فَشِلَ في »رسالة الى الوالي« وأتعبته منافسة هنيدي.. فهل عاد الى تألّقه؟ عادل إمام في »الواد محروس بتاع الوزير« عادي والمشاهد الجنسية لم تنقذه **** ترتكز الحبكة الدرامية لفيلم ويليام نيكولسون »وهج النار« (FIRE LIGHT) الذي انطلقت عروضه المحلية أمس الأول الخميس في صالات مجمّع »بلانيت« في »أبراج« (فرن الشباك) والذوق و»سيتي كومبلاكس« (طرابلس) و»كونكورد« (فردان) على مقولة لطالما ردّدتها الآنسة اليزابيت لورييه (صوفي مارسو)، مفادها ما معناه ان المرء يستطيع »أن يفعل ما يشاء، أن يقول ما يشاء، أن يكون ما يشاء«، على ضوء النار المشتعلة في حطب الموقد »حيث يتوقف الزمن«، وحين تُضاء الأنوار »ينبثق الزمن مجددا، فاذا بكل ما قلتَه وفعلتََه يصبح طي النسيان...«. ذلك أن الآنسة لورييه التي اضطرت الى بيع جسدها لارستقراطي انكليزي، في لندن العام 1837، لقاء خمسمئة باوند، كي تنقذ والدها من السجن اكتشفت معنى الحب واللذة، ومعالم الجسد وسطوته، على ضوء النار المشتعلة في حطب الموقد، في غرفة باردة، مع رجل لا تعرفه. هذا الارستقراطي الذي نجهل اسمه، في البدء، يحتاج الى وريث، بعد ثلاث سنوات على إصابة زوجته بشكل تام أدخلها غيبوبة طويلة. وما ان تلد الآنسة لورييه طفلة، حتى تنسلخ عنها بناء على الاتفاق المعقود بينها وبينه. غير ان كل شيء سيتغير: أمضت الآنسة لورييه سبع سنوات وهي تبحث عن ابنتها، وتكتب لها رسائل المعايدة على دفتر ملون بالرسوم والكلمات الجميلة، الى ان عثرت عليها في منزل شارلز غودوين (ستيفن ديلان)، الارستقراطي المجهول، حيث تصل كمربية يحتاج اليها الأب. الابنة لويزا ترفض المربيات، وتحاول طرد هذه الجديدة من دون أن تعرف شيئا عنها؛ غير أن حنان الأم وإصرار المربية على تغيير سلوك هذه الصبية الجميلة، ينجحان في استعادة المناخات العائلية، بعد سلسلة من الأحداث المتنوعة، المرسومة في إطار رومنسي وإيقاع بطيء. أما الفيلم الذي نقدّمه هنا، فهو »الواد محروس بتاع الوزير« لنادر جلال، بطولة عادل إمام وكمال الشناوي، والذي انطلقت عروضه اللبنانية، بالتزامن مع العروض المصرية، عشية أول أيام عيد الفطر السعيد (الأحد 17 1 99)، في صالات »أريسكو بالاس« (الصنايع)، »مونتريال« (الحمرا)، »امباساد« (الذوق)، »فريواي« (سن الفيل)، »ستارغايت« (زحلة)، »بلانيت سيتي كومبلاكس« و»ريفولي« (طرابلس)، »اشبيلية« و»غرانادا« (صيدا). في لقائه العاشر مع المخرج نادر جلال، »الواد محروس بتاع الوزير«، لا يخرج الممثل عادل إمام عن سياسة سينمائية انتهجها طوال السنوات القليلة الماضية، تهدف الى مواجهة الفساد السياسي والتطرف الديني، أحيانا في قالب يميل الى الكوميديا، وأحيانا أخرى في إطار درامي صرف، مستغلا جماهيريته الكبيرة، ومرتكزا على جرأة استمدها من التزام الفن قضايا الناس والحياة اليومية والمجتمع. لم يتردد عادل إمام لحظة على الرغم من كشف لائحة المتطرّفين المصريين التي ضمت اسمه الى جانب بعض أبرز المثقفين والفنانين المنوي اغتيالهم ازاء اقتناعه بضرورة تفعيل المواجهة، وان من خلال السينما، كأداة فنية إعلامية أكثر شعبية وأقوى نفوذا، في حين ان اهتمامه بمقارعة التطرف الديني لم يثنه عن فضح الفساد السياسي، والأهم عن السعي المستمر الى ايجاد بنى درامية فنية جيدة لأعماله السينمائية والمسرحية. من هنا، برزت أهمية عادل إمام، النجم الكوميدي العربي الأول، الذي ربط أعماله الكوميدية بقضايا عصره، حتى ولو كانت بعض الأعمال محض كوميدية. لكن إمام مرّ خلال التسعينات، تحديدا، في مراحل سينمائية مرتكبة: أحيانا قدّم أفلاما ناجحة نقديا، وأحيانا أخرى لم تستطع بعض أفلامه مثل »النوم في العسل« والجزء الثاني من »بخيت وعديلة« و»رسالة الى الوالي«... أن تصل الى صفاء الكوميديا، وان ظل يرغب في الكوميديا البعيدة عن الهواجس السياسية والدينية. وفي مختلف المراحل، ظل الجمهور وفيا لعادل إمام، وحريصا على متابعة أي جديد يقدمه. عودة أم ماذا ؟ في تقريره من مكتب »وكالة الصحافة الفرنسية« في القاهرة، كتب رياض ابو عواد معلقا على ما أسماه بعودة عادل إمام القوية الى ساحة الكوميديا، مشيرا الى أن »رسالة الى الوالي«، فيلمه السابق، »كان ضعيفا بكل المقاييس، وكان هذا الاخفاق مؤلما بالنسبة الى عادل إمام، بعد سلسلة من الأفلام الناجحة التي كرّسته نجم الكوميديا الأول في مصر على مدى ربع قرن«، مضيفا أن هذا يحدث »مقابل تحقيق محمد هنيدي (36 عاما) نجاحا جماهيريا ساحقا مع فيلمي »اسماعيلية رايح جاي« و»صعيدي في الجامعة الأميركية«، اللذين حقّقا إيرادات قياسية في تاريخ السينما المصرية«. كُتب الكثير حول ظاهرة هنيدي، التي صوّرها البعض منافسة على احتلال عرش الكوميديا؛ وقيل أكثر عن صراع خفي يدور بين الممثلين، مما أدّى الى تجاذبات إعلامية متعددة، حسمها الثنائي إمام هنيدي حين عبّرا عن صداقتهما، خصوصا أن هنيدي كرّر في حواراته الصحافية انه لم ولن يخرج عن »عباءة« إمام، الذي يعود الفضل إليه في إطلاق محمد هنيدي في عالم الكوميديا. ان استعادة بعض هذه المناخات تأتي كتمهيد لمحاولة قراءة مدى نجاح هذه »العودة القوية« لعادل إمام الى الكوميديا، من خلال »الواد محروس بتاع الوزير«: هل توصل إمام، في هذا الفيلم، الى تقديم مشهدية كوميدية صافية، تمتلك لغتها الضاحكة، المغلّفة برغبة في كشف الفساد السياسي في السلطة؟ ما الداعي الى تضمين السياق الحكائي العديد من المشاهد التي توحي ببعض الجنس، من دون معرفة السبب في ذلك، فاذا بهذه المشاهد تكاد تكون نافرة وغير ذات أهمية؟ وهل يمكن القول ان »الواد محروس بتاع الوزير« يفضح شيئا من الفساد السياسي، كوميديا، أم ان الفيلم لا يقدّم أي جديد يذكر على هذا المستوى؟ يؤدي عادل إمام دور رجل أمن يدعى محروس الدخاخني، يتحول بين ليلة وضحاها من شاويش بسيط الى مرافق لوزير من قريته (كمال الشناوي)، بعد تدخل والد الأول لدى والد الثاني. هذا التحول يتيح للشاويش المرافق أن يطّلع على صفقات مشبوهة وأسرار عائلية (زواج الوزير من امرأة شابة، بعد عشرين سنة على زواجه الأول، واستمرار ضعف شخصيته أمام امرأته الاولى ووالده)، تقوي مركزه، قبل أن يتسبّب بفضح الوزير الذي لن يتردّد لحظة عن الانتقام منه، فيعيده الى وظيفته الأولى، ويقوم الضابط المسؤول عنه باتهامه بعدد كبير من التلفيقات، مثل تعرّضه للمصالح الأميركية وللسلام في المنطقة وللعولمة والخ... فيقدم استقالته ويعود الى قريته، لنكتشف فجأة انه أصبح عضوا في مجلس الشعب، همّه أن يفضح هذا الوزير، وبقية الوزراء، عبر إغراء مرافقيهم »بأكلة حمام« والحصول منهم على معلومات سرية. في حين أنه لن يتردّد، بدوره، في قبول الرشاوى، والتحول الى سياسي فاسد، مثل الآخرين. لا جديد غالب الظن أن الفيلم العاشر للثنائي نادر جلال عادل إمام لم يقدّم أي جديد يذكر، لا على صعيد الشكل الكوميدي، ولا على مستوى المضمون الهادف الى كشف الفساد السياسي. هذا الأخير (كشف الفساد السياسي) كان يمكن أن يظهر، عبر الكوميديا أو الدراما، بطريقة مختلفة وأكثر إقناعا ومنطقية، تماما كما حدث، مثلا، في »طيور الظلام«. صحيح أن ثمة سخرية لاذعة طالت شخصية الوزير، ومسار الشاويش المتحوّل الى عضو في مجلس الشعب وسياسي فاسد؛ وصحيح أيضا أن ثمة تقليدا للداعية الاسلامي الراحل متولي الشعراوي »في جلسته ولهجته وأسلوبه السردي، مستفيدا من ذلك لتضخيم حادثة حولته بالصدفة الى بطل، ليرويها على مسامع أهل قريته«. لكن كل هذا بدا عاديا، لا يستنفر الحواس ولا يستدعي الضحك المتواصل، رغم بعض المشاهد القليلة التي يبقى بطلها أسلوب عادل إمام (شكلا في غالب الأحيان) الذي وحده يثير ضحك الجمهور. فالكوميديا المجتزأة و»العادية« ظلّت في إطار مبسط، والمضمون السياسي الاجتماعي بدا مشوّها، بل هشا للغاية. »المشاهد الجنسية« المكثفة كشفت عن فراغ في الحبكة، خصوصا وانها إذا أضيفت الى الفيلم ككل بدت مستعادة من أفلام سابقة لعادل إمام نفسه. بالنسبة الى هذه المشاهد، فانها تبدأ مع دخول محروس منزل الوزير، لأول مرة، فاذا بالخادمة هيام (وفاء عامر) تقع سريعا في غرامه، وتتحرش به، قبل ان يمارسا »ما يشبه الجنس« على طاولة الطعام في المطبخ. وحين يصبح عضوا في مجلس الشعب، لا يتوانى عن التغرير بخادمته، التي سرعان ما تبدي استعدادها لمطارحته الغرام، لولا دخول هيام، التي تصبح زوجته الثانية، المطبخ في اللحظة المناسبة. كما ان الكاميرا تكثر من تصوير المشاهد الغرامية بين الوزير وزوجته الثانية: كل هذه المشاهد لا تعني شيئا في سياق الحكاية، بل كان يمكن اختزالها وتكثيفها دراميا بما يتناسب مع الحبكة. لكن القيمين على صناعة هذا الفيلم ارتأوا الإكثار منها، في إطار أقل ما يمكن وصفه به هو انه عادي للغاية، الى درجة الهشاشة. كان يُمكن لعادل إمام، الذي استاء من فشل »رسالة الى الوالي«، جماهيريا ونقديا، أن يسعى الى تقديم شريط سينمائي مختلف ومتميز. لكنه في »الواد محروس بتاع الوزير« على الرغم من تدفق الجماهير في مصر ولبنان (حقّق الفيلم خلال الأيام الثلاثة الأولى له في لبنان رقما قياسيا بلغ واحدا وعشرين ألف بطاقة) لمشاهدته لم يكن على المستوى الفني المطلوب، بل المنتظر من ممثل قد يبقى طويلا على عرش نجومية الكوميديا، لما يتمتّع به من حصانة شعبية ومن تاريخ سينمائي ومسرحي مشرّف وجريء. ن. ج.