As Safir Logo
المصدر:

عن دور الاحزاب في لبنان

المؤلف: الطفيلي حمد التاريخ: 1998-12-11 رقم العدد:8172

الاحزاب السياسية كظاهرة مرتبطة بالنظم السياسية الحديثة ليست بحاجة الى إثبات. والارتباط القوي بين الظاهرة الحزبية والنظم السياسية القائمة في العالم يضفي اهمية خاصة على موقع الاحزاب الساعية للتخلص من التخلف والتبعية وتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، كما ان طبيعة الاحزاب ووظائفها وأدواتها تختلف اختلافا كبيرا ما بين الدول المتقدمة والدول النامية. ففي دول اوروبا نشأت الاحزاب بعد استقرار البناء الاقتصادي والاجتماعي وقامت بدورها في صقل المجتمعات وتوعيتها وتعميق مشاركتها في الحياة الديموقراطية السياسية. اما في البلدان النامية، ومنها لبنان، فقد وُلدت الاحزاب في غمار عملية بناء الامة بكل ما رافقها من صراعات سياسية واقتصادية واجتماعية وطائفية وعرقية، بحيث وجدت تلك الاحزاب نفسها مسؤولة عن تحقيق المشاركة السياسية وتوطيد شرعية النظام السياسي القائم في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. اما في لبنان فقد ارتبطت الظاهرة الحزبية من خلال ظروف نشأتها قبل الاستقلال وخلاله ثم بعده بالوظائف المناط بها أداؤها في مضمار التحديث والتنمية والتي تتطلب تضافر مختلف عناصر المجتمع وقواه من اجل ترسيخ الشروط المهيئة لبرامجها التي تعتمد شرط المساواة واعتماد الكفاءة معيارا وحيدا للتعيين في المناصب العامة وتنحية ما عداه من معايير الحسب والنسب والقرابة والمذهب والطائفة، مع التركيز على الاختصاص والتخصص والفصل بين أدوار ووظائف المؤسسات، وإزالة الانقسام واحتواء الازمات في المجتمع. وكل هذا مرهون تحقيقه بتوافر شرط مبدئي هو وجود المؤسسات القوية التي تجمع بين الاستمرار والفاعلية. وقد رأينا من خلال الواقع الحزبي في لبنان منذ أكثر من نصف قرن والذي تمثل بتيارات سياسية علمانية وطائفية وليبرالية او سلطوية، ان الاحزاب لم تتمكن من فرض واقع يخلّص من مظاهر التخلف والتبعية ومن حالة اللامساواة وضعف القدرات وتجيير عمل المؤسسات وشل قدراتها في ظل التشكيك بقدراتها على الاحاطة بتعقيدات البنية الاجتماعية للسكان وطبيعة التشكيلة الطائفية لهم.. كما ان تبعية النظام اللبناني جعلته يتأثر مباشرة بكل ما يتصل بأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وبكل ما كان يدور في نطاق العالم الخارجي لان قياداته نمت في مرحلة الاستقلال بمعونة ومساندة ورعاية من الخارج، وتولّت العائلات المتحالفة مع الخارج ادارة شؤون البلاد، لذلك اصبحت التضحية بالمتغيرات الداخلية تصب في مصلحة المتغيرات الخارجية الرامية الى الابعاد الاقتصادية على حساب الابعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية... ان ظهور الاحزاب السياسية وقتذاك في لبنان جاء للكشف والبحث عن المشاركة والتغلغل والنيل من الحصص ومحاولة الوصول الى إدارة شؤون البلد، رافعة شعارات حل الازمات وبرامج انمائية كبيرة... وكان الهدف الاساسي، من كل التشكيلات الحزبية التي قامت، الضغط على صانعي القرار السياسي الذين تمسكوا بدورهم بأحزاب تحميهم في مواقعهم ضمن السلطة والمسؤولية. وقد مثّل الاستعمار الفرنسي والانكليزي المحرك الاساسي لنشوء بعض الاحزاب في لبنان. وعلى رغم من تعدد الاحزاب وأهدافها فانها بمعظمها احزاب تنافسية محلية تسعى الى سيطرة الحزب الواحد وتعاني في معظمها من التقلب وعدم الاستقرار، وينظر كل حزب منها للآخر نظرة المشاكسة والمعارضة في أغلب المواقف المطروحة، وقد شابها من خلال ممارساتها نوع من التشويه في هياكلها التنظيمية وشعاراتها الايديولوجية. وأثبت عمليا ان التعدد الجزئي القائم في لبنان ليس المؤشر الكافي على نضج العمل السياسي. فقد بدا من مساهمة الاحزاب السياسية في عملية التحديث والتنشئة الوطنية وادارة البلاد عبر مشاركتها السياسية في الحكم لتوطيد شرعية النظام اللبناني الديموقراطي وتحقيق التكامل والانصهار الوطني في السنوات الاخيرة، انها لم تكن فاعلة على هذا الصعيد كما ينبغي. ان اعادة النظر بالمفهوم الحزبي السياسي في لبنان مع إطلالة عهد جديد يتطلب اعادة النظر بالشعارات والطروحات التي رفعتها الاحزاب في الماضي. فتحقيق الانصهار الوطني وبناء دولة المؤسسات لا يكون من خلال الشعارات الحزبية، بل من خلال الممارسة الصادقة والمشاركة الفعلية في خدمة الناس والوطن داخل المؤسسات الوطنية الجامعة الموحدة لكل أبناء الوطن... (*) أستاذ جامعي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة