As Safir Logo
المصدر:

نقد المسرح بلا عيون ولا مخيلة(صور)

المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 1999-01-04 رقم العدد:8190

نقد المسرح بلا عيون ولا مخيلة *** النقد ليس خصبا ولا يواكب حركة الابداع الا بطريقة آلية سطحية. انها اجابة قاسية على سؤال يحاول استكشاف واقع النقد. الا ان قساوة الاجابة المختصرة تأتت من انهيار المحصلات التي يقوم عليها النقد. اننا امام معضلة حقيقية، حين نجد أنفسنا امام حقيقة ثابتة تتلخص في ان حضور المسرح مرتبط بحضور المدينة، وانه في غياب المدينة لا مسرح وتاليا لا نقد بالكامل، سوى في محاولات قليلة بل نادرة. أما على مستوى التفاصيل، فإن الصورة ليست زهرية اللون. بل انها في وقوفها أمام الرمادي، تميل الى الاسود الكالح. اذ ان النقد المواكب والحاضن غائب بنسبة 99$. وهذه ليست نتيجة استفتاء بل يحسها كافة العاملين في الحركة المسرحية اللبنانية، وفي مقدمهم النقاد. غياب النقد من غياب النقاد. أما غيابهم فشبه اعتراف بما آلت اليه البلاد في مرحلتها المزغولة بين نهاية حرب وبداية سلام. شبه اعتراف بالتركيبة السياسية الاجتماعية الجديدة التي أفضت الى تركيب صورة المدينة على القشور. وهي قشور مصطنعة، هشة الطلة، تبتهل ان لا تعود الطبقة الوسطى المقتولة بالوقائع الجديدة الى لعب دورها القديم، الطبيعي والبديهي. تصور ان ناقدا واحدا لم يتشكل حضوره في مساحة تجربة المسرح اللبناني، منذ عشر سنوات وأكثر. وأحب في بعض الذين يكتبون عن المسرح تكرار اعترافهم بأنهم يمارسون كتابة حول المسرح وليس نقدا فيه. ولو ان هذه الكتابة تناسب أشباه مسرحيين يصولون ويجولون في الساح، من غياب خلفية حضور المسرح المتينة. نقدهم رهن ظروف استثنائية. لذا جاء انطباعيا وإنشائيا. انهم مطلوبون على الرغم من ذلك، أكرر. اذ ان النقد الذي نبتغيه يبدو منبوذا، حتى في المؤسسات التي يعمل بها النقاد بحجج مختلفة. صعوبة النقد، طلسميته وضرورات المرحلة. يبدو الناقد في مؤسسته مارقا وليس عابرا. أي ضد دين الدولة الصغيرة، سارحا في أروقتها تحت نظرات مستريبة. لان التصحيف بات بديلا للنقد الاصلي الذي لعب دورا بارزا في الحياة الثقافية اللبنانية، حتى بداية الثمانينيات. ولكي لا أبدو ظالما او مدعيا، أقول ان المؤسسة والبلاد يظلمان النقد، حين يعاملان الناقد والصحافي من دون تميزات. مساواة الاسماء ببعضها، مع احترامي الكلي للجميع، يقضي على مفهوم النقد. وهي مساواة بات من الضرورة بمكان ان تخضع الى نقد من نوع خاص. بالشفافية ربما، وربما بالمعارضة والمكاشفة او بطريقة قد تعصى سوى على اللبنانيين. النقد يبدأ من غربلة الاسماء المتسلقة لترتيب وضعها المعيشي لكي لا يتحول النقد الى مزرعة بحجة إفساح الفرص والديموقراطية. وهي ديموقراطية غائبة أساسا، في غياب الاعتراضات او تغييبها او تدفيع أصحابها أثمانا باهظة في الشوارع الخلفية للمدينة. ديموقراطية غائبة في غياب المدينة العضوية عن أحوالهم، بعد ان تحولت الى شاهد قسرية على حال الموت المدلهم السائد في أكثر التعبيرات حداثة. اختصر النقد راهنا، بحضور الناقد الاول. وليس مهما ان يكون الناقد الاول ناقدا ام لا. المهم ان يكتب مقالة اولى حول مسرحية في عرض افتتاحي فيتحول الى ناقد اول، على غرار رفيق اول. فيأتي الآخرون، مستلهمين كتابته يمدونها فوق الصفحات الثقافية ويدبجونها بما يجعلها ابنه بكتابة خاصة، صاحب النزعة الادبية في مرتبة عليا والانشائية في مرتبة دنيا. انه إعلان موت للاجتهاد والمرجعية والتمحيص. حتى ان واقعية ستانسلافسكي باتت غير مفهومة، هي الاشهر في مناهج العالم. لم يبق من المناهج غير أسمائها المتداولة بمجانية. وأخالني دائما في أجواء مدرسية حين أقرأ كلاما على مسرح القسوة وآرتو فيداهمني شغف سؤال الكاتب عن آرتو وعن مسرح القسوة. مما يتألف منه، وماذا طرح آرتو؟ واغتاظ أضعافا مضاعفة، في حين تجيء الاجابة على سؤالي من السؤال المكتظ بإدانة الكتابة المنافقة والنافقة. باتت اللغة تعريفاً او كليشيهاً، ولم تعد تطرح عناصر مساءلة حول تراكيبها ومضامينها ونسائجها. لن يهتم من يكتب في النقد اليوم، بما يعتمل في افريقيا حتى، على مستوى اللغة والمسرح. ولن يبحث أحد في مغزى انعقاد مؤتمر في كارير لمناقشة قضايا الثقافة والادب والحضارة والظروف الاستعمارية الطارئة. وقد حضر المؤتمر جماعة من مقاتلي حركة التحرير »فريليمو«. وعندما تم الوصول الى مناقشة قضية اللغة، اقترحت لغة مشتركة عامة لكل افريقيا السوداء. الى كل اللغات المحلية. طرح مثالي أجاب البعض. ولكن إجابتهم جاءت من طرح وليس من فراغ والى فراغ. لم يعد المسرح، في غياب النقد والنقاد وتعاظم حضور الطفيليين، ترجمة للذكريات والتجارب الى حد بعيد. وحمل هذه من اللاوعي الى الوعي. لم يعد المسرح سوى اسم يتردد في سماء المدينة. يقال آرتو، وتوضع نقطة بعد الاسم مباشرة. تم التعامل بالاسلحة الآرتوية على خطوط التماس المسرحية، مع مجموعة من الفرق المسرحية والعربية. وتم إطلاق قذائف غروتوفسكوية بدرجة أقوى، على جماعات مسرحية تبحث في همومها المسرحية الخاصة المنفتحة على التجربة الاوروبية والاميركية بالنسبة نفسها. قيل ان ممثلي المسرحية التونسية »عشاق المقهى المهجور« لاعبو خفة على مفهوم غروتوفسكي الراهب. في حين انهم حقيقة ينتمون الى تجربة بروك في التمثيل بعيدا عن بعض فلكلورياته الاخيرة. وقيل انهم يؤدون في مساحة سينمائية، تقطيعها سينمائي (اللحظة السينمائية الوحيدة تتمثل في انتقال شخصية الفتاة التونسية المناضلة من »غسالة النوادر« الى »عشاق المقهى المهجور« حيث تحولت أماً. وهي لحظة مدهشة وساحرة في آن). وجرى كلام على تظليل وتظليل تظليل ولم أفهمه، حين اقتحمتني روح شيبرد الاميركي وأنا أشاهد العمل الذي حوله لبنانيون الى أداة لجلد المسرح اللبناني وتصغيره، وهم على غير حق. ولو قيض لي او لأحدهم ان يكتب عن حضور شيبرد في المسرحية، لكان الاميركي اشتهر في ربوعنا أكثر من سفير بلاده لدينا. أدرك الآن حجم المأساة المهزلة، بعد ان أصابني اكتئاب عميق. فنحن على مسافة قصيرة جدا من إفلاس حول النظرية التي تجعل الكتاب والمخرجين شديدي التقرب من أعمالهم بحيث يصبحون أفضل من يفسرها، كما يقول آلبي. خزان من الرؤى والمشاهدات. هكذا أرى النقد. وهذه غائبة عنه. ثم انني أجد التخييل ضروريا في النقد أكثر مما أجده في المسرح، لكي لا نقع في مساحة من التصحر. ارتياد المسرح يمنح الاحساس بأن العالم تغير وان القيم مشكوك بها. غابت هذه الصفة السحرية من خلال النقد، وبتعاضد قليل من المسرح والمسرحيين. اذ ان نقادنا يعيشون في زمن الوجودية، لمّا ان العالم يعيش في عصر ما بعد الوجودية. فقدنا من ذلك، في نقدنا، إمكانية التنقيب عن الماضي في المستقبل، وفي المستقبل عن الماضي. عدم القدرة على الاتصال من خصائص النقد الراهن. أما القسوة والعنف في ممارسة الكتّاب نقدهم، فهما مردودان الى فقدان الاستقلال. في حين ان ذلك يشي بموت الروح وفقدان التواصل، وهذا ما تفتقده كليا تجربة المسرح بمسرحييها ونقادها. وسوف تخيف الكتّاب إشارة الى انحياز مسرحنا او بعض مسرحياتنا الى نوع من الواقعية المحلية والامثولة الاجتماعية. يغيب الكلام على التقنيات الدرامية والمسرحية، في كتابات من يكتب، لان الصيغ المسرحية ما هي سوى ردود فعل مباشرة على الظروف الحضارية التي حتمت وجود موضوعات معينة، عولجت بعد عمليات التجريب بأسلوب مناسب لها. نقادنا يقرأون المسرح بقياسات آخر ما شاهدوه من أعمال مسرحية عربية تمن علينا بها مسارح المدينة. اننا نفتقد بذلك عمقنا التاريخي. انني يائس من فاعلية النقد ومفتون بفكرة قيام مرحلة تخطي المرحلة، في غياب أي محتمل حقيقي لذلك. اما دوري، فهو دور منتحر يحاول تسوية واقع الهشاشة بتمتين نصه، وبمحضه مصداقية تلعب دورا تأريخيا أكثر من أي دور آخر. عبيدو باشا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة