يحظى ابن رشد هذه السنة باهتمام استثنائي، نظرا للاحتفالية العالمية الجارية الآن، في الذكرى المئوية الثامنة لوفاته. هذه الاحتفالية التي تشارك فيها جهات وهيئات عديدة ومختلفة، تتجسد في عقد ندوات وتنظيم طاولات مستديرة أو في إطلاق اسم الفيلسوف على مؤسسات أكاديمية، احتفاءً بذكراه أو تدارساً لأعماله وتقديرا لإنجازاته. ومن الطبيعي أن يحظى ابن رشد وسط هذه الاحتفالية الواسعة باهتمام فوق العادة في العالم العربي. فقد شهد العام المشرف على الانتهاء عدة ندوات وحلقات دراسية حوله، كان آخرها ندوة أقيمت في بيروت، بدعوة من مركز دراسات الوحدة العربية، وشارك فيها عدد من أعلام الفكر والأكاديميين البارزين هم محمد عابد الجابري وحسن حنفي وناصيف نصار وجيرار جهامي ونشأت حمارنة. أما موضوع الندوة التي هي هنا مدار الكلام، فكان مخصصا لمناقشة الدكتور الجابري على مشروعه الجديد القائم على إعادة نشر الأعمال الأصيلة لابن رشد، وقد صدر منها خمسة مؤلفات محققة بشروحاتها الغنية وتعليقاتها الدقيقة، فضلا عن مداخلها العامة ومقدماتها التحليلية التي كتبها الفيلسوف المغربي وصاحب »نقد العقل العربي«. إذن هذه السنة هي سنة ابن رشد الفيلسوف المحتفى به عالميا الآن، والفقيه الذي افتُريَ عليه في زمنه من قبل أهل الفقه والسياسة، ربما بسبب عالميته وانفتاحه الفكري، أو بسبب إيمانه بحاكمية العقل في التعامل مع النص، أو بسبب نقده لسياسات زمنه وأوضاع مجتمعه، فضلاً عن الصراعات بين أهل المجتمع العلمي على النفوذ والمواقع. على انه أياً كان السبب في محنة ابن رشد، فإن هذا المفكر يحضر الآن بقدر ما يبتعد عنا في الزمن، ويضرب بجذوره في ثقافتنا بقدر ما نخال أنه خرج عليها بتبنّي فلسفة اليونان كمرجعية عقلية وثقافية: فقضاياه تحضنا على المساءلة والتأمل، وإنجازاته الفكرية هي رأسمال عقلي لنا ولسوانا. وهذا ما يهب ابن رشد عالميته وراهنيته. ولا عجب: فهذا شأن المفكر الكبير، يخرق بنصوصه وآثاره، عصور المعرفة كما يخرق حواجز اللغة والثقافة. عالمية ابن رشد وعالمية ابن رشد لا تتجلى فقط من خلال الاحتفاء به اليوم، بل تتجلى خاصة في أثره في الفكر العالمي، وفي النهضة الأوروبية على وجه التحديد، سواء عبر شروحاته وملخصاته لكتب أرسطو، أو من خلال مؤلفاته ومقارباته للقضايا والمعضلات التي تصدى للنظر فيها ومعالجتها، من فلسفية وعلمية ودينية. هذه الواقعة، أعني عالمية ابن رشد، تفضح مواقف المثقفين الذين يهاجمون الاستيراد الفكري والغزو الثقافي، فيما هم يدافعون عن ابن رشد الذي مارس عالميته حتى حدودها القصوى. والعالمية، تعني ان الأفكار الهامة والخارقة لا جنسية لها، بقدر ما تعني ان الهوية المبدعة، على سبيل الإنتاج والابتكار، هي خصوصية عابرة للحدود بين الثقافات والمجتمعات، أي هوية ثقافية أوسع من مساحتها الجغرافية. وإذا كان ابن رشد يكتسب عالميته، بوصفه الشارح الأكبر للمعلم الأول، وبوصفه أحد تجليات العقلانية ورموز الانفتاح الفكري، فإن أهميته تبدو مضاعفة في الثقافة العربية، خصوصا انه يجمع بين قطبي الثنائية وطرفي المعادلة، إذ يتفاعل في نتاجه الوحي الإسلامي والمنطق اليوناني، ويشتبك في فكره الفقيه القائل بقتل الزنادقة الجاحدين للشريعة، والفيلسوف الذي تماهى مع أرسطو ودافع عن الفلاسفة الذين اتهمهم الغزالي بتهمة الزندقة لمخالفة أصول العقيدة والديانة، وتلك واحدة من مفارقات العقلانية الرشدية وشروطها المجتمعية أو حدودها التاريخية. من هنا، ما زال ابن رشد يمارس راهنيته بتعارضاته ومقولاته ومواقفه التي تتصل أوثق اتصال بحياتنا الثقافية ومشكلاتنا الفكرية. وأبرز شاهد على ذلك ثنائية الدين والفلسفة التي عالجها ابن رشد والتي يعاد إنتاجها اليوم في الخطاب وعلى الأرض بما يضغط على حرية التفكير ويهدد أمن أهل الفكر، وبصورة تعيد الى الذاكرة محنة ابن رشد بالشكل الأسوأ والأخطر. هذا أيضا شأن ثنائية الأنا والآخر المتصلة بالموقف من ثقافة الغير وفلسفته، وهي ثنائية ما زالت تحيا حياتها عندنا، وتعبّر عن نفسها في الخطابات المتكاثرة حول الغزو الثقافي الغربي للثقافة العربية الإسلامية. هذا فضلا عن مقولات ابن رشد في التأويل والمجاز والإجماع أو في تعدد المناهج ومراتب العقول وأصناف الناس من خاصة وعامة وما بينهما، وسوى ذلك من القضايا التي تضع موضع السؤال والإشكال مفهوم الحقيقة وسياستها، أو أمن المعرفة واستراتيجيتها بل اقتصادها وتوزيعها. وهكذا فإن من يقرأ المتن الرشدي يصطدم بقضايا ومشكلات لم يُغلق القول فيها، بل ما زالت مفتوحة أمام المساءلة والنقاش، لكي تشكل حقلا للدرس والتنقيب، أو مجالا لإعادة النظر والتفكير. ولا غرابة مرة أخرى: فالنصوص الغنية والهامة تخاطب العصر وتخرق عصور المعرفة، بقدر ما تلتبس وتندّ عن القول الفصل. انها لا تقطع بقدر ما تخلق مجالا للتداول المعرفي أو تبتكر عالمها المفهومي والتواصلي. بهذا المعنى، لسنا رشديين الآن، ربما من أجل ابن رشد نفسه. ذلك أن القول الفصل، أي فصل المقال، إنما يختزل النص بقدر ما يبسِّط الحقيقة. ولعل هذا هو معنى القول بأن نصوص ابن رشد تنطوي على »فائض في المعنى«، أي كون الكلام هو غير ما يعلنه، أو أوسع مما يقوله أو أضيق مما يدعيه. انها إشكالية القول. لسنا رشديين مثل هذا الفهم الواسع والمركب أو الملتبس، للقول الفلسفي، يتيح لنا أن نفهم المفارقات والخدع التي لا يخلو منها كلام أو تركيب. فهو الذي يفسر لنا، على سبيل المثال، كيف أن مقولة العقلانية الخالصة إنما هي تستر على شوائب اللامعقول وغرائبه، أو كيف ان ادعاء أحدنا الفلسفة المجردة من كل فقه ولاهوت يستبطن عقلية فقهية أو لاهوتية؛ أو كيف أن بعضنا يتهم غيره بالتوظيف الديني والسياسي للفلسفة والعلم، فيما هو ينخرط في هذا التوظيف عبر مقولاته وسجالاته. ويقدم الجابري مثالاً على ذلك: فهو يدافع عن ابن رشد ويقرأ الفلاسفة بعقلية الغزالي ومنطقه، كما يتجلى ذلك بنوع خاص في المقدمة التي كتبها لكتاب »تهافت التهافت«، والتي يدافع فيها عن الرؤية العلمية والطريقة البرهانية، لدى ابن رشد، من خلال قراءة كتاب »تهافت الفلاسفة« قراءة تختزله الى مجرد صراع مذهبي بين السنة والشيعة، أي قراءة كتاب الغزالي بنفس هجومي وهاجس إيديولوجي. من هذه الزاوية يبدو الجابري أبعد ما يكون عن برهانية ابن رشد وأقرب ما يكون الى جدلية الغزالي، أي يبدو الصنو المعاصر للغزالي. وليس ذلك قدحا بالجابري، وإنما هو نقد، بما يعنيه النقد من تبيان الجديد والمنجز من جهة، وكشف المأزق من جهة أخرى، كما يتمثل في إشكالية الحقيقة وتوتر الفكر أو في التباس المعنى وخدع الكلام، أي في ما يتيح لنا أن نفهم كيف يمكن لأحدنا أن يكون مع ابن رشّد من حيث أطروحة الخطاب وصريح الكلام، فيما هو أقرب الى الغزالي من حيث التعبئة الايديولوجية والاستراتيجية المعرفية. هذا مع أن الغزالي، شأنه بذلك شأن أي مفكر كبير، يأبى على التصنيف في خانة مذهبية ضيقة أو في اتجاه فكري وحيد الجانب، نظرا لغنى فكره وكثافة مقولاته وتوتر مواقفه... وإذا كان ذلك يجعل المقول في النص هو غير المسكوت عنه، فهو الذي يجعل نصوص ابن رشد ملتبسة التباس وضعيته ذاتها، كمفكر كان مثيرا للجدل أو موضعا للاتهام. من هنا تتعدد القراءات والتأويلات لأعماله ومواقفه التي لا يمكن القبض على حقيقتها أو التوصل بشأنها إلى معرفة قاطعة حاسمة ونهائية. ولا مُراء في أن قراءة الجابري لابن رشد هي من أهم القراءات وأجدرها بالنظر والاعتبار، ليس لأنها متماسكة منطقيا أو لأنها صحيحة من الوجهة المعرفية، بل لما أحدثته من الفعل والأثر على الساحة الفكرية، إذ فتحت أبوابا واسعة للنقاشات الغنية والخصبة بما أثارته من الأسئلة والقضايا الهامة، وأسهمت بصورة فعالة في بث الحيوية الفكرية بما استولدته من الانتقادات الكاشفة والقراءات الجديدة والمختلفة. إنها قراءة جديدة بأطروحتها القائلة بأن ابن رشد لم يعالج الإشكال بين الدين والفلسفة عن طريق الجمع و»التوفيق«، بحسب النظرة الاستشراقية الخادعة التي كانت سائدة، بل بالفصل بينهما كمجالين معرفيين، لكل منهما بداهاته ومبادئه وآليات اشتغاله. وهي أيضاً قراءة مثيرة بإشكاليتها المبنية على إقامة التعارض بين عقلانية المغرب الواقعية وعقلانية المشرق الصوفية، أي لا عقلانيته العرفانية، وهو تعارض أثار سجالا ساخنا على الساحة الثقافية العربية، لدى صدور كتاب الجابري »نحن والتراث« مع مطلع الثمانينيات. واليوم نحن إزاء »مشروع رشدي« كامل ينهض به الجابري، هو قراءة لأعمال ابن رشد من أدنى معاني القراءة وأبسطها، الى أوسعها وأكثره التباساً؛ أي من ضبط المتن الى شرح المعنى، ومن التعليقات في الهوامش إلى إعادة انتاج الرؤى والمواقف، عبر المداخل العامة والمقدمات التحليلية للنصوص. إذاً هي قراءة تتراوح بين الشرح والتفسير، أو بين الفهم وإعادة الفهم. والأحرى القول بين التصحيح والتأويل. والتصحيح يقع على الأخبار والمعلومات، في حين أن التأويل يطال المفاهيم والمقولات. لا معنى يدرك بذاته مرتين هنا أيضاً لم نعد رشديين في تعاملنا مع النص الفلسفي، بمعنى أننا نقرأه قراءة لا تستهدف تصحيح الرؤية أو المفاهيم، من التحريف والخطأ أو الزيغ. فالمنطوق العلمي يمكن أن يقيَّم من خلال ثنائية الصحة والخطأ، أما المنطوق الفلسفي، فإنه قول يجري تأويله أكثر مما يجري تصحيحه. بل لا معنى أساسا للكلام على الخطأ في هذا المجال، لأن الأمر يتعلق بنص هو أثر له كينونته وحقيقته، كتشكيل خطابي منتج للحقيقة. فإما أن يكون ذا أهمية أو فاقدا للأهمية والإثارة، إما أن يقرأ قراءة خصبة وفعالة أو قراءة ضعيفة وهشة؛ بكلام آخر: اما أن نحسن صرفه واستثماره بتوليد قول جديد، أو لا نحسن. ولا قراءة منتجة من غير تحريف أو تحوير، ولا تجديد أو ابتكار من غير خرق ومجاوزة أو إحالة وزحزحة. بهذا المعنى لا يقرأ الأثر الفلسفي بمنطق النقض والتهافت، بل ان ما يتهافت هو الاعتقاد بتهافته بالذات، على ما هو، مثلاً، شأن من يتعامل من خلال ثنائية الخطأ والصح، مع مقولة ديكارت الشهيرة: »أنا أفكر إذن أنا موجود«. التصحيح أو التخطئة هنا عمل عقيم، وأما الفعل الفلسفي المنتج، فهو الذي يقرأ المقولة لكي يستولد منها قولاً جديداً هو نتيجة المنطق البرهاني بقدر ما هو نتيجة الاندراج في اللحظة الزمنية، وهو محصلة المحاججة العقلية بقدر ما هو وليد الانخراط في اللعبة الوجودية، وهو ثمرة عشق للحقيقة يداخله موقف من الحقيقة أو تعامل معها هو في الوقت نفسه إنتاج لها، عبر السرد العقلاني الذي لا يخلو من البُعد المجازي. ومن هنا فإن الجدالات المحركة والحوارات الثرية، لا تجري بمنطق المطابقة والتصحيح أو الدحض والنقض، بقدر ما تجري بمنطق الصرف والتأويل، أو الخلق والتحويل، من أجل إشعال أسئلة جديدة وإعادة صياغة المشكلات القديمة، أي من أجل إعادة بناء حقول الفكر وفتح آفاق معرفية جديدة. كل ذلك يسمح بالقول بأن قراءة الجابري الرشدية، أو للرشدية، هي تأويل أو استثمار وتوظيف أكثر مما هي تصحيح النظرة الخاطئة الى فلسفة ابن رشد ومشروعه، تماماً كما أن مشروع ابن رشد الفكري لم يكن مجرد تصحيح لفلسفة اليونان أو لعقائد الإسلام. المسكوت عنه فالمصرَّح به في خطاب ابن رشد أنه قول فصل ذو طابع برهاني يطابق الواقع أو يصحح المعرفة والعلم؛ وأما المسكوت عنه والمخفي من بنى وآليات وألاعيب وممارسات ومواقف مسبقة من الحقيقة والعقل والشريعة، فهو ان الخطاب الرشدي إشكالي و»متوتر« كما يصفه الجابري بالذات، وانه فلسفي بقدر ما هو كلامي لاهوتي، وتأويلي ذاتي بقدر ما هو برهاني موضوعي. وهو الى ذلك خطاب ينطوي على الزحزحة وينتج المغايرة بقدر ما يدّعي المماهاة والمطابقة. وآية ذلك ان لا معنى يدرك بذاته مرتين. نحن هنا إزاء قراءة تتشابك فيها المعرفة والذائقة بقدر ما تتفاعل الرغبة والسلطة، على ما هو شأن كل ممارسة فكرية حية وخبرة وجودية فذة وأصيلة. ومعنى المعنى هنا أن الأمر لا يتعلق بتصحيح فلسفة ابن رشد، كما لا يتعلق بنقض قراءة الجابري له، بقدر ما يتعلق بتجاوز منطق النقض وثنائية الصحة والخطأ، لإعادة صياغة الإشكالية بالقول: ما من معالجة برهانية أو قراءة علمية تخلو من إرادة التوظيف وألاعيب التأويل أو من تقنيات السرد والتخييل أو من آليات الإحالة والتحويل. هذا فعله ابن رشد في تعامله مع الشريعة: لقد أخضعها للتحويل بصرفها الى عملة فلسفية فقدت معها الكثير من سلطتها الرمزية، وهذا ما فعله الجابري في تعامله مع أعمال ابن رشد ونصوص الفلاسفة بشكل خاص: لقد أخضعها للتوظيف السياسي والديني، بقدر ما تحمس لها بلغة جدالية أو بهواجس إيديولوجية، الأمر الذي أفقدها الكثير من قيمتها المعرفية وثرائها الفكري. على كل حال ليست قراءة الجابري الوحيدة. ثمة قراءات أخرى كثيرة، لأعمال ابن رشد تختلف من حيث المنهج والرؤية، بقدر ما تتفاوت من حيث القيمة والأهمية. وهي قراءات تتراوح بين التوظيف الإيديولوجي والنضالي من جهة، وبين التحقيق العلمي أو التأويل الفلسفي من جهة أخرى. إنها تتراوح بين الذين لا يعترفون بمشروعية ابن رشد كمفكر مسلم كما كان موقف علي سامي النشار، وبين الذين يعتبرونه مظلوما ومُفترى عليه كما كان موقف محمود قاسم أو موقف الجابري الآن. كما تتراوح بين الذين يصنفونه في خانة الفكر المدرسي للعصور الوسطى كما يفعل أبو يعرب المرزوقي، وبين الذين يعتبرونه واحداً من أئمة العقلانية التنويرية، كما يقول نصر حامد أبو زيد الذي يعتبر ابن رشد عقلنا المهاجر الذي علينا استعادته. أو تختلف بين الذين يعتبرون أن ابن رشد لم يبدع في مجال تحليلية الحقيقة وإنتاج المعرفة، بقدر ما أبدع في مجال سياسة الحقيقة وأمن المعرفة، دفاعا عن مشروعية الفلسفة، كما يذهب الى ذلك فتحي المسكيني، وبين حسن حنفي الذي يعتبر ان ابن رشد مؤسس في مجال الحقيقة ومنتج للمعرفة بالأشياء، حتى في شروحاته وملخصاته، التي يقرأها حنفي كتحويل لفلسفة أرسطو إلى نظريات في العلم والعقل والحقيقة. كذلك تختلف القراءة الرشدية بين من يعتبر أن منهج ابن رشد قام على الفصل في معالجة العلاقة بين الدين والفلسفة، وفقاً للمبدأ العلماني، وهي مفارقة وقع فيها الجابري، الذي يأخذ بالفصل ويرفض العلمانية، على ما يذهب الى ذلك طه عبد الرحمن، وبين من يرى ان ابن رشد نجح في إقامة نظام للوصل والفصل في آن، لا تلغي فيه الفلسفة الدين، ولا الدين الفلسفة على ما يذهب الى ذلك مطاع صفدي. وأخيرا لا آخرا، ثمة خلاف بين الذين يعتبرون أن عقلانية ابن رشد الجريئة والصارمة، والتي شكلت في زمنها الإمكان المتاح والأفق المفتوح، باتت اليوم عقلانية محدودة أو قاصرة أو متجاوزة، كما يذهب الى ذلك ناصيف نصار وعبد الله العروي ومحمد أركون، وبين الجابري نفسه الذي يدعو الى »استنبات رشدية عربية إسلامية«، ويعتبر ان ابن رشد في كثير من القضايا، كان يفكر ويتكلم نيابة عنا، وأنه ما يزال يشكل بالنسبة إلى المثقف العربي، »اليوم وغداً«، »النموذج« الذي ينبغي استعادته، على الأقل لتخصصه العلمي ولروحه النقدية. ليس مستقبلنا أياً تكن القراءة، ليس ابن رشد مستقبلنا الآتي الذي ننتظره أمامنا، كما يتعامل معه التنويريون والرشدويون العرب من كتاب وفنانين. ولكنه ليس في المقابل ماضينا الذي مضى وانقضى كما يتعامل معه بعض الحداثيين، ولا هو من جهة أخرى ممثل أرسطو وزارع الفكر المدرسي في الثقافة العربية كما يتعامل معه بعض الأصوليين الإسلاميين. إنه ليس ذلك إلا في عقول الذين يغرقون في هوامات ماضٍ لن يعود، أو الذين يتعلقون بأطياف مستقبل لا ينفك يبتعد. إن نتاج ابن رشد هو جزء من ثروتنا المعرفية، وإذا كان هذا النتاج ينتمي إلى الماضي، لا الى الحاضر، فإن الماضي هو ما قادنا الى أن نكون ما نحن عليه في حاضرنا، تماماً كما أن المستقبل هو ما يمكن أن يقود إليه الحاضر. بهذا المعنى، ان فيلسوف قرطبة شأنه بذلك شأن أقرانه وأنداده، كالفارابي وابن سينا، أو كالغزالي وابن خلدون وابن تيمية، هو إمكان متاح لنا في حاضرنا، لا لكي نلجأ إليه بحثاً عن حلول لمشكلاتنا، ولا لكي نستبعده بوصفه مصدر أزماتنا وفشلنا. والذين يتعاملون معه على هذا النحو لا يشهدون إلا على عجزهم وضعفهم عن الخلق والابتكار. فالأحرى أن نشتغل على نصوصه التي تخاطبنا، لكي نفكر به وفيه وله، في ضوء حاجاتنا وهمومنا ومشكلاتنا أو رهاناتنا. بذلك نقرأه قراءة تحويلية، خلاقة وراهنة، تتيح لنا صرف مشكلاته أو استثمار مقولاته لتجديد حقول الفكر ومناهج الدرس والتحليل. فليس ابن رشد بالنسبة لنا النموذج المحتذى، بقدر ما هو معطى نعمل عليه لتحويله الى إبداع فكري أو إنجاز معرفي، وعلى النحو الذي يتيح للواحد أن يمارس خصوصيته بصورة عالمية، بقدر ما يقيم مع إرثه الثقافي وذاكرته الفلسفية، علاقة غنية ثمينة ومثمرة.