As Safir Logo
المصدر:

ما وراء الخير والشر في المسزلة العراقية والعربية

المؤلف: السيد رضوان التاريخ: 1998-12-24 رقم العدد:8183

I اعتبر الرئيس صدام حسين ان الصراع بين الولايات المتحدة والعراق، كان وما يزال صراعا بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة. ولا شك ان الخير والفضيلة كانا وما يزالان في نظر الرئيس العراقي في جانب النظام العراقي، بينما نقائضهما (الشر والرذيلة) في جانب الولايات المتحدة وحلفائها. وموضع ملاحظتي هنا أمران: الاول التبسيط الشديد الذي تتميز به هذه النظرة، والثاني اعتبار الصراع كله مسألة أخلاقية، تخضع وحسب لمفاهيم الخير والشر والفضيلة والرذيلة. والتحليل السريع لهذين الامرين اللذين يطبعان كل »خطاب« الرئيس العراقي منذ حرب الخليج الاولى، يجعلان القضية كلها لغير صالح الرئيس العراقي، وان يكن ذلك لا يعني ان العراق ينبغي ان يوضع في الموضع الذي يضعه فيه رئيسه او الولايات المتحدة اليوم. تستند تبسيطية الرئيس العراقي للصراع مع الولايات المتحدة الى خلفية تعزل الاحداث بعضها عن بعض، فيبدو موقف الولايات المتحدة، وقبل ذلك موقفه هو كأنما هما نتاج الساعات التي سبقت القصف الاميركي والبريطاني الاخير. وبهذا المنظار لا يعود هناك مسوّغ او فهم للأحداث الا ما ذهب اليه الرئيس العراقي، من ان القصف والعدوان هما نتيجة للغرائزية الشريرة لدى الاميركيين وحلفائهم. اما الواقع فان الامر كله نتاج مسار طويل، يريد البعض اعادته او اعادة بداياته الى اواسط الستينات او الى العام 1968 (استتباب الامر لحزب البعث في العراق) او الى الحرب العراقية على إيران في العام 1980. فعندما وصل البعثيون للسلطة في الجولة الاخيرة من جولات الصراع الداخلي على السلطة، عام 1968، قيل وقتها ان استتباب الامر لهم لا تغيب عنه اليد الاميركية. وقيل الامر نفسه عندما أمم النظام النفط 1972 1973، ثم عند التسوية حول المسألة الكردية مع شاه إيران عام 1975، وأخيرا عند الهجوم على إيران عام 1980. ومع ان الموقف الاميركي تأرجح أواسط الثمانينات كما ظهر من إيران غيت، لكن المراحل الاخيرة من الحرب والتي انتهت عام 1988 أظهرت وقوفا اميركيا الى جانب العراق، فضلا عن الدعم الشامل من دول الخليج (والتي لا تخرج عادة على الإرادة الاميركية) طوال أيام الحرب الضارية. فاذا كان الحق والخير والفضيلة الى جانب النظام العراقي، فان الولايات المتحدة تكون قد شاركت لفترة طويلة في حدوث ذلك الخير وفي استمراره! ولا شيء يفسر تغير الموقف الاميركي من النظام العراقي غير ذلك المسار نفسه. فقد بدأ الافتراق في وجهات النظر نتيجة مساعي النظام العراقي للشراكة على المستوى الاقليمي. فقد كان صدام ينظر بإعجاب الى استقرار العلاقة بين السعوديين والمصريين من جهة والاميركيين من جهة اخرى. بل ان المثل المصري شجعه اكثر من المثل السعودي. ذلك ان المصريين كانوا قد صارعوا الاميركيين طوال حوالى العقدين من الزمان، ومع ذلك أمكن لهم ان يقيموا علاقة مستقرة صمدت ايضا لما يقارب العقدين. لكن الاميركيين كانت لديهم أفكار اخرى حول الترتيبات في المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي: ما كانوا يريدون شركاء جددا مهما بلغت كفاءتهم او قوتهم. وكانت تلك القوة الموهومة بالضبط هي ما حاول صدام الضغط به، وما استخدمه الاميركيون للإيقاع به. اما ما حدث بعد اختبار القوة في الكويت وعليها، فليس أكثر من تداعيات لذلك المسار الذي ربما بدأ عام 1968 او في أقصى حد عام 1980. II استخدم صدام حسين دائما في صراعاته الداخلية على السلطة، وفي صراعاته الخارجية خطابا أخلاقيا. فالشيوعيون والأكراد الذين تحالف معهم او هادنهم ثم قاتلهم هم غدارون وأشرار، ورفاقه الذين تخلص منهم أواخر السبعينات أنذال وخونة، والإيرانيون الذين هاجمهم هم أعاجم ومجوس وشعوبية، والكويتيون مجرمون وعملاء، والعرب الآخرون مخنثّون وضعفاء، والعراقيون (الذين يتحدث عنهم دائما بصيغة الجمع المنكّر) هم أولاد النشامى والفرسان، وكل ما يحفظه وعيه من صفات البادية الحميدة من وجهة نظره! وقد بلغ ذلك الخطاب التبسيطي، خطاب الخير والشر، والبطولة والجبن، والفضيلة والرذيلة، ذروة توتره في حرب الخليج الثانية، وانغمس في خضم نزعة إسلامية ظاهرة، لم تفارقه منذ ذلك الحين. ولا تعود تبسيطية ذلك الخطاب الى محاولته ان يحشد ويجمع، بل انه الوعي الحاكم لسائر الخطابات العربية وبخاصة في أوقات الأزمات. وأبرز مثال على ذلك بعد الخطاب الطليعي القومي، الخطاب الطليعي والنخبوي الاسلامي في ذروة توتره ايضا: الايمان والكفر، والهدى والضلال، والحق والباطل، والخير والشر. وفي حرب الخليج الثانية بالذات فان الخطابين امتزجا بعد ان تواصلا، لوحدة البنية، ووحدة المقولات، ووحدة العدو، وقبل ذلك وبعده لوحدة الوعي. تكمن وراء هذه الخطابات، التي تتعدد ظاهرا، وتتوحد في الوعي، رؤية للعالم، وللذات والدور، تتسم لجمودها بعقائدية مطلقة، لا تتصور ان يكون الحق الا بجانبها، ليس لاقتناعها بعدالة ما تراه او تدافع عنه، بل لاعتقادها ان الآخر شأنه الظلم والاعتداء. وهذا الآخر الذي هو الآن الولايات المتحدة كان ويكون في ظروف اخرى فئة او فئات من الناس بالداخل، ممن لا يوافقونه الرأي، او ينافسونه على السلطة. فالحق ان هذه الطليعية في الوعي انما نشأت في خضم الصراعات الداخلية باسم القضية الكبرى، وماذا يمكن التفكير في حالات كهذه، لا شك ان ذلك يعني ان المختلفين او المتصارعين معه انما يفعلون ذلك او يحاولونه لعمالتهم لجهة أجنبية والا لما خانوا القضية الكبرى التي كان يمثلها، ثم توحدت تدريجيا معه وفي شخصه، بحيث صار هو القضية والقاضي. اما الثنائيات التبسيطية التي يحفل بها الوعي النخبوي العربي، والوعي النخبوي الاسلامي فعلّتها الازمة التي يعاني منها هذا الوعي السلطوي، بعد ان ضاقت به السبل في مجال ممارساته الاجتماعية والسياسية، وفي مجال تكييف علاقاته بالعالم بعد متغيرات أواخر الثمانينات. ولأن المشكلة واحدة، فان مظاهر التأزم واحدة لدى السلطة ومعارضيها الاسلاميين: فكلا الطرفين يعتبر الصراع صراعا بين الخير والشر. لكن كلا من الطرفين ايضا يجد نفسه حليفا للآخر في المواقف التي تعتبر وطنية او قومية او إسلامية مثل الصراع مع الولايات المتحدة، او المؤسسات الدولية التي تعتبر الولايات المتحدة ذات سيطرة فيها وعليها. ان الثنائيات السالفة الذكر هي ثنائيات أخلاقية. وهي ثنائيات تستخدم في المجال السياسي، بل انها تحل في الحقيقة محل السياسة، فيصبح العالم الوطني او المجال الوطني كله مجالا أخلاقيا وشعائريا. بيد ان هناك مذهبين في فهم هذه الظاهرة في الوطن العربي والعالم الاسلامي. إذ الواقع ان الماليزيين او الاندونيسيين في أزمتهم الحالية يحاولون فهم صعوباتهم فهما أخلاقيا (العالم الشرير، والذات الوطنية المظلومة) ايضا. لكن لا يمكن اعتبار المسألة مسألة اسلامية نموذجية او تقليدية، بمعنى وضع الأخلاق والقيم في موضع العمل السياسي او فهم السياسة فهما أخلاقيا. اذ الملحوظ ان ذلك لا يحدث في تركيا او بنغلادش او باكستان والى حد ما لا يحدث ذلك في مصر ايضا. على ان ذلك لا ينفي وجود الظاهرة وانتشارها في المجالين العربي والاسلامي اليوم: فهل هو إحلال للأخلاق محل السياسة او هو فهم للسياسة فهما أخلاقيا؟! ان ما أحاول الوصول اليه هنا ليس تفلسفا لا طائل تحته، بل هناك فرق ملحوظ بين الأمرين. فقد سبق ان قدمت ان ظهور هذه الثنائيات هو مظهر من مظاهر الأزمة الثقافية والسياسية العربية، ويعني ذلك عدم حدوثه في الأحوال والظروف العادية. لكن هناك من يذهب إلى انه فيما عدا ابن خلدون، فان الفكر السياسي العربي الكلاسيكي هو فكر أخلاقي. فحتى المتفلسفة الذين تمثلوا الفكر السياسي اليوناني كان كتابهم الرئيسي في السياسة اما جمهورية أفلاطون او »الأخلاق« لأرسطو. وغرض السياسة (تدبير شؤون الناس) في المجال الفلسفي اليوناني: السعادة، وهي فكرة أخلاقية سامية. اما المذاهب السياسية في الفكر الاسلامي الكلاسيكي فأكثرها مذاهب أخلاقية: من مذهب كتّاب نصائح الملوك (وكلها نصائح أخلاقية)، الى مذهب أتباع الخلافة (كتب الأحكام السلطانية)، الى مذهب أتباع الامامة المعصومة... الى مذهب رجالات »المدينة الفاضلة«. اما ابن خلدون فقد اختلف الامر معه لانطلاقه من مقدمة أخرى غير مقدمات الآخرين. لقد انطلق من »أحوال المعاش« اي من التجربة العملية والواقعية للاجتماع الانساني، فتوصل الى رؤية للتطورات السياسية لذلك الاجتماع تختلف عن تصورات الاخلاقيين والعقائديين. وهكذا فعلى الرغم من ان الخلفية الثقافية لسائر الكتّاب في السياسة واحدة، فان الوعي وبالتالي الفهم هو الذي اختلف بين ابن خلدون وبينهم. ولا يعني ذلك ان ابن خلدون متفرد في هذا الوعي، بل هناك المقريزي وآخرون، لكنهم يظلون قلة في بيئات الفكر السياسي التاريخية. ويدل على ذلك رجل كإبن الأزرق شارح مقدمة ابن خلدون، اذ انه أعاد تحويل المقدمة الى كتاب من كتب نصائح الملوك لا أكثر ولا أقل! ومع ذلك فان الفكر والوعي في الحقل التاريخي ليسا جوهرا ثابتا، او انهما لا يملكان طبيعة ثابتة، سواء أكان ذلك في الأوقات العادية او في السياقات المتأزمة. فاذا كان الوعي المختلف لابن خلدون في مجال فهم التجربة السياسية العربية والاسلامية الوسيطة علته اختلاف منطلق النظر او الرؤية او التحليل، فان الوعي العربي المعاصر المتسم بالأخلاقية وثنائياتها التبسيطية علته غياب السياسة والعمل السياسي. فالعمل السياسي عمل ينطلق من الناس والعيش في وسطهم، والتفاعل مع قضاياهم، والوصول الى الاسئلة والاشكاليات نتيجة ذلك العيش، وذلك التفاعل بمعنى ان المجال السياسي ينفتح وينفسح ويتّسع ويتعدد ويغتني في التجربة الديموقراطية التي تحتاج للرؤية والثقافة الواعية، لكنها هي نفسها في مجال انبساطها وانقباضها وتطوراتها تعيد تشكيل الوعي وبلورته. وهذا الامر لم يتوافر، او انه لم يتوافر بالقدر الكافي لا للقوميين ولا للاسلاميين. فالوعي الاسلامي، والوعي العربي، بدآ، في ظروف اتسمت بقدر من الانفتاح في الداخل وعلى الخارج. لكنهما وهما يتحولان الى تيارين شعبيين، وفي سياقات مناضلة الاستعمار، اتجه كلاهما الى عقائدية تعتبر هذا الانفتاح، وتلك التعددية، ضربا من ضروب الانحلال الأخلاقي، والاستهتار بالمبادئ الوطنية. فقد صار واضحا منذ سنوات ان الاخوان المسلمين والضباط الأحرار بمصر ما اتفقوا قبل الانقلاب على الملكية الا على أمرين: إخراج البريطانيين من مصر، وإلغاء التعددية الحزبية. وقد عنى الامر الثاني إلغاء الحياة السياسية من أجل الحفاظ على الأهداف الوطنية الكبرى التي لم يثق الطرفان بقدرة الجمهور على السير باتجاهها من خلال الحياة السياسية الوطنية المتعددة الاحزاب والتيارات الثقافية والاجتماعية. وما لبثت ثورة يوليو عندما انتصرت على الملكية والبريطانية ان استخدمت هذا السلاح نفسه ضد حلفائها من الاخوان المسلمين: سلاح الاخلاقية العقائدية التي تأبى المهادنة، وترفض المساومة على تلك الاهداف حتى في مواجهة الجمهور الذي تريد تحقيق تلك الاهداف من أجله. فهناك جدلية من نوع ما بين العلاقة بالجمهور والسياسة التي لا تقزمها المبررات الاخلاقية. فاذا حسنت العلاقة بالجمهور، وصدرت السياسة عنه، فان الاعتبارات الاخلاقية تصبح جزءا من العمل السياسي، وتظل ملحوظة في مضامين المثالية. أما إذا حدثت القطيعة بين النخبة والجمهور، فان الاعتبارات الأخلاقية، ذات الثنائيات التبسيطية تصبح هي المقياس والمبرر لعدم ممارسة السياسة او الخضوع للآليات الديموقراطية للعمل السياسي. والشأن في العقود الاخيرة في المجال العربي ان العمل السياسي تضاءل ثم غاب، فحدث التعويض الاخلاقي المنتظر الذي كان مبررا بالأهداف الكبرى للأمة. لكن الأهداف غابت ايضا، فبقيت المفردات الأخلاقية الخالية من المعنى إلا في جذرها اللغوي المطل على الرمزي والشعائري. ومع انفتاح الأفق من جديد في التسعينات، يعود خطاب الرئيس صدام حسين ليذكّرنا بأن المرحلة الماضية لم تنقض بعجرها وبجرها، وأننا ما نزال مفتقرين الى العمل السياسي الجاد الذي ينحّي العقائدية الأخلاقية عن مركز الصدارة، فيبزُغ الشعب العراقي، وتبزغ الأمة العربية في الواقع، وفي الخطاب. ينعى إلينا الزميل حازم صاغية الأمة العربية في كتابه »وداع العروبة«. لكنه يغفل عن حقيقة ان الذي غاب او يغيب ليس الأمة، بل الخطاب العقائدي والأخلاقي للنخب القومية والاسلامية. اما الجمهور، وأما الأمة فإنهما يعودان للتشكل والظهور في وعي جديد، وفي خطاب جديد: الخطاب الجديد البازغ فيما وراء خير صدام حسين وشره.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة