينه وبين الواقع الحقيقي، وهدف الزازن تحرير هذا الانسان من هذه الشبكة تمهيدا لوصوله الى الاستنارة (الهدف الثاني) التي تأتي بشكل مفاجئ كالومضة، وبنتيجتها يكون الاستبصار من خلال انسحاب الجسم والعقل أي انه وصل الى مستوى من التركيز والاستبصار أصبح عنده خاويا من مفاهيم العقل والجسد. ولأن الاستنارة لا توصف بالكلمات يقوم معلمو الزن باختباراتهم مع الأشخاص الذين تمت استنارتهم وغالبا ما تكون الاختبارات في قياس ازدواجية تفكيرهم من خلال أسئلة تتطلب أجوبة تعبر عن ان المستنير لا تشوب استنارته شائبة. وفي المرحلة الأخيرة أو الهدف الثالث للزازن يكون في دمج الاستنارة الكاملة للنفس الكلية بالأنشطة اليومية، وهكذا فإن كل فعل ولحظة يعاشان في استنارة كاملة. هذا باختصار شديد المحتوى العام لبوذية »زن« التي جاءت من الهند وأخذت شكل حركة بوذية مستقلة في القرن السابع الميلادي تحت إشراف المعلم الصيني هوي يننج، وقد أدخلت الى اليابان في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، كخلاصة تجمع الأفكار البوذية الهندية والصينية (التاوية أساساً) والتي شكلت في ما بعد الثقافة اليابانية وهذه الأخيرة تشكلت بها، ويبلغ عدد معتنقي الزن اليوم نحو 9 ملايين مريد. البوذية في الصين تتوزع البوذية في الصين اليوم على ثلاث طوائف رئيسة هي: البوذية الصينية، و»البوذية التيبتية« أو اللامية وطائفة البالي. ولهم جميعا 9500 معبد ونحو 200 ألف راهب وراهبة. البوذية الصينية: هي أكبر الطوائف البوذية ويمتد انتشارها الى خارج حدود الصين من خلال صينيي الانتشار وأيضاً من خلال تعاليمها، ونظرا لصعوبة تعداد معتنقيها خارج الصين إلا أنه يستدل عليه من خلال وجود خمسة آلاف معبد وأربعين ألف راهب وراهبة. وتعتبر معابد البوذية الصينية الأشهر في العالم وأهمها جبل »وو تاي« في اقليم شان في، وجبل آي ميي في اقليم سي تشوان وجبل باتو في منطقة زهي جيانغ. البوذية التيبتية: وتنتشر بشكل أساسي في منطقة التيبت ومنغوليا الداخلية، وتدين بها قوميات التيبت، ومنغوليا، ولوبا، و»منبا« و»تو« وهؤلاء إضافة الى مجموعات اثنية معتبرة هي الناكسي والبرايمي والموايني يبلغون نحو سبعة ملايين نسمة بما في ذلك 120 ألف لاما وراهبة و1700 ناسك ولهم أيضا 3000 معبد أهمها: قصر بوتالا ودير زهاي يونغ ومعبد راموغي. أما طائفة البالي: فيبلغ تعدادها نحو 5،1 مليون مريد وهم موزعون بين منطقتي داي بلانغ فا، واشانغ، ولهذه الطائفة 1400 معبد وتسعة آلاف راهب وراهبة. وللبوذية في الصين منظماتها ودورياتها ومراكز أبحاث تابعة لها وتعتبر »جمعية البوذية في الصين« المرجع الأساسي لها (تأسست عام 1957) إضافة الى »المؤسسة البوذية الصينية« التي تصدر مجلات »صوت البوذية« و»الثقافة البوذية« و»دراسات بوذية«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة