الكتاب: مجاز العشق الكاتب: نبيل سليمان الناشر: دار الحوار، دمشق ثير رواية نبيل سليمان الاخيرة: »مجاز العشق«، في الذهن، ومنذ المضي في قراءتها، ثنائية »العيش/ الكتابة«، وتستدعي قولا خاطب به أحد نقاد العرب القدماء شاعرا أنشد إحدى قصائده. قال الناقد للشاعر على أثر انتهائه من إنشاده قصيدته: »إن كنتَ رأيتَ ما ذكرت فقد رأيتَ عجبا، وان كنت لم تره فقد وضعت أدبا«. باعث الاستدعاء، في هذا المقام، هو ما يلمسه قارئ هذه الرواية، فيها، من علاقة بين الوقائعي السيرة الذاتية، وما صار اليه: المتخيل الرواية، او بين العجب السيرة والأدب الرواية، وليس كل عجب يصير أدبا. عجب السيرة ملموس في الرواية، ويكفي ان نذكر نموذجين يدلان عليه: تقول فاتن طروف، وعيناها تجحظان »... يا أخي مؤسسة دبّار عجيبة...«. يتلعثم فؤاد، ويقول: »معك حق...«. تضيف فاتن: »من معرض للرمضانيات الى معرض للكومبيوترات والله أعلم ماذا يكون المعرض القادم« (ص23). تقول فاتن طروف لفؤاد مهوّنة عليه هجر حبيبته له: »... كل شيء في التسعينات هو الجنون، ليس الحب وحده يا فؤاد. العقل في التسعىنات هو الجنون. الجنون في التسعينات هو العقل. غودنايت«. ويعقّب فؤاد على قولها: »قالت فاتن أمس، وربما غدا، فماذا أقول؟« (ص30). يجيب فؤاد عن سؤاله ويقول. ويتمثّل قوله في الرواية التي نقرأ. نتوقف، بداية، لدى عنوان الرواية: »مجاز العشق«، ونسأل: لم العشق وحده من بين أشياء الحياة الكثيرة كان موضوع القول؟ وما المقصود بالمجاز هنا؟ هل هو العبور بحقائق العجب السيرة الى متخيّل الأدب الرواية؟ وما هو البناء الروائي الذي يمثّل هذا المجاز؟ وما هي الرؤية التي ينطق بها؟ الشبه تبدأ الرواية بما يسميه الروائي »كالمقدمات«، ويتألف من مقطعين: أولهما بعنوان »عابرة«، وفيه: »هي التي ترى كل شيء الى آخر تخوم الدنيا، هي التي تعرف كل شيء.../ هل يحق لغيرها ان يقول أنا أنثى: أنا رواية؟«. وثانيهما بعنوان »عابر«، وفيه »هو الذي رأى كل شيء.../ هل يحق لغيره أن يقول: أنا الملك الحق؟«. وتنتهي الرواية بما يسميه الروائي »كالخواتيم«، ويتألف من هذا التعبير فحسب، ويليه على الوجه الآخر للصفحة مسرد بأسماء مؤلفات الروائي، ما يثير سؤالا عن وجود علاقة بين »كالخواتيم« والمسرد، غير ان معرفة عدد صفحات الرواية الذي يكمل خمس عشرة ملزمة كاملة، يجعلنا نعتقد ان مقتضيات الطباعة هي التي حكمت هذا الإخراج، من دون ان نبعد الإفادة من دلالة قد نتبيّنها مما بين أيدينا بوصفه نصا ذا وجود مستقل متميز بخصائصه. وان تصمت »كالخواتيم« عن القول المباشر، وتترك للصمت، للبياض، ان يقول فان المقطع الاخير من الرواية يفصح عن دلالة مباشرة، ابتداء من عنوانه: »عابران«، وانتهاء بعباراته الاخيرة، وهي: »امرأة اسمها صبا العارف ورجل اسمه فؤاد صالح: مثل اي امرأة او رجل في الزقاق الذي يقود الى المطعم او في باب شرقي او في أي مكان: قد ينفصلان ثم يلتقيان أو لا يلتقيان أبدا: عابران بلا الفخامة التي يتوهمها بشر كثيرون: إذ لا فخامة تبقى سوى:« (ص237). (علامة الترقيم(:) في الأصل). يلاحظ القارئ، بداية، استخدام كاف التشبيه: »كالمقدمات، كالمتون، كالخواتيم«، واستخدام (:) علامة للترقيم وحيدة، علاوة على استخدام »دليل« في الصفحات الاولى من الرواية بدلا من الفهرست او المحتويات، وقد يرى ان هذا يمثل رغبة في الاختلاف والعبث، او المزاح المختلط بالجد، وهذه إحدى صفات فؤاد كما تراه صبا (ص133). غير انه يبدو للقارئ، وبعد قليل من التأمل، ان هذا الاختلاف غير مجاني، فاستخدام الكاف يفيد ان ما يليها هو المشبّه بالشيء وليس هو نفسه، وليس فيه المعرفة التي يدّعي الكثيرون أنهم وصلوا إليها، وصاروا »سادة الحكمة«: رأوا كل شيء ويرونه، وعرفوه ويعرفونه الخ... وهذا ما تنطق به »كالمقدمات« المتخذة شكل الخطاب ولغته، فما يقدم هو »ما شُبّه« للكاتب، واي مدع إنما هو عابر كما يؤكد خطاب »كالمقدمات« والمقطع الاخير من الرواية. ومن هنا نفهم دلالة استخدام (:) علامة للترقيم، فهذه العلامة تفيد ان قولا ما، او تفصيلا ما يليها، وهو ما ينطق به البياض الذي يلي »كالخواتيم«، ان استبعدنا ان يكون تنضيد »المسرد« مقصودا. وهذا يعني ان ما يقدّم هو »مجاز«، وان ليس من وصول الى المعرفة والتحقق وانما هناك سعي مستمر الى تحصيلهما من دون ادعاء الوصول، او توهمه. وهذا السعي القول في مواجهة الواقع العجب هو ما تمثله رواية »مجاز العشق«. تبدأ الرواية، كما قلنا، بمقطعين يمثل أولهما خطاب المرأة وثانيهما خطاب الرجل، والتعبير عنهما ب»هي« و»هو« يفيد عموم الجنس. وان كان من اختلاف فهو استخدام المضارع في خطابها: »هي التي ترى...« والماضي في خطابه: »هو الذي رأى...«. فاذا استفدنا من ذكر أسماء مؤلفات الروائي، في المسرد الذي يلي »كالخواتيم« نقول انه أنجز رؤيته في الماضي، وهي انما تواصل إنجازها في الحاضر لتكون »الأنثى الرواية«، وان كتبها هو يكن »الملك الحق«. وهذا يشير، من ناحية أولى »الى حضور المؤلف السيرة، ومن ناحية ثانية الى »توهم« التفرد بفخامة، تخلص الرواية الى انها وهم، والى القول ان ليس من »فخامة« تبقى »سوى:«: »اذ لا فخامة تبقى سوى:«. وهنا، في المقطع الاخير من الرواية، يعيّن العابران: صبا العارف وفؤاد صالح، فهما ليسا »هي« و»هو« وانما شخصان ملموسان يعيشان في الحياة، ويسعيان الى »فخامة« تبقى، الى »سوى«، فما هي هذه »الفخامة«؟ يقول الراوي: انها »سوى«، ويقطع الكلام ب»:« ثم تلي »كالخواتيم«، ما يعني ان الكلام متصل، وان قولا يُكتشف آتٍ، وهذه نهاية مفتوحة يمكن للقارئ ان يقوله، او للروائي نفسه ان يقوله في رواية اخرى، وهذا ما يفصح عنه البياض ومسرد المؤلفات، فالسعي الى الكشف مستمر، بدأه الروائي وما انفك يواصله، ويشارك فيه القارئ. والسؤال الذي يُطرح هنا هو: إلام سعى فؤاد صالح، الشخصية الرئيسية في الرواية؟ وكيف تمثل سعيه؟. موت الأغنية ينطلق فؤاد، في سعيه، من مناخ، فضاء روائي يمثله المقطع الأول من الرواية: »موت أغنية« يستيقظ فؤاد ليتلقى حبات المطر، وامرأة توشوش: »الشوارع كما الغابة: اطلبوا البوليس«. ويلجأ في مواجهة سلطان الطبيعة: المطر... والمجتمع: البوليس، الى ملاذ، فيندس في اللحاف ويتحلّب ريقه مثل الدفء، ويتكوّر...، ما يفصح عن رغبة عميقة، كما رغبة الانسان الاول في حضن يدفئه ويحميه... واذ تنفرط حبات المطر تبقى قطرة وحيدة يبتسم لها مجددا اليقين بأن ليس من قطرة تماثل قطرة، ما يفصح عن خلوصه الى إدراك ما تمثله هذه القطرة من خصب وتغيّر دائمين يحثان على الكشف عنهما، فينهض، وتستوقفه شاشة »الكومبيوتر«، وتبسم المفاتيح، وتهمس: هل تبدأ بكتابة رواية أم..؟ وينقطع السؤال لتبسم قطرة النافذة، وتهمس: ليس لرواية ان تماثل رواية، ما يعني الحث على تجسيد ذلك التغيّر الدائم برواية مختلفة وإمكان ذلك. غير ان هاجس »الشوارع كما الغابة...« يبقى ملازما له، فيهفو للأغنية والمرأة...، ويتلوّن الفضاء بغبش ينجلي عن أغنية فريق من البنات والأولاد يصدحون: الحب في التسعينات هو الجنون، غير ان هاجس »الشوارع كما الغابة...« يطغى، فيقفز ويسأل: »أطلب من؟ شرطة النجدة أم شرطة المرور، الشرطة العسكرية أم الجنائية، المخابرات أم الجمارك، حين يكون الجيش هو البوليس والبوليس هو الشعب والشعب هو...«. وفجأة تيبس الخطى »إذ أعلن الصمت الصباحي العميق موت أغنية« (ص15 و16). ويتكرر مشهد الموت في حداء الكاتب: »... وسكنت المنية حجرة نومي او حيثما قلبت وجهي أجد الموت« (ص114). يلاحَظ ان موت الأغنية يحدث في الصباح، وعند استيقاظ فؤاد لمباشرة شؤون حياته، وان الحوار الذي يدور هو حوار ذاتي داخلي، يدور في الصمت الصباحي العميق، وفي الحوار الداخلي تُزال الحدود بين أشياء العالم وأمكنته وأزمنته وكائناته فينطق الحاضر الغابة بصوت امرأة توشوش مع حبات المطر، وتهمس القطرة والكومبيوتر، وتصدح الرغبة بألسنة فريق من البنات والأولاد.. وينتهي هذا الحوار الداخلي إلى طغيان سلطان الحاضر الغابة في غياب الحضن الملاذ، وتموت الأغنية، ويكون عليه ان يحييها، ليكتب رواية. يمثل »موت الأغنية« الفقد النقص الذي يسعى فؤاد الى سدّه، فيتحرك السرد، منطلقا من هذا المناخ الفضاء الذي يكتمل تشكّله بحدوث زلزال، يشير الى الزلزال الشامل الذي أصاب عالم التسعينات، فغدا كل شيء فيه جنونا لا يمكن تحمله الا بجنون آخر هو الحب العشق. فيدندن فؤاد: »الحب في التسعينات هو الجنون«، وتقاطعه الضحكة الجريئة: »الشوارع كما الغابة...«، وهذا هو الثابت المتكرر في الرواية والذي يكوّن فضاءها، ويولّد السعي.. يعترف فؤاد بأن الكتابة تصخرت، ولبث ينتظر ان تنزّ الصخرة رواية، وهو يسابق الحلم الى كتاب يحمل اسمه (ص38)، ويتصور أن انطون قال له: »أخرج الى الناس والطبيعة واكتب رواية«، غير انه يسأل نفسه: »ما بقي لك غير هذا الحاضر، فكيف تكتب رواية إذاً؟«. والحاضر الذي بقي لفؤاد يمكن ان نتبينه من خلال قوله مخاطبا نفسه: »تتدرع برواية تحرن وتكذب فتودعها فوضاك وهشاشتك الطارئتين منذ رمتك نوال الشيخ مثل الشحاطة او منذ طال انتظارك لمصير ترجمتك في وزارة الثقافة او منذ اضطررت (الى) ان تكتب وتترجم كل اسبوع ألف كلمة لجريدة الحياة كي تجود عليك بمئة دولار« (ص31). وكان قد ذكر ان نوالا قالت له عندما سألها: الرواية يا نوال؟ »طز فيك وفيها« (30). تلبّي فاتن المقيمة في دمشق دعوة زوجها أنيس، وهو أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وكانا في حالة طلاق غير معلن ولهما ابن اسمه يمان، الى قبرص، وتعقد معه، ومع زميله وعشيقها غسان، صفقة تقضي بأن تعود هي وابنها الى غزة. واللافت ان أنيسا الذي ينجح في استعادتها الى غزة يخفق في نيلها امرأة لان صديقته أنهكته كما قال، في إشارة الى هذه العودة العاجزة الى الوطن. يلتقي فؤاد، في أثناء غياب فاتن، بصبا العارف، صديقتها وشريكتها في مكتب الخدمات الصحافية، وتكون صبا الحبيبة، فتحيا الأغنية، ويظفر بالبداية المرجوة لروايته، ويقرران: »سنكتب رواية بلا شروط« (ص204). وتتجسد حكاية عشقهما في هذه الرواية، التي تعلن في غير موضع عن ذلك . غير ان الحاضر الغابة يتدخل فتتم بمسعى من شهاب الوزير، صديق فؤاد الذي ولج عالم التسعينات وصار أحد رجاله، مداهمة مكتب صبا، ويتلف الصديق كما الفيروس، (ص235) الوثائق، ومجال صبا في التحقق، فيتلاشى العشق، يهمس فؤاد: ما بقي يا صبا غير أشلاء رواية. تهمس صبا كمن تفيق من اغماءة: »ما بقي يا فؤاد غير أشلاء عشق« (ص226). مثلت الرواية هذه التجربة الداخلية المتوترة، المتقطعة، المتحولة، فتألفت من نصوص قصيرة يمكن ان يكون أي منها نصا مستقلا مكتملا في الوقت الذي ينتظم فيه في البناء الكلي ويتخذ موقعا ويؤدي دورا. ولعل الروائي أدرك هذه الحقيقة: ... تنز الصخرة قطرات، تسلس، وتحرن...، فصدّر كل نص مقطع بعنوان ثم وضح دليلا في بداية الرواية يتضمن عناوين المقاطع. وتم الانتقال من حدث الى آخر، وفق ما تمليه الحالة الداخلية، فكثرت القفزات الثغرات، وتم أداء الحدث وفق هذا الإملاء أيضا، فصاغت الحالة الحدث وقدّمته، ولهذا كان إيقاع الأحداث سريعا، وكانت تتابع من منظور ذاتي، وان كان الراوي، في الغالب، الراوي الغائب كلي المعرفة، وإيكال القص الى هذا الراوي، سواء أدى القص بصيغة الغائب أم بصيغة المخاطب يخفي صوت الروائي، ويسهم في تحوّل السيرة الذاتية الى رواية، اذ يصير المؤلف الآخر بالنسبة الى ذاته، ويرى نفسه بعيني الآخر، ويوهم القارئ بذلك. واذ تمضي الأحداث بالعاشقين الى اللقاء الاخير يتمثل الفضاء الذي انطلقت منه الرواية، فيبتدد وهم رؤية كل شيء ومعرفته، وتتلاشى الاغنية، وتدندن صبا: »العالم في الألفين كما الغابة: الحب في الألفين هو الجنون: اطلبوا: اطلبوا شو؟ مين اللي عدل الأغنية: أنت ولاّ فاتن؟« (ص237). فكأن ما حدث لم يكن عشقا وانما »مجاز عشق« او أغنية سرعان ما تموت ما دام ان الشوارع غابة وليس من حضن ملاذ نطلبه، وان على مستوى خطاب عمر الخيام: »غد بظهر الغيب واليوم لي:« الذي شُغل به، في حين شُغل الآخرون بما بعد الحداثة، او بما بعد السلام. عبد المجيد زراقط