كتب فارس خشان: ليس بالأمر اليسير أن يقرأ المراقبون في »فنجان القضاء«، التطورات العدلية المرتقب حصولها في العام 1999 الذي يطل على لبنان بمفكرة ملأى بالوعود والاحلام التي لا يختلف اثنان على ان جذورها ضاربة في »جمهورية افلاطون«. إلا ان البحث المنهجي الذي ينطلق من تحديد الاشكالية القضائية المطلوب معالجتها، من جهة أولى، والتبحر في قراءة منجزات المسؤولين عن هذه »الورشة« وتصوراتهم، من جهة ثانية، يمكن ان يعني شيئاً في تلمس الحقائق التي سيحفل بها الآتي من الأيام. ماذا أولاً عن عناوين الإشكالية المطروحة؟ لا يبدو الجواب عن هذا السؤال، بالنسبة لأهل الاختصاص والخبرة، بالسهولة التي يعتقدها كثيرون، إذ ان تحديد العناوين يحتاج الى دراسة للتفاصيل حيث تكمن الحقائق المجردة عن الهوى الفئوي أو الشعبي او السياسي. هذا الهوى الذي يقف، في غالبية الاحيان، وراء إطلاق شعارات تكون منبثقة من المصلحة الذاتية أكثر مما تكون وليدة وقائع مثبتة، وبالتالي فإن دراسة كهذه، يمكن ان تبيِّن للمعنيين بالمعالجة، ان المشكلة تكمن في مكان آخر. بمعنى آخر، يرفع المطالبون بإصلاح الواقع القضائي شعار تحرير القضاء البناني من التبعية السياسية، إلا انه يبدو واضحاً ان التفاصيل التي تندرج تحت هذا العنوان هي أمور مختلف على تقييمها، فمناصرو »القوات اللبنانية« مثلاً يجدون ان أحكام المجلس العدلي في القضايا المتهم بها الدكتور سمير جعجع هي أحكام سياسية تلبي نظرة السلطة السياسية التي أرادت ان تنتقم من جعجع فحوّلت القضاء الى أداة صماء، عمياء وبكماء، فيما القيّمون على القضاء او المعنيون به في السلطة السياسية يرون غير ذلك ويجدون ان الشكوى من القضاء، في هذا الموضوع، لا تقع في محلها. وهكذا تبدو الحال في قضايا أخرى مماثلة حيث للملاحقين مرجعيات طائفية أو مناطقية أو مذهبية. حجم الإشكالية انطلاقاً من هذا الواقع، لا تبدو حيثيات العناوين مسلّمات بل تحتاج الى جهد غير بسيط لتنقية المجرد من الذاتي ومن ثم اقتراح العلاج الملائم، عملاً بالقاعدة العامة: »يبنى على الشيء مقتضاه«. ما هي إذاً هذه العناوين التي تحتاج الى دراسة وتحديد أحجامها الحقيقية؟ يمكن إدراجها كالآتي: } القضاء سلطة أم وظيفة عامة، وهل القوانين المعمول بها حالياً كافية؟ } هل القضاء تابع للسلطة السياسية ولا سيما السلطة التنفيذية؟ } القضاء يحتاج الى تنقية. ولكن بأي حجم؟ } القضاء بحاجة الى تفعيل. فما هي المعوقات والوسائل؟ يحسم الدستور اللبناني توصيف القضاء بأنه سلطة، وهذا ما تشير إليه بصراحة المادة العشرون من الدستور. إلا ان الخلاف الذي لم يُحسم بعد، يتعلق بالإدارة القضائية وتحديداً بمجلس القضاء الأعلى وطريقة تعيين أعضائه، خصوصاً بعدما نصّت »وثيقة الوفاق الوطني« التي أقرها النواب في الطائف على انه »تدعيماً لاستقلال القضاء، يُنتخب عدد معيَّن من اعضاء مجلس القضاء الأعلى من قبل الجسم القضائي«. إلا انه عندما عدل الدستور، في ضوء هذه الوثيقة، لم يؤتَ على ذكر السلطة القضائية وأبقيت المادة العشرون على ما كانت عليه سابقاً، لتعود هذه المسألة الى الواجهة مع بروز المعارضة في وجه حكومات الرئيس رفيق الحريري حيث عهدت وزارة العدل الى الدكتور بهيج طبارة المحسوب عليه، فطالب الرئيس حسين الحسيني وزملاء له بإدخال هذه المادة في الوثيقة قيد التطبيق، بالرغم من انه كان رئيساً للمجلس النيابي عندما أدخلت التعديلات على الدستور. ويبدو ان هذه القضية بحثت قضائياً، مرات عدة، وكان لمجلس القضاء الأعلى منها موقف سلبي. ويروي رئيس مجلس القضاء الأعلى شرفاً فيليب خير الله: »أكد مجلس القضاء الأعلى غير مرة رفضه لهذه الفكرة، بالنظر للآثار السلبية المتوقع ان تتركها الانتخابات ومعاركها وتحالفاتها والمداخلات فيها والفواتير التي يكون على الناجحين تسديدها، على حسن سير القضاء وسلامة عمل مجلس القضاء بالذات، بالإضافة الى اصطدام الانتخاب بعقبة التوازنات الطائفية التي ما زالت معتمدة والتي يصعب التفلت منها«. وستكون هذه إحدى أهم النقاط المطروحة على بساط البحث ويمكن الدخول الى إيجاد حل وسطي لها يتمثل في ان يتم تعيين اعضاء مجلس القضاء الأعلى، وفق الطريقة المتبعة حالياً، أي من خلال السلطة التنفيذية، مع خلق ضوابط ضمانات تمنع التجديد في هذا المركز لأي عضو شغل ولاية كاملة. وتبرز في المقابل طروحات تتعلق بإمكان توحيد المؤسسات القضائية في إطار لامركزي إذا صح التعبير في الشأن القضائي. فالسلطة القضائية في لبنان موزعة واقعياً الى خمس مؤسسات هي: القضاء العدلي، القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة)، القضاء المالي (ديوان المحاسبة)، القضاء العسكري، والقضاءات الطائفية (الأحوال الشخصية). وثمة مقترح يدعو الى إنشاء الهيئة العليا للسلطة القضائية وتضم ممثلين عن القضاء العدلي والإداري والمالي فحسب، على ان تكون الرئاسة مداورة بين رؤساء هذه المؤسسات. ولكن ثمة مشكلة في هذا الاطار هي إياها التي تواجه الأولوية البروتوكولية. فالقضاء العدلي يعتبر نفسه المعني الأول بالسلطة القضائية بالنظر لحجم ملاكه وحجم الاعمال المولج بها وطبيعة عمله، إذ يبقى الملاذ الأول والأخير لرفع الظلامات التي تلحق بالناس، فيما لا يقاسمه مجلس شورى الدولة الرؤية نفسها. هذه الإشكالية برزت حين قررت رئاسة الحكومة العام 1996، نزولاً عند طلب القضاء، تحديد أولوية بروتوكولية للقضاة فأعدت مشروع مرسوم وأرسلته الى الغرفة الإدارية في مجلس شورى الدولة التي كانت آنذاك برئاسة وزير العدل الحالي الدكتور جوزف شاوول الذي ارتأى ان يكون على رأس القضاء القاضي الأرفع درجة من بين رؤساء القضاء العدلي او الإداري او المالي، إلا ان مجلس القضاء الأعلى رفض هذا التصنيف فتعطل مشروع المرسوم وأدخل الى الادراج. وتبرز في هذه المسألة امور أخرى لا يتسع المجال لحصرها او لعرض المداولات حولها. الوقائع المبسطة ولكن، ألا تكفي النصوص الحالية لضمان استقلاية السلطة القضائية؟ البعض يجيب بالإيجاب ومنهم وزير العدل السابق بهيج طبارة في مقابلة اجرتها معه »السفير« في وقت سابق، وينضم إليه الرئيس فيليب خير الله الذي يقول: »ما خبرته بنفسي خبره أيضاً كل القضاة الذين يحرصون على ممارسة استقلالهم في عملهم مهملين أي اتصال أو مراجعة، ويلاحظ ان الضجة التي تثار أحياناً حول استقلال القضاء، لها عادة خلفيات سياسية، وتهدف الى جمع الاتهام ضد الحكومة. وكثيراً ما تثار مثل هذه الضجة بمناسبة عمل النيابات العامة وفي نطاق الملاحقات التي تباشرها«. ويشير خير الله الى ان قضاء الملاحقة مرتبط قانوناً بوزير العدل ويتلقى منه تعليمات وتوجيهات، خاصة متى كانت القضية مرتبطة بأمن الدولة او لها تأثير على مصلحتها العليا، ولذلك فإن الكلام على عدم استقلال القضاء عند ملاحقة او عدم ملاحقة شخص او جماعة من قبل النيابة العامة واحتجازه او عدم احتجازه، كلام غير دقيق ولا يأخذ بالاعتبار الوضع التشريعي في هذا المجال«. وينتهي خير الله الى التأكيد: »ان الأنظمة تصلح بقدر ما يصلح المولجون بتطبيقها. وإننا نعتبر، بعد الخبرة، ان أنظمتنا القضائية الحالية صالحة إجمالاً لضمان استقلال القضاء ولعمل قضائي سليم، متى امكن ملء النقص الكبير في عدد القضاة، ومتى توفرت لهؤلاء الظروف المادية المريحة والظروف المعنوية المحفّزة، وإذا استمر المسؤولون في السلطة السياسية وفي القضاء يمارسون مهامهم بأمانة وخلاص وتجرد ونصب أعينهم خدمة المصلحة العامة دون سواها«. إلا انه في مقابل الرئيس خير الله والوزير طبارة يبرز ان الوزير جوزف شاوول يماشي، الى حد كبير، أصحاب نظرية تعديل القانون الخاص بالقضاء وهو، الى انه من الذين اطلعوا ووافقوا على اقتراح قانون تقدم به عدد من النواب لإنشاء السلطة القضائية المستقلة وساهم عبر احد قضاة مجلس شورى الدولة في وضعه، يردد أمام المقربين منه انه ضد عنوان القانون الخاص بالقضاء أي ضد عبارة قانون التنظيم القضائي بل مع عنوان آخر يقول: قانون السلطة القضائية. فماذا سيحصل؟ التنقية بالنسبة لموضوع تنقية الجسم القضائي، ثمة إجماع على ان القضاء يعاني، بسبب بعض أفراده، شوائب تجب معالجتها بسرعة. وتبدو هذه الشوائب محصورة بنحو اثني عشر اسماً لا غير، ملفات معظمها مطروحة للتحقيق أمام هيئة التفتيش القضائي. ويعتقد غير مسؤول في القضاء او معني بشأن القضاء ان التدابير العادية لا تؤتي الثمار المرجوة، بل تحتاج القضية الى »ضربة صاعقة« تخرج هؤلاء من القضاء وتشكل رادع انضباط للآخرين وإنصافاً لغالبية القضاة الذين يجهدون أحياناً الى حد الإعياء. وعلى الرغم من ان هذه المسألة قد تطرح اشكاليات وانعكاسات سلبية، إلا ان الاتجاه يميل الى تبنّيها سريعاً والبدء بتطبيقها، إذ إن السلطة السياسية، وفق المتوافر من المعلومات، تتجه نحو رفع القضاء فوق الشبهات ليتمكن من فتح كثير من الملفات بحق مسؤولين وموظفين كبار قد يتبيَّن انهم انحرفوا واقترفوا ممنوعات، وفق لائحة قانون العقوبات. التفعيل ثمة إجماع لبناني على ان القضاء اللبناني يتأخر في بت الاحكام، الأمر الذي يطرح تساؤلات في الاوساط الشعبية ولا سيما حول بعض القضايا الحساسة التي تثير الاهتمام. وللتأخير أسباب بعضها مبرر بالنقص الحاصل في ملاك القضاءين العدلي والإداري، حيث يصل في الأول الى نحو ثلث وفي الثالث الى نحو النصف. إلا ان الإنتاجية القضائية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، تمثل في الاحصاءات الآتية: فصل القضاء في العام القضائي 9594 بخمسة وثمانين ألف ملف، والعام 9695 بتسعة وتسعين ألف ملف، والعام 9796 بمئة ألف ملف، والعام 9897 بمئة وعشرة آلاف ملف. إلا ان الورود يرتفع بدوره، فمن 87 ألف ملف العام 9594 الى 96 ألف ملف العام 9897، الأمر الذي لا يمكن من فصل المتراكم الذي ارتفع من 249 ألفاً العام 9594 الى 273 ألفاً العام 9897. لذلك فإن العمل يجب ان ينصب في غير اتجاه لزيادة الإنتاجية القضائية: } زيادة عدد القضاة، بطرق غير تقليدية تنقذ الواقع القضائي من الفراغ الذي يكاد يلحق بالدرجات العليا. } الوضع قيد التنفيذ المرسوم الذي يقضي برفع صلاحيات الحكام المنفردين من عشرة ملايين ليرة الى مئة مليون ليرة ابتداءً من أول السنة 1999، بحيث يتم تعيين حكام منفردين جدد من بين الدفعة التي سيتم تخريجها قريباً من معهد الدروس القضائية، بحيث تخفف تراكم الملفات في محاكم البداية. } تخصيص قضاة في النيابات العامة وقضاء التحقيق ومحاكم للبت بالأمور ذات الصدى الشعبي بسرعة معقولة. ان مجمل هذه المسائل كانت في الواقع محور اهتمام قضائي عدلي منذ سنوات ولكنها لم تصل الى نهاياتها المرجوة بالسرعة التي يتطلبها الناس، لأسباب كثيرة كان ابرزها، ولا سيما في السنة الأخيرة تقدم الصراع السياسي الى داخل وزارة العدل بحيث وقفت التوازنات داخل مجلس النواب دون تمرير المشاريع التي كان يرى فيها الوزير طبارة انقاذاً للواقع الحالي، إلا ان ما اعطاه الوزير طبارة للقضاء والقضاة يسمح بأن يكون العام 1999، بما سيبذل من الجهود، قابلاً لإنجازات. فماذا عن شخصية الوزير شاوول؟ شاوول يؤكد الذين يعرفون هذا القاضي المستمر في صمته بالرغم من انتقاله الى موقع سياسي، انه يدرس ويصمم ويقدم. هو صاحب تجربة كبيرة في مجلس شورى الدولة ومن كبار المثقفين في شؤون القوانين والقضاء ومن المطلعين، سواء في المكتب او من خلال الندوات، على تجارب الدول المتقدمة في مستواها القضائي. قادر على المجابهة ليحقق ما يقتنع به، بعد درسه وتمحيصه، له مآخذ كثيرة على سير العمل القضائي في لبنان وبصمات لا تُمحى في إثبات الاسس التي تقوم عليها دولة القانون، من خلال الآراء التي كان يبديها للسلطات السياسية ومن خلال مضامين الأحكام التي أصدرها في قضايا بالغة الحساسية. استناداً الى هذه المواصفات يعتقد ان الوزير شاوول، مدعوماً من مجلس الوزراء الذي يسلّم بسعة علمه ومعرفته ومن مجلس النواب الذي سيعطي الحكومة فترة سماح تتيح لها تحقيق ما وعدت به خصوصاً ان المعارضة الحقوقية القضائية إذا صح التعبير تقف الى جانبه، سيتمكن العام 1999 من تحقيق الآتي: } يخصص الاشهر القليلة الأولى لدراسة الموضوعات الكبرى كالتنظيم القضائي وتحديث قوانين وزارة العدل ويقدم على تحقيق موضوع التنقية القضائية، من خلال مشروع قانون يتيح لمجلس القضاء الأعلى ولمكتب مجلس شورى الدولة إخراج من يجب اخراجهم من القضاء، بعدد محدود (12 فقط) تحوم حوله الشبهات، لأن التوسع في الأرقام لا يتناسب مع مأزق فراغ الملاكات. ويتفق مع النيابات العامة وقضاء التحقيق على تخصيص قضاة للبت بالشؤون المالية بحيث يتفرغون لها، على غرار ما هو حاصل في غير دولة أوروبية ولا سيما ايطاليا منها، تمهيداً لدرس مشروع قانون يحول هذه النظرية الى واقع حال دائم. } إعداد مشاريع قوانين لإلحاق مديرية السجون بوزارة العدل وإخضاع الضابطة العدلية للنيابات العامة، خصوصاً انه وافق على الأول ووضع بصماته عليه ووعد بالثاني في البيان الوزاري. } امكان إعادة تحريك مشروع قانون كانت وزارة العدل قد ارسلته الى مجلس النواب ويقضي برفع سن القضاة استثنائياً الى سبعين سنة، خصوصاً ان هذا المشروع كان قد حاز على موافقته، عندما كان في مجلس شورى الدولة. } بدء درس مشروع قانون لتنظيم السلطة القضائية، إذا بيَّنت خبرته من »فوق« ان »روما القضاء« هي نفسها كما كان يشاهدها من »تحت«. ويبقى ان العام 1999 يفترض ان يحمل معه تطورات ايجابية لصالح السلطة القضائية في لبنان، تكمل الورشة التي كانت قد بدأت العام 1993. قراءة في »فنجان القضاء«؟! ربما، إلا أنها لا تبدو بعيدة عن الواقع.