»الرجل الصغير« و»صبيان آخر الليل« *** كان محمد لا يحتمل البقاء في مقعده اكثر من دقيقة او دقيقتين ليحاول بعدها تغيير وضعية جلوسه، بتعابير عفوية تخفي الكثير من الالم والوجع، وبقلق اضحى يطبع تصرفاته في الفترة الاخيرة. كانت تلك الاشارات الاولى التي دفعت فاديا، المربية في احدى مدارس الاستلحاق المدرسي في مخيم عين الحلوة، الى مراقبة تلميذها، ابن السنوات التسع، والعمل على التقرب منه حتى تمكنت من حمله على مصارحتها. عند العاشرة من صباح كل خميس، كانت سيارة من طراز »مرسيدس« حمراء اللون تصل الى ساحة النجمة في صيدا، تلملم عدداً من الفتية تتراوح اعمارهم بين الثامنة والثلاثة عشر عاما، تقلهم مكدسين الى مطعم في منطقة الاوزاعي في بيروت. في المطعم، ينتظرهم شبان يقدمون لهم الفطور مع زجاجة من المشروبات الغازية طعمها مر، يعتقد محمد انها تحوي مخدرا. ثم، مقابل وجبة غذاء من الدجاج وبضعة آلاف من الليرات، يقوم الشبان بممارسة اللواط مع الفتيان. محمد واحد من عشرات الاطفال الفلسطينيين الذين جعلهم العوز فريسة سهلة لشبكات دعارة الاطفال والفتيان التي لا يعرف احد حجمها الفعلي في البلاد. توفي والد محمد تاركا اياه وخمس فتيات لأم متخلفة عقليا. تفرغ »الرجل الصغير« للملمة بقايا الحديد والالومينيوم من النفايات لبيعها والعودة مساء بما يساعد على تأمين لقمة عيش متواضعة مع مبلغ صغير تجنيه الأم من الخدمة في المنازل. في الشوارع، وبين رفاق مكبات النفايات البعيدة وصبيان »آخر الليل« كما يسميهم محمد على الكورنيش، تفتحت عيناه ونمت شخصيته الغريبة عن عمر الطفولة والبراءة التي يفترض ان تصاحبها. في عينيه الجريئتين نظرة حادة تخفي الكثير من المكر والاحتيال و»الشطارة«، وهي الكلمة التي يلجأ إليها محمد لتلخيص »فلسفته« في الحياة. لم يكن محمد قد تجاوز الثامنة من عمره عندما تلقى عرضا من شاب لم يتجاوز التاسعة عشرة لمساعدته في لملمة قطع سيارات مستعملة عن شاطئ منطقة خلدة في مقابل »مبلغ مالي محترم«. بالطبع، قبل محمد العرض المغري، واستقل سيارة كان الشاب يقودها واتجه الاثنان الى كوخ على الشاطئ البعيد... هناك اغتصب الشاب محمدا وتركه وحيدا في الكوخ ولم ينس ان يرمي له ما يكفيه من المال ليعود الى صيدا. يروي محمد ما حدث له، ولكن بكثير من الارتباك، حيث لا منطق يسود تسلسل الأحداث؛ فهو من جهة يحرص على عدم توريط نفسه طوعا في ممارسة اللواط مقابل اجر او المساهمة في توريط اطفال آخرين في الدعارة، لكنه في الوقت ذاته يعترف بتردده الى المطعم في الاوزاعي مع اكثر من خمسة عشر فتى آخر يتناوبون على الذهاب مداورة. عندما اكتشفت فاديا، بمساعدة احدى المرشدات الاجتماعيات في مخيم عين الحلوة، »سر« محمد، تمكنت، بالتعاون مع بعض فعاليات المخيم وشرطة الاوزاعي وبعض القوى الفاعلة في المنطقة، من لجم النشاط في المطعم المشؤوم. ولكن المساعي توقفت دونما القبض على الشبان في المخيم الذين ثبت تورطهم في تجنيد الاطفال والاولاد لاستغلالهم في هذا المجال. تشرح المرشدة الاجتماعية ان »المسألة اكبر من قدراتنا أنا وفاديا ووالدة محمد. طرقنا ابواب النافذين امنيا في المخيم لكننا لم نصل الى نتيجة«. بعد عرض محمد على طبيب، تأكد ما رواه. تمت معالجته وقدمت له بعض المساعدات، لكن واقعه بقي هو هو: من يقدر على محاصرة الفقر والعوز والحاجة؟ لا احد يعلم اليوم إذا كان محمد ما زال متورطا في الدعارة ام لا. تتوه الامور بين الشخصية الغريبة لهذا »الطفل الرجل«، وجرأته في الحديث عن الموضوع وبين تداخل الأحداث من خلال روايات متشعبة لقصص عاشها وقصص اخرى عن رفاق واصدقاء له. تتوه الامور بين ارتباكه في تفسير غيابه المستمر والمتكرر عن المنزل وعودته ليلا بأموال مجهولة المصدر وبين والدته التي لا تفقه شيئا مما يدور حولها بعقلها البسيط العاجز عن الاستيعاب، وبين محاولته لاصطحاب شقيقتيه الصغيرتين الى المكبات بحجة حاجته لمساعدتهما. يتعزز الشك باستمراره في »الطريق« ذاته على الرغم من حرصه على ابداء رغبته في العودة الى المدرسة ومساعيه لايجاد عمل. المرشدة الاجتماعية تراه ليلا على كورنيش البحر برفقة فتيان آخرين. وعندما تسأل والدته عنه تؤكد لها غيابه عن البيت لفترات طويلة يقول انه امضاها تارة في بيروت وطورا في طرابلس للملمة ما يتيسر من المعادن لبيعها. ام محمد لا تصدقه لكنها عاجزة عن تأمين مصاريف أسرته واعادته الى المدرسة ومراقبته ونهيه عما يؤذيه. تقول المرشدة الاجتماعية »محمد ليس وحده، فمثله كثيرون... هناك العشرات من القصص التي تختلف في تفاصيلها لكنها تصب في الاطار عينه. اضحى مجتمع عين الحلوة لا سيما في السنتين الاخيرتين، مرتعا لهذه الممارسات، وليس هناك جهة واحدة قادرة على ضبط الوضع من كل النواحي«. هي تكتفي بتوثيق الحوادث والجرائم وتعود دوريا لقراءتها... لا تملك سوى التحسر على تفاقم الوضع وربما تخبئ في داخلها بعض نثرات أمل بأن الغد، اي غد، سيعيد الى الاطفال بعضا من طفولتهم.