يبدو للمتأمل في تاريخ الحوارات العربية وتاريخيتها (اي مجموع الظروف التي قادت اليها)، ان هذا التاريخ هو تاريخ فشل، وهذا ما يجعل من هذه الحوارات (بالأخص على صعيد الاحزاب والتيارات والمثقفين بشتى صفوفهم) حوارات طرشان في أفضل أحوالها، حوارات تتحكم بها العقلية التآمرية وتتصدرها الاتهامات والعقلية السجالية التي يعتبرها برهان غليون واحدة من أهم الظواهر التي تساهم في »اغتيال العقل«. ان تاريخ الفشل هذا والذي يدفع الى الواجهة بأكثر من إشارة تعجب واستفهام، هو الذي يدفع بالخطاب العربي المعاصر الى مزيد من الهروب الى الأمام، بحيث يصح القول عن سحر القول في الحوار وضرورته، وعن سحر القول في الديموقراطية... الخ، اذ ان سحر القول هذا يميل بكليته الى اليوتوبيا (الطوباوية) وبذلك يساهم في تحريرنا من وطأة الواقع الذي لا يشهد على صحة الحوار وصحة قواعده، بالرغم من انه يشهد حوارات كثيرة. وفي الحقيقة، انه منذ عصر النهضة وحتى اللحظة المعاصرة التي تشهد تحولا من النهضة الى الثورة، ومن الثورة الى النهضة والتنوير مجددا، والخطاب العربي المعاصر في قديمه وحديثه لما يمل الحديث عن الدعوة الى الحوار والى تجاوز حوار الطرشان، وهذا ما يضفي على هذا الخطاب قيمة ايجابية، وقد شهدت الساحة العربية ومنذ عصر النهضة وحتى الآن، سلسلة من الحوارات بين أعلام النهضة، بين زعماء الاصلاح الاسلامي (من الأفغاني الى محمد عبده ورشيد رضا) وخصومهم من المستشرقين والتقليديين والعلمانيين. ثم ما لبثت هذه الحوارات ان انكفأت على نفسها في عقود المد الايديولوجي العربي مع اواسط القرن العشرين هذا، ثم عاودت نفسها في عقود الثمانينات والتسعينات ولكن دون تحقيق نتيجة تذكر، والذي يتتبع حركية الخطاب العربي المعاصر المشدود الى سحر القول في الحوار، وذلك من خلال الندوات والكتب والدوريات، يلحظ ان الندوات تنوس عادة بين المجاملة او المجابهة، وان كثيرا من الكتب يأخذ طابع المواجهة في الحوار كما يشهد على ذلك كتاب (المواجهة، 1997) الذي يضم حوارا بين عادل حسين ورفعت السعيد. وأما الدوريات التي ترفع راية الحوار فنجدها في أغلب الأحيان ناطقا رسميا باسم اتجاه معين او حزب معين. وللمزيد، فهي توظف مجموعة من الأقلام ممن ينتمون لنفس الاتجاه لدراسة ظاهرة معينة ولا تكلف نفسها سماع صوت الآخر الذي تزعم الحوار معه. قد يقول قائل ان هذه النظرة تصدر عن نزعة تشاؤمية، تدير ظهرها لما يحدث من حوارات على الساحة العربية في الآونة الاخيرة، وفي رأيي ان هذه النزعة وفي حال وجودها، لا تصدر عن مزاج خاص بل عن حكم قيمة يستقي مرجعيته من الحوارات العربية على مدى العقود الماضية. فالمتحاورون في أغلب الاحيان يتبادلون نفس الامكنة والمواقع، وكثيرا ما تستهويهم لعبة المواجهة و»الاتجاه المعاكس«. والذي يطل من النافذة على الحوارات العديدة، بين إدوارد سعيد وصادق جلال العظم، بين الجابري وطيب تيزيني، بين الجابري وجورج طرابيشي، بين أنور عبد الملك وفؤاد زكريا، بين رفعت السعيد وعادل حسين، بين الشيخ البوطي وطيب تيزيني... الخ يجدها حوارات بين صم وطرشان، غالبا ما ترتدي أفق التخوين والاتهام... الخ، وغالبا ما تأخذ شكل مباراة ومبارزة في الملاكمة، لتنتهي بالضربة القاضية التي على أحد المتحاورين ان يسددها للثاني. آخر هذه الحوارات، هو الحوار الذي ضم الشيخ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والدكتور طيب تيزيني وقد صدر هذا الحوار منذ أيام عن دار الفكر في دمشق، ويندرج في إطار سلسلة حوارات لقرن قادم«. الحوار يندرج تحت عنوان »الاسلام والعصر: تحديات وافاق 1998«، وهو حوار طالما انتظره الجمهور السوري الدمشقي منذ أول مجابهة بينهما على شاشة التلفاز او على شاشة »مذبحنا المنزلي« على حد تعبير ريجيس دوبريه، مجابهة تمت على جولتين (حلقتين) وانتهت بانتصار الشيخ على الراديكالي، ومن يومها لم يهدأ للراديكالي جفن، ولم ينم الشيخ على انتصاراته. وبدأ الاثنان بالتحضير لجولات جديدة أعلن عنها مرارا، ولكنها كانت تنتهي قبل البدء خوفا من جو الهياج والارهاب الذي يتمفصل مع كل حوار يضم الشيخ والراديكالي كما يرى فؤاد زكريا؟ في كتابه الموسوم ب»القرآن وعلم القراءة« يرى المستشرق الفرنسي جاك بيرك ان الشيخ في المجتمعات العربية الاسلامية، يحرز باستمرار نصرا على المثقف ويظل أقرب الى الجمهور، من هنا يرى عبدالله العروي في كتابه الموسوم ب»مفهوم العقل، 1996« ان اهتمام المثقف العربي الراديكالي يجب ان يستبعد المواجهة مع الشيخ، وان يحصر اهتمامه بمفارقات خطاب الشيخ كون خطابه »خطابا في المفارقات«. والعروي الذي يهتم بالشيخ محمد عبده يستثنيه عما عداه. فالشيخ محمد عبده كان متبحرا في كل العلوم من جهة، والأهم انه كان مسكونا بشبح التخلف الحضاري وإمكانية النهضة من جهة ثانية. الشيخ البوطي وتحت عنوان »الاسلام والتحديات المعاصرة« يطيح بالاشكالية النهضوية التي طرحها التيار الاصلاحي الاسلامي. فالتحديات التي يزعمها البعض لا تزيد عن كونها عقدا نفسية يطرحها المتخاذلون وهم كثرة نشأوا في ظروف نفسية وربما فكرية وفلسفية شكلت لديهم عقدا ومشاعر سلبية تجاه الاسلام من حيث هو، ص40 ويضيف بقوله: »ان ما قد ذكرته يوضح بجلاء ان سلطان هذه التحديات انما ينبثق غالبا من الحال الداخلية والنفسية، التي يرم بها المسلمون اليوم، وليس آتيا من قهر حضاري او تيار فكري او اجتماعي ضاغط ووافد من الخارج«ص43. ويخلص في النهاية الى القول »ان ما يسمى بالتحديات التي تواجه حياتنا المعاصرة اليوم، وهم كبير سرى إلينا«ص51. هكذا يطيح البوطي بالاشكالية النهضوية، فهي لا تزيد عن كونها أراجيف مثقفين أعمتهم التبعية للغرب، وأوهام خاصة بمرضى نفسيين يجب الحجر عليهم... الخ. بهذه العقلية يتقدم الشيخ الى مخاطبة الراديكالي والى ساحة الحوار. اما الراديكالي العربي فهو يرفع راية »القراءة المعاصرة« للتراث بهدف الانخراط في روح العصر ومجابهة مشكلاته، ويضفي على تعددية القراءات المشروعية بهدف الانفتاح والقبول بالتعددية ولملمة الشمل، ان »القراءة المعاصرة« عند تيزيني تمثل مدخلا الى فهم عصري للقرآن، ومدخلا الى الاجابة على التحديات التي يواجهها الاسلام في هذا العصر. ولذلك فهو يرى ان الخروج بالنصين الكريمين (القرآن والسنة) من مأزقهما التاريخي الراهن يقتضي الأخذ بالعناصر الناظمة التالية: الحرية في البحث العلمي وما تتطلبه من حوار، العقلانية، والتاريخية وأخيرا الجدلية. وبالرغم من ان تيزيني يتقدم في مجال »القراءة المعاصرة«، الا انه وبتوسله الى »القراءة المعاصرة« منهجا ماركسويا تجاوزه الزمن ويعتبر من »الأصنام النظرية« على حد تعبير الأناس الفرنسي موريس غودلييه، وأقصد المنهج الذي يقرأ الفكر بوصفه انعكاسا لواقع، وبذلك يخون المستجدات الحديثة في قراءة النص الديني ودلالاته. وهذا ما يدفعه الى اتهام خصمه ووصفه ب»الرويبضة« والرويبضة كما جاء في التعريف هو »الرجل التافه الحقير في أمور العامة« وهو كما يرى تيزيني من يتنكر لنوعية العصر الذي يعيش، ويبحث عن أجوبة محددة لاسئله في عصر آخر سابق!ص119 هكذا نجد ان الحوار قد انتهى الى ساحة الاتهامات فالبوطي يعتبر التحديات التي يطرحها تيزيني ومن شابهه، ليست اكثر من عقد نفسية لمثقفين مرضى. وتيزيني يتهم البوطي بالرويبضة المتنكر لعصره، وفي الحالتين تفقد بوصلة الحوار اتجاهها، ويظل الحوار طريقه مع أننا بحاجة الى حوار يجب ان تشد اليه جميع الرجال؟