As Safir Logo
المصدر:

رحيل اببولندي غروتوفسكي عملاق المسرح واحد معلميه في القرن العشرين الممثل هو الاصل وبجسده واصواته يرسم العالم(صورة)

المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 1999-01-21 رقم العدد:8203

رحيل البولندي غروتوفسكي عملاق المسرح وأحد معلميه في القرن العشرين الممثل هو الأصل.. وبجسده وأصواته يرسم العالم *** واحد من كبار التجربة المسرحية في العالم يغيب. انه قدر مستمر. فكرة القدر اليونانية التي طالما قامت التجارب الحديثة في موقع ضدي لها، تكتسح المسرحيين. هذه دورة، لا تغفل عن أحد مهما كان كبيرا. جيرزي غروتوفسكي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، غاب يوم الخميس الماضي عن عمر ظننته أكثر. ذلك ان غروتوفسكي بحسب الاخبارات الرسمية، مواليد العام 1933. اي انه في السادسة والستين من العمر. وليس هذا عمرا مديدا إذا ما قيس بأعمار الفنانين التشكيليين الذين لا يغربون، في مفارقة مدوية، الا في الثمانين وما فوقها. كدالي وبيكاسو وميرو وبراك وليجيه. إبن التناقضات الكبرى في العالم، يغيب في ليلة غاب عنها القمر. عمّر مسرحيا. ليس هذا فقط. بل انه بنى منهجا، طرقه المسرحيون كافة، بالكلام عليه وبممارسة شروطه واعتناق أدواته او رذلها. الا انه بقي صاحب طريقة وأسلوب. كطريقة وصلت في واحدة من زواياها الاساسية، الى مشابهة طرق التصوف بالعلاقة بالممثل ولو انها تختلف عنها بالجوهر. استفاد غروتوفسكي من كل شيء. وحين لمع نجمه، بدا قديسا يعتمل فيه الطهر الى حد الأيقنة. حين صار الرجل روحا أكثر من جسد. طاف العالم بمسرحه الفقير. غير انه إذ استفاد من التناقضات الفكرية، بين شيوعية ورأسمالية، فإننا لم نلحظ في وهج تجربته انه مثل المسرح البولوني تمثيلا كاملا في العالم، في ظل وجود آخرين قد ينبذونه او قد يفوقونه أهمية ككانتور مثلا ومن بعده يوسف شاينا. فتح كانتور بوابة الظنون على وسعها، حين أعلن بأن غروتوفسكي سرت تجاربه. وأنه حمل زبدة هذه التجارب الى العالم، تحت تغطية واسعة من النظام البولوني الشيوعي النظرة والخبرة والممارسة والتقاليد. لو جاء الكلام هذا من غير كانتور، لقيل فيه انه كلام غيرة ومنافسة مفتوحة على الاساليب مهما تدنت أو جبنت. الا ان الكلام الصادر عن إله المسرح في بولونيا، صاحب تيار ما بعد التجريب، بعد تجربته في »الاندرغراوند« (واحد من حلقات تجاريبه المدهشة على »الممثل« وعلى »الامبلاج« كما يجب ان يطلق على الشكل) حرك قضية مشروعية مسرح غروتوفسكي، طالما ان مبدأ العمل واحد عند الاثنين، الممثل ثم الممثل ثم الممثل، قبل ان تأتي العناصر الاخرى. مات كانتور قبل غروتوفسكي. وها هو الثاني يلحق بالأول، مخلفا طريقة ومنهجا وتساؤلات والتباسات. الاخيرة جزء من ألق المسرحي ومهنته. بل أنها محصلة لأزمة في وقت من الاوقات. منح المادة وظيفة جديدة، لصالح الممثل هي في مبدأ الاثنين. الانحياز الى جماليات بيسكاتور لا تدين تقشف غروتوفسكي، ففي طروحات الاول ترنو الجماليات بكلها الى وضع الممثل، على سوية المناطق والعلاقة العليا في الآداء. او الوصول الى التجلي، الذي يميل الى الطقسية حكما في طريقه الى طبقته المرجوة. مهمة الممثل عند الاثنين عبارة عن مجموعة من الانشطة، مرتبطة أشد الارتباط بتكوين العرض المسرحي ككل، وبعيدا عن الأداء الذاتي للشخصيات. بل انها خاضعة لأسلوب يتسم بطابعه الذي يقف بالمرصاد ضد الواقعية والمأخوذ عن نظرية فيتكيفيتش. ان جسد الممثل عندهما، وحركته، ينبغي ان يأخذا شرعيتهما من كل مسطح ومن كل شكل وصيغة، من كل خط تبينه على خشبة المسرح. فالحركة تتوالد في حركات متتالية، تخرج من شخصية لتدخل في نسيج وداخل حركة الشخصيات الاخرى. ينشأ بهذا الاسلوب نسق حركي محدد، ينعدم فيه الشعور بالتخوف والملل والتحرك الآلي. بل على النقيض من التعبيرية المكثفة والتلقائية، ينبغي الابتعاد، عن الصيغ التعبيرية المتوازية سواء في الحركة الصوت الكلام الشكل. وهي وسائل ايضاح ساذجة للواقع. فاذا ما اقتحم هذا التناقض قوة الحياة، فانه دائما ما يغدو منطقيا، على الرغم من انه قد يكون مناقضا مع المعنى الحياتي. (تادوش كانتور مسرح الموت عند كانتور منشورات وزارة الثقافة في مصر مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي). نظام تناقضات نظام تناقضات كامل، يمثل أساسا لمفاهيم الممثل. الممثلون هم منفذون أحياء في العرض المسرحي، في وسط مفهوم »المادة«. وهو مفهوم أكثر اتساعا، يحوي مجالا أكثر ثراء وانفتاحا. ويعني التشيؤ في الاستخدام. كلما فتشت عن معنى حضور الممثل في مسرح غروتوفسكي وجدته لدى كانتور، وخصوصا حين يمنح المادة (مختلف المواد المتعلقة بالعرض المسرحي المقدم او التي عثر عليها التشكيلي وتحضيرها واختلاطها بمفردات العرض المسرحي الاخرى). حتى تغدو المادة نصا كما حدث مسرحية »بلادينا Balladyna«، انها بدورها »ممثل« »لم تعد مجرد مهمة مسرحية انها تخدم الممثل في أدائه ببساطة: أصبحت متواجدة، على قدر المساواة مع الممثل. كانت... ممثلا! فالمادة ممثل!!« (Rewinoly Kacje دراسة مكتوبة على الآلة الكاتبة). ولد جيرزي غروتوفسكي في مدينة رزيزوف في شرق بولندا، حصل على دبلوم التمثيل من كلية »كراكوف المسرحية«، حيث أكمل دراسته في الاخراج وعين فيها مدرسا لفترة. بين عامي 1957 1959 عمل كمخرج في مسرح »تياتر ستاري« في كراكوف. قدم »الكراسي« ليونسكو و»الخال فانيا« لتشيخوف و»آلهة المطر« لكرزيستون، قبل ان ينتقل الى »تياتر بولسكي« في يوزتان. هناك قدم الجزء الاول والجزء الثاني من »دكتور فاوست«. في عام 1959، وكان عمره 26 سنة، أصبح أصغر مدير مسرح في بولندا، عندما كلف بمسؤولية مسرح »تياتر 13 رزيدوف« في أوبول. فترة بدأ فيها مع مساعده الناقد المسرحي المعروف بودفيك فلازن خلقه نواة ما سماه »المعمل المسرحي«. ولعل خير تعريف لتجربته التي تطورت كثيرا، ما قاله المسرحي الانكليزي بيتر بروك في مقدمة كتاب غروتوفسكي »نحو مسرح فقير«: غروتوفسكي فريد في بابه. إذ هو الثاني بعد ستانيسلافسكي الذي بحث في طبيعة التمثيل ومظاهره ومعناه وطبيعته وعلم عملياته الفكرية البدنية على النحو العميق الكامل الذي قام به غروتوفسكي. انه يسمي مسرحه مختبرا. وهو كذلك مركز بحث. ربما هو المسرح الطليعي الوحيد الذي لا عيب في فقره. فيه نقص المال ليس مبررا لوسائل تحط آليا في قيمة التجارب. اما غروتوفسكي نفسه، فيعرف مسرحه بأنه ما يحدث بين المشاهد والممثل. وكل شيء قد يكون ضروريا ولكنه مع ذلك اضافي. ليست صدفة ليس محض صدفة ان يتطور المسرح، من وجهة نظر غروتوفسكي، من مسرح غني بمواده، إذ كان دائما يستغل الفنون التشكيلية والاضاءة والموسيقى، الى مسرح فقير. فيؤول في السنوات الاخيرة الى مسرح تقشف. اي مسرح لا يحتوي سوى على الممثل والجمهور. حيث يقوم جسد الممثل بخلق كل العناصر المرئية الاخرى. يحذف غروتوفسكي، بصورة تدريجية، كل ما هو غير ضروري. لو وجد انه من الممكن ان يعيش المسرح بدون مكياج وبدون أزياء ومشاهد مستقلة وبدون مكان تمثيل منفصل وبدون إضاءة وتأثيرات صوتية وبدون نص. ولكنه لا يمكن ان يعيش بغير اتصال حي ودائم بين الممثل والجمهور. هذه حقيقة نظرية قديمة، يقول، ولكننا عندما نخضع هذه النظرية الى الاختبار العملي الصارم، نجدها تقوض أكثر أفكارنا الشائعة حول المسرح. وتتحدى الفكرة القائلة بأن المسرح مجموعة معارف إبداعية متباينة. الادب والنحت والرسم والعمارة والاضاءة. سمة صوفية مركبة تلعب في مسرحه دورا جوهريا وتطبيقيا. ان الآثار المترتبة عن هذا الاسلوب والمنهج، تتجه اكثر فأكثر الى مسافة أبعد. فهي ترتبط أشد الارتباط بمشكلة لها اهميتها الكبرى وما تزال تقف موقف المعارض ما بين العناصر الحية وغير الحية المكونة للمسرح. المجابهة هي الجوهر عنده. وفي المسرح الفقير ينبغي ان يخلق الممثل لنفسه قناعا عضويا بواسطة عضلات وجهة. هكذا، خلال المسرحية، ترتسم على وجهه كل شخصية بالقسمات نفسها. بينما يتحرك الجسم كله وفقا للظروف. يبقى القناع معبرا عن اليأس والمعاناة وعدم المبالاة، في حين يجعل الممثل من نفسه شخصيات متعددة، تخلق مخلوقا هجينا يؤدي دوره بأصوات متعددة. أجزاء جسمه المختلفة، تطلق العنان لأفعال انعكاسية مختلفة، والتي كثيرا ما تكون متناقضة. »بينما يرفض اللسان لا الصوت وحسب، بل الحركات والمحاكاة ايضا«. يستعمل الممثلون جميعا، حركات ومواقف وإيقاعات مستمدة من المسرحيات الايمائية، حيث لكل ممثل صورة ظلية خاصة به، ثابتة بشكل نهائي. وبالنتيجة تفقد الشخصية المسرحية سماتها. وحين تزول السمات الفردية يصبح الممثلون أنماطا متقولبة للجنس البشري. النص النص رسالة عند غروتوفسكي من جهة ومنشور ضوئيا يعكس تجاربنا من جهة اخرى. ولكنه في الحالين »ليس الا ذريعة للقيام بتفسيرات وتغييرات في الطريق الى تحويله الى لا شيء. ذلك ان الانصياع الى النص انصياع لقوانين معينة. و»الفن لا يحب القوانين. إذ تقوم الروائع الفنية على تجاوز القوانين«. تلاميذ غروتوفسكي ومريدوه كثر. أحدهم أحد أبرز الاحياء في تجربة المسرح البولوني والعالمي، يوسف شاينا. الذي انفصل عنه في خلال بحث شاينا عن فن »الأفانغارو« من رؤية تشكيلية عالية المستوى، رفيعة الذوق. هذه نقطة خلافه مع غروتوفسكي اما نقطة اللقاء، فهي محور اللقاء بين كبار التجربة البولونية وفي مقدمهم كانتور. العمل على تكنيك الممثل جسديا وروحيا. والبحث العميق عن وسيلة لازمة للاتصال بالممثل. ما له علاقة بالكوني داخل الممثل. والكوني لدى الناس في العام من خلاله. ايجاد متعة جمالية وحسية من خلال ذلك، قضية أساسية. ليست متعة ذاتية، بل متعة تتعدى المسرحيين الى الناس. وهي متعة لا يمكن ان تنتج الا من خلال مشاعر، بعضها حسي يصل الى حد الابهام الغموضي. والآخر مادي يتدرج بين الغنى والفقر، بين موقع اجتماعي وآخر، بين درجة علمية وأخرى. غروتوفسكي وسيط نقل الاحاسيس. دور الممثل هو نقل الاحاسيس كواسطة. دوره كمخرج ان يحللها منذ البداية وان يتمثلها لكي يقدمها بشكل متعارض. فهو يمثل التعارض والتناقض. ان ذلك مؤداه معرفة العلاقة بالعمل المسرحي ككل والوضعية. إتهام شاينا يتهم غروتوفسكي بقلة الشاعرية في مسرحه. لقد عرفه تماما، حين عمل معه في »أكروبولس« وتبادلا الخبرات. أعطيت الاذونات دائما من قبل النظام البولوني لغروتوفسكي لكي يقدم مسرحه في الخارج، في حين منعت هذه الأذونات عن الآخرين. هذا ما صرح به كانتور، في مصوغ اتهامي واضح وعلاني وصريح ولو انه جاء في مصوغ ضمني. فهل وصل غروتوفسكي الى ذلك من تعصب قومي، رفضه الآخرون. يبدو ان هذا المنطق لم يكن بعيدا عن غروتوفسكي، الذي عاش أيامه الاخيرة في إيطاليا. مات القديس الذي حول الممثلين الى قديسين والجو الى مناخ والروح الى طقس. لم يكن ما فعله قليلا، من خلال الممثل (بدا ذلك ساطعا في »الامير« إحدى أشهر مسرحياته على الاطلاق). فالممثل عنده بقي الاهم. هو الجزء الواعي والمفكر والمحرك لكل شيء في العرض المسرحي، ضمن الاطار الفكري لا الاطار الشكلي. الا انه، على الرغم من ذلك، بقي يذكر بذاكرة التجربة العريقة، من يوغو غسلافسكي أحد أعلام البدايات في المسرح البولوني الى فيدكوفيش الاكثر اهمية. إذ انه أستاذ غوسروفيتش. وحده كانتور، بقي بعيدا وقريبا في آن. لعل ذلك يفسر العلاقة الضدية بين الاثنين. ألم يتهم كانتور غروتوفسكي بسرقة أفكاره ومسرحه تاليا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة