As Safir Logo
المصدر:

المصباح اليدوي

المؤلف: سارويان وليم التاريخ: 1998-12-25 رقم العدد:8184

إنه لشيء رائع أن تملك مصباحا يدويا، والأروع منه أن تملك مسدسا (طبعا لن تستطيع الحصول عليه، ولن تريده فعلا، ومع ذلك، من المسر دائما أن تتصور انك تريده أكثر من أي شيء آخر في العالم). ليس باستطاعتك أبدا ان تملك مسدسا لأنك قد تخطئ في استعماله وتقتل صديقا بدلاً من »السيد ديفيز« مدير »مدرسة ايغرسون«. قد لا تكون دقيقا باستعمال هذا الشيء، فتطلقه وتجعل أنف أحد الناس يطير. أحدهم الذي هو لطيف، وواقف عند الركن، في قيظ الظهيرة، فيضع يده حيث »كان« أنفه موجودا، عندها سيمتلئ قلبك بالندم، وسيحاول فمك أن يقول »الصدق، يا مستر ويلر، أنا لم أقصد أن أطيّر أنفك. كنت أصوب الى فرخ الصقر، هناك فوق سقف البناية، أنا آسف يا مستر ويلر، أنا أعتذر«. أو، قد تصرخ محاولا أن تطلق إطلاقة سريعة ثانية على فرخ الصقر الدائر، لكن التسديد ينحرف بسرعة، فيطير أنفك الخاص. وأيضا، قد يحدث ذلك مع الحصان. لا يمكن التنبؤ بذلك. أما المصباح اليدوي فقصة أخرى. ان الاسم الحقيقي لابن عمك جو هو »هوفسب«، و»هوفسب« بالأرمنية معناه جوزف. ومثلك كان جو في الحادية عشرة من عمره، لكنه يبعث على الضحك أكثر منك. وأيضا أصغر منك بشهر ونصف. ويعني ذلك حسنا انك الأول. انك قبله، انك وصلت قبله بشهر ونصف الشهر. وهكذا دخلت أنت وسألت أمه عن حاله، فدمعت عيناها وقالت: »لا أدري، ان الطبيب معه«. انك خرجت الى الشارع، في ظلام تشرين الثاني، وبدأت تسير الى البيت، تمنيت أن تملك المسدس والحصان، إذاً لكان باستطاعتك ان تقفز راكبا على الحصان وتعدو مسرعا في الشوارع، وتسحب المسدس، وتفعل شيئا خفيف الحركة وطائشا لتجعل جو يتحسن. ان ذلك كله خطأ، حيث إن جو ليس مريضا بالأنفلونزا، وإذا مات حسناً بحق الرب فإنك ستموت مثله. قلت لنفسك وأنت عائد الى البيت: »إذا مات جو، فإنك ستموت أيضا«. كانت ليلة باردة صافية، وكانت أعظم الأوقات في العالم لأن تحيا فيها، وبسنين عديدة رائعة من المغامرة أمامك. كنت منشغلاً أكثر من اللازم في أن أسألك عن جو، بحيث لم تستطع أن تتذكر كم أنك تخاف الظلام، ثم تذكرت فجأة. كنت فزعاً حقاً لدقيقة. ثم انك ضغطت بإبهامك على زر المصباح اليدوي، فانطلق الضوء، ولم تعد فزعا. وهكذا أرسلت الضوء في ما حولك، الى الأرض، الى أعلى، خلال أغصان الأشجار، يمينا ويسارا شمالا وجنوبا، ثم فجأة وأنت تسير أدركت ان كل شيء قد انتهى، فقد مات جو، وأنت تسير في الشارع وحيدا، والسنون مرت، وأتت ليلة من تشرين الثاني مرة أخرى بعد سنين عديدة، وأنت لم تزل مريرا، وما زلت لا تستطيع أن تصدق ذلك. لقد أوقدت المصباح ووجهت الضوء الى جذع الشجرة وقلت »جو؟«. لكن لا أحد هناك. وبعد لحظة حولت الضوء الى درجات بسطة سلم مظلمة، معتقدا أن من الممكن ان يكون جالسا هناك، وقلت: »جو؟« لكنه ليس هناك أيضا. لم يكن باستطاعتك في اليوم التالي ان تنتظر وأن لا تهرع الى بيت جو ساعة الغداء، لما دق جرس الظهيرة، قفزت خارج رحلتك وكنت الأول في وصولك الى الباب وغادرت البناية أولاً، وبدأت تركض الى شارع »ل« منحدرا الى »سان بنيتو افينيو«، حتى تعبت، ولما لم تعد تستطيع الركض بعد، قلت: »رجاءً، رجاءً، لا تدع جو يموت«. أخرجت المصباح اليدوي وأطلقت الضوء، لكن ضوء النهار كان ساطعا أكثر من ضوئه، وكان باستطاعتك ان ترى كل شيء، فما فائدة مصباح يدوي بعد؟ بقيت تسرع وترسل الضوء الى كل شيء، وكأنما الوقت ليلا، وكأنما جو كان في آخر ليلة من حياته، وأنت كنت تبحث عنه، وبقيت مستمرا تسأل السؤال: »جو؟«. وصلت أخيرا الى البيت ووقفت على الرصيف ورنوت إليه. هل كان بيتا فيه ولد اسمه جو؟ هل كان بيتا مليئا، بالذهول والأسى اللذين غمرا الأمهات والآباء والأجداد والجدات، وآباء أجداد جو هاكوبيان وأمهاهم، الذي في الحادية عشرة من عمره، والذي وصلت عائلته قبل سبع عشرة سنة من بيتس؟ هل كان البيت يضم الأحياء والأموات لقبيلة قد غشت في ابن لها؟ لقد ذهبت الى الباب الخلفي، وبهدوء دخلت في المطبخ، ورأيت أمه، وعلمت من وجهها أن ضوء المصباح اليدوي قد اكتشف قلب الرب في ظلمة ليلة من تشرين الثاني، وفي إشراقة نهار تشرين الثاني، وعلمت ان جو كان حياً، وقلب الرب ينبض فيه. وعلمت أن ذلك القلب العظيم سيستمر ينبض فيه طوال السنين التي كانت قد زمجرت في أذنيك الليلة السابقة. كنت قد عرفت أن كل الموتى من الجدات والأجداد كانوا يبتسمون، وأنت لم تقل شيئا. كل ما فعلته انت هو انك رفعت نظرك الى أم جو وابتسمت. قالت: »انه بخير الآن. سوف يغادر فراشه في أيام قلائل، عد بعد إنهائك دوام المدرسة. من المحتمل أن يكون حينئذ مستيقظا«. قلت لها: »مؤكد. هاك هذا المصباح اليدوي لتعطيه له، عندما يستيقظ، انه يستطيع أن يطلق منه الضوء خلال الليل على الحيطان والسقف، انه اختراع في غاية اللطافة«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة