تداعيات العام المنصرم: الدروس والخبرات **** يبدو انه من غير الممكن او الطبيعي ان ينقضي عام من عمر البشرية من دون ان يحمل في ثناياه، وخاصة في الفترة الاخيرة منه، بصمات المشاكل والأحداث التي تصيب هذا البلد او تحدث في ذاك. ولم يشذ العام 1998 عن غيره من الاعوام السابقة حيث كان زاخرا بالمشاكل والاحداث وقد اكتنفت الفترة الاخيرة أهمها. ومن هذه الاحداث الهامة قضيتان في الولايات المتحدة شغلتا بال العالم وهما القضية »الجنسية« التي ما زال الرئيس كلينتون يتخبط بذيولها جراء علاقته بالموظفة المتدربة، مونيكا لوينسكي. اما الحدث الثاني فهو القصف الاميركي البريطاني لعدد من المواقع في العراق، مجال الظن والتخمين، انها مخابئ للاسلحة ذات التدمير الشامل، او للمواد المصنعة لهذه الاسلحة. ان القضية الجنسية لا يقل تأثيرها على الوضع الدولي عن العملية العسكرية التي انفردت بالقيام بها كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة غير عابئتين بمجلس الامن ورفض عدد من الدول لهذا القصف غير المبرر الا من قبل ريتشارد بتلر رئيس هيئة التفتيش عن الاسلحة في العراق والعمل على تدميرها. وكما ان الفضيحة، الحدث الجنسي، كان لها أثر ملحوظ على الموقع الدولي للولايات المتحدة وتدهور فاعليته على جميع المستويات، فقد أثر قصف المواقع العراقية سلبا على العلاقات السياسية مع عدد من الدول الكبرى والصغرى على حد سواء. وقد زاد من هذه السلبيات ان عددا من تلك المواقع سقط فيها مواطنون وجنود أبرياء وهي خالية من اي دليل او أثر مادي على الادعاءات الاميركية، بل انها طافحة بالمآسي والمصائب والنكبات التي تغمر الشعب العراقي من جراء فرض الحظر والعقوبات التي تطال هذا الشعب اكثر مما تطال النظام، بل ان النظام يقوى والشعب يزداد ضعفا وانتهاكا. واذا كانت المملكة المتحدة لا تعير الفضائح الجنسية كثير اهتمام، فان النظام البرلماني المزدهر فيها يعير المبادئ والشفافية والنزاهة في الحكم اهتماما بالغا وهذا ما حدا بأن يُقدم وزيران من كبار الوزراء في حكومة العمال على الاستقالة وهما وزير المالية غوردن براون ووزير التجارة والصناعة بيتر ماندلسون. وان السبب في ذلك يعود الى قرض من المال قدمه وزير التجارة والصناعة الغني الى وزير المالية الفقير على ما يبدو كي يتمكن من شراء دار سكن يأوي إليه. كذلك كان ماندلسون يموّل مكتب براون في خلال الحملة الانتخابية. لا شك في ان استقالة هذين الوزيرين تشكل نكسة كبيرة لحكومة حزب العمال البريطانية، لكن المبادئ تبقى أهم وأسمى من الاشخاص ولو ادى ذلك الى ضياع الحكم وخسرانه. هذا في بلاد الانكليز حيث تمارس الديموقراطية على أكمل وجه فكيف بنا نحن في لبنان وفي البلدان العربية، وبلدان كثيرة اخرى تدعي انها تمارس النظام الديموقراطي وتجهد من اجل حكم نظيف نزيه سليم. فكم من الوزراء ينبغي ان يتقدموا باستقالاتهم بعد ان أبلوا البلاء الحسن في الحصول على ثروات وليس على قروض، بطرائق ملتوية وغير قانونية. وقد ابتليت المملكة المتحدة قبيل نهاية العام 1998 بمشكلة لم تكن في حسبان الادارة الانكليزية، انها مشكلة الجنرال بينوشيه التي شغلت الحكومة البريطانية ومجلس اللوردات فترة من الزمن، كما ادت الى فتور حتى القطيعة في العلاقات الدبلوماسية مع تشيلي، كذلك كادت تتوتر علاقاتها مع اسبانيا التي طالبت بتسليمها الجنرال لمحاكمته بسبب المجازر التي ارتكبها في أثناء حكمه، ومن ضحاياه مواطنون إسبانيون. بالنسبة لروسيا الاتحادية التي كانت مريضة اقتصاديا وسياسيا طوال العام 1998 فان نهايته تميزت بحدثين مهمين؛ استقالة حكومة الشاب كاريينكو التي لم تعمر طويلا وتأليف حكومة جديدة برئاسة بريماكوف المستعرب والسياسي المخضرم، وتدهور صحة الرئيس بوريس يلتسين، هذا التدهور الذي تسبب بالتحضير لانتخابات رئاسية حامية، من شأنها، مهما كانت النتائج، ان تنتج تغييرات سياسية واقتصادية في هذه البلاد التي كانت ندا عنيدا للنظام الرأسمالي. وان ضعف صحة يلتسين ادى الى ضعف وارتباك في ادائه السياسي وترك مشاكل كثيرة من دون حل جذري وخاصة مشكلة الشيشان. أما جمهورية تركيا العلمانية، الديموقراطية المظهر، العسكرية الباطن، فتهرب حكومتها الى الأمام مخلفة وراءها مشاكل معقدة سياسية واقتصادية واثنية وغيرها. لقد عملت على تهديد الجمهورية العربية السورية متهمة إياها بإيواء الزعيم الكردي أوجلان. وما ان توصل البلدان الى حل حتى انتقل الخلاف الحدث الى إيطاليا التي دخلها الزعيم الكردي مستسلما وطالباً حق اللجوء السياسي. ان المشكلة التركية التي توضحت معالمها في نهاية العام 1998 لن تنتهي باسترداد الزعيم الكردي اوجلان من إيطاليا ولا بمقاطعة البضائع الايطالية. ان مشكلتها مستعصية لا سيما في داخل الشعب التركي على مختلف أعراقه، والاهم من ذلك مشكلة النظام العلماني مع الشعب المؤمن حيث ظهر واضحا ان الايمان غدا أقوى شكيمة من علمانية مستوردة تآكلها الزمن. وان مشكلة تركيا الحقيقية هي في شخصيتها، شخصيتها الحقيقية الآسيوية التي يرحب بها جيرانها وشخصية اخرى ترغب تركيا بانتحالها، شخصية اوروبية، وجاراتها الاوروبيات لن تقبل ولن ترحب، كما ان الاتحاد الاوروبي لن يفتح ذراعيه لاستقبالها عضوا فيه لأكثر من سبب، أضعفه الدين وأشده احترام حقوق الانسان وحماية الأقليات. وفي نهاية العام 1998 توقفت وسائل الاعلام عن إبراز المناطق الساخنة، كالحرب في أفغانستان والقتال الضاري في اقليم كوسوفو. لقد أهمل كل منهما. أفغانستان باتت نسيا منسيا ترك أمرها لحروب القبائل والاثنيات، لحروب أحرقت أرضها ودمرت عمارها وقتلت انسانها. واقليم كوسوفو تخلى عنه الاتحاد الاوروبي وترك أمره للوسيط الاميركي الذي ما ان يصرح عن اتفاق لوقف القتال حتى يخرق مثنى وثلاثا. منظمة المؤتمر الاسلامي والاتحاد الاوروبي بإمكانهما ان يلعبا دورا مؤثرا، لكن هذا الدور معدوم لا أثر له، ويتساءل المراقب: هل ان التدخل ممنوع أم ان الاتحاد والمنظمة يتجنبان حرق الأصابع. وبدت مشاكل القارة الافريقية قد حافظت على رتابتها في نهاية العام المنصرم كما كانت في أوسطه. فالحروب تجددت في أنغولا والكونغو برازافيل وهي مستمرة في الكونغو الديموقراطي، زائير سابقا، كما استؤنف القتال في سيراليون. ولولا بعض حكمة لدى القادة الافريقيين لاشتعلت القارة بأكملها وهذا ما يبتغيه الآخرون. فالقارة الافريقية التي بات العدد الاكبر من بلدانها مسجلا في خانة الفقر والبؤس، خرقت الحظر المفروض على ليبيا وقام عدد من قادتها بزيارة العقيد معمر القذافي الذي كفر بالعرب وتوجه الى القارة الافريقية بعد تجارب الماضي من اتحادات ووحدات وغيرها. والحدث الليبي الاهم يتمثل بالاتفاق المطروح بحثه لتسليم الليبيين المتهمين بتفجير الطائرة الاميركية في سماء لوكربي. اما الصومال فقد اشتد انحلاله وتحول الى »صومالات«. في آسيا جرى اكثر من حدث سياسي واقتصادي، وان متاعب عدد من بلدان القارة باتت ثقيلة فرزحت تحت وطأتها. ان النمور الاقتصادية لم تعد نمورا حيث ان تدخلا من غني فاعل في السوق المالية حوّل هذه النمور الى نعاج لا حول لها ولا طول. وان هذا الضعف الاقتصادي زاد في القلقلة السياسية فغاب وجه سوهارتو في اندونيسيا، والمعركة قائمة في ماليزيا، وتحولات سياسية في اليابان والهند والباكستان وغيرها. كذلك فان السباق النووي يتسارع في شبه القارة الهندية وان اقليم كشمير هو السبب الظاهري لهذا السباق. ومن الاحداث المهمة في نهاية العام 1998 في آسيا الحدث الذي يتمثل باستسلام زعيمي الخمير الحمر خيوسامفان ونون تشيا من مخلفات الحرب الطاحنة في كمبوديا، انها خطوة جريئة رحبت بها الحكومة لكن هيئات الدفاع عن حقوق الانسان طالبت بمحاكمتهما. وكما رحبت الحكومة الكمبودية بهذه الخطوة فقد ابتهج الملك نوردوم سيهانوك لقرار هذين الزعيمين بالعودة الى حظيرة المجتمع الكمبودي ليعيشا كمواطنين عاديين تحت سلطة القانون. ان هذه الخطوة تُبرز السؤال عن عدد الزعماء العسكريين في الجهات الأربع من العالم الذين ينبغي عليهم رمي السلاح والعودة الى الانخراط في المجتمع الاهلي وممارسة العمل السياسي الديموقراطي من اجل الوصول الى تحقيق الاهداف التي يصبون اليها. زعماء عسكريون كثيرون في بلدان اميركا اللاتينية وآسيا وافريقيا وحتى في أوروبا ينبغي عليهم ان يحذوا حذو الزعيمين الكمبوديين. ولعل الضابط انطوان لحد ورفاقه الذين خانوا الامانة الدستورية، خانوا وطنهم واستعبدوا الشعب البريء في الشريط الحدودي وانتهكوا سيادة البلاد وحرمة استقلالها وباعوا أنفسهم للعدو بثمن بخس، لعلهم يعودون الى رشدهم فيقرأون فعل الندامة ويقررون العودة الى الوطن والانخراط في المجتمع اللبناني في ظل السيادة والقانون آخذين من مبادرة الزعيمين الكمبوديين عبرة تقيهم الضلال والشرود. ان الحدث الضخم الذي بهر الأبصار وشد الانتباه في نهاية العام 1998 هو ولادة اليورو العملة الاوروبية التي من شأنها ان تربط الدول الاوروبية ببعضها على طريق الوحدة. وستشكل الوحدة المالية، وكذلك الوحدة السياسية الاوروبية مستقبلا، تحديا كبيرا للولايات المتحدة وللدولار، وغيرهما من الوحدات السياسية والمالية. ان احدى عشرة دولة يبلغ عدد سكانها 371 مليون نسمة، بما تمتلك من غنى وطاقات اقتصادية وقدرات صناعية وزراعية وسياحية، تسير على درب الوحدة السياسية مع الاعضاء الباقين وستلعب دورا بارزا على المستوى العالمي وفي حل المشاكل الدولية. ولعل الحديث عن الوحدة الاوروبية وتقدمها يستثير قلقا عاما عن حالة العلاقات العربية وتدهورها على الرغم من الضجيج والصخب اللذين يلجأ إليهما البعض عن التمسك بالوحدة العربية. لقد تمثل هذا القلق بإرجاء اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب. لقد هدر وقت طويل من أجل تعيين الموعد، وهدر وقت في سبيل إرجائه، وسيستهلك وقت أطول من أجل تعيين تاريخ جديد لعقد جلسة لمجلس وزراء الخارجية العرب، فكيف هي الحال بعقد مؤتمر قمة عربية؟ لقد أنشئت الجامعة العربية قبل إنشاء السوق الاوروبية المشتركة الاتحاد الاوروبي حاليا باثنتي عشرة سنة؛ تاريخ طويل بين معاهدتي الاسكندرية وروما فأين الثريا من الثرى؟ أين اصبح الاوروبيون وأين يراوح العرب؟ ورحم الله الرئيس رياض الصلح الذي ذهب قوله مثلا »اتفقنا على ألا نتفق«. وهكذا، منذ نصف قرن، ما زال العرب متفقين على عدم الاتفاق في ما بينهم، بينما اتفق الأعداء والأصدقاء وتجمعوا في مجموعات تعود بالنفع والخير والصالح لبلدانهم. أين هي مجالسنا السياسية والاقتصادية والدفاعية؟ أية درجة من التشاؤم، من البغضاء، من التفرقة، تنتاب الاجيال العربية وتقض مضاجعها وتميت أحلامها؟ وأختم أحداث نهاية العام 1998 في لبنان، ويمتاز لبنان بأحداث جسام لم تقتصر على نهاية العام بل كانت جارية من دون توقف منذ بدايته. وما دام ان الاحتلال الاسرائيلي ما زال قابضا بإحكام على مصير ما يقرب من عُشر سكان لبنان يقيمون على أرض تمثل نسبة 12/1 من المساحة الاجمالية، فتستمر الاحداث باستمرار المقاومة الصابرة المجاهدة الباسلة بدعم لبناني جامع شامل عسكري وسياسي وأهلي. ان الاستحقاق الرئاسي كان أكثر من حدث، كان صدمة ايجابية أفرحت الناس وأبهجت النفوس فارتاح المواطنون لانتخاب العماد إميل لحود رئيسا للجمهورية، واستمر العيد الوطني لدى اللبنانيين حتى تواصلت أفراحه بأفراح الأعياد الايمانية. وجاء الاستحقاق السياسي اللبناني الثاني في وسط هذه السلسلة من الابتهاجات فتألفت حكومة جديدة ليكتمل عقد العهد الجديد. وبرزت وجوه قديمة وجديدة لكنها وجوه يُعترف لأصحابها بالنزاهة والنظافة والتجرد والتفاني في خدمة الوطن وانسانه. لقد انصب اهتمام اللبنانيين على هذين الحدثين او الاستحقاقين السياسيين، بالاضافة الى حدث إعلامي مهم حيث تم نشر وتوزيع ثلاثة كتب في نهايات العام 1998 هي »الأيادي السود« للنائب نجاح واكيم، »المال إن حكم« للمهندس هنري إده و»مخاطر العجز والدين العام« للاقتصادي عبد الله عطية. وتدور مضامين هذه الكتب حول الهدر والتبذير وسوء الاداء وتحوير مخطط المركز التجاري في العاصمة بيروت وديون لبنان الداخلية والخارجية. انها حدث كبير بحد ذاتها تساهم او بالاحرى تتسبب بإسقاط انظمة وعهود وقادة ورؤساء في البلدان التي تنهج نهج الانظمة الديموقراطية الراقية. ان تقارير صحافية في إيطاليا أسفرت عنها المحاكم التي عرفت »بالأيادي النظيفة«، تلك المحاكم التي أودعت قادة سياسيين كبارا في السجون وحرمت آخرين من العمل السياسي وتشرد بسبب نظافة أيادي القضاة رؤساء ووزراء هربا من دخول السجن. فأمام هذا الواقع وهذه الاتهامات هل ستحسم الحكومة اللبنانية الامر وتأخذ القرار المناسب بغية الحفاظ على حرمة الوطن وحقوق المواطنين، وفي الوقت نفسه الحفاظ على سمعة القادة السياسيين الذين وجهت اليهم التهم الكثيرة؟ هل انهم تصرفوا بالوطن والمواطن كما يتصرف صاحب مؤسسة بمؤسسته وموظفيه وتصرفوا بالمال العام حسب الأهواء والشهوات غير آبهين او مكترثين بمصلحة المواطنين والانماء المتوازن ورفع مستوى معيشة اللبنانيين سكان الاقضية النائية قليلا كي يصبح في موازاة الخط الاحمر، خط الفقر الذي يمكن علاجه؟ ان المواطنين ينتظرون قرارات الحكومة بإنشاء محاكم شبيهة بمحاكم الأيادي النظيفة في إيطاليا، تحصّن أعضاءها بصلاحيات واسعة تخولهم سبر أغوار الملفات، وتمكنهم من إجراء التحقيقات الواسعة الشاملة خدمة للقانون وحفاظا على حرمة المساواة أمام القانون. في مثل هذه القرارات الحاسمة تتقدم الأمم وترقى. (*) سفير لبناني سابق.