As Safir Logo
المصدر:

كتاب

"العرب والفرات بين تركياواسرائيل" / المياه سيف سياسي ذو حدين

المؤلف: رفاعية ياسين التاريخ: 1998-11-28 رقم العدد:8161

كان موضوع الخلاف على المياه بين سوريا والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى أحد المواضيع الهامة التي نوقشت في الدورة الاخيرة لجامعة الدول العربية التي عقدت في القاهرة، ونتج عنها قرار مائع حرصاً على العلاقات مع تركيا. والفرات هو النهر الاكبر والأطول الذي ينبع من الأناضول في تركيا وتصب فيه روافد كثيرة، ويمر بتركيا ثم سوريا الى العراق، ويصب في الخليج العربي.. لقد استخدمت تركيا هذا النهر وسيلة ضغط على سوريا والعراق. تهددهما كلما لاح لها ان ذلك يخدم مصالحها. الى جانب الفرات هناك أزمة نائمة تحت الرماد وهي سلخ لواء الاسكندرون عن سوريا الوطن الأم وضمه الى تركيا بمساعدة من فرنسا التي كانت تحتل سوريا في ذلك الحين. موضوعان خطيران تتعرض لهما السيدة عائدة سري الدين في كتابها الصادر حديثاً عن دار الآفاق بعنوان "العرب والفرات بين تركيا وإسرائيل"، وفي ما يأتي نستعرض أهم ما جاء فيه والمتعلق بموضوع المياه:منذ ان ظهرت تركيا الحديثة عام 1923 على يد مؤسسها مصطفى كمال (أتاتورك) ـ 1881 ـ 1937 ـ وهي تبدي عدوانية تاريخية شديدة للعرب وقد تجلت هذه العدوانية: أولا ـ في محاربة اللغة العربية والتقاليد الاسلامية. ثانيا ـ في اقتطاع لواء اسكندرون من سوريا عام 1939 بمؤامرة فرنسية معروفة، ولاحقا تحويل مجرى نهر قويق عن مدينة حلب السورية. ثالثا: في المطالبة الدؤوبة بلواء الموصل والكرك في العراق. رابعا: في محاولة ممارسة الضغوط السياسية والعسكرية على العرب. خامساً: في استخدام المياه سلاحا بوجه العرب ومحاولة خنق الحق العربي في مياه نهري دجلة والفرات. والواقع ان لتركيا أطماعا في المياه العربية التي تأتي أصلا من هضبة الاناضول لتدخل سوريا والعراق وتنتهي في شط العرب. والصراع العربي ـ التركي يدور أساسا حول نهر الفرات. فهذا النزاع طويل بين تركيا وكل من سوريا والعراق ويتكثف في حوض نهري الفرات ودجلة، إذ تمتلك تركيا في الواقع سيطرة كاملة على كلا النهرين حيث ينبع نحو 88% من مصادر مياه نهر الفرات في الاراضي التركية وتقدم سوريا النسبة الباقية بينما لا يتلقى النهر أي موارد جديدة من الأراضي العراقية. ويبلغ تصريف الفرات نحو 32 مليار متر مكعب سنة في المتوسط وذلك قبل بدء تركيا تنفيذ مشروعها الأخير (جنوب شرق الاناضول). ويتشكل الفرات من نهرين هما: قره صور وطوله 400 كيلومتر. ومراد صور وطوله 600 كيلومتر حيث يلتقيان في حوض ملاطية. الوادي الاعلى للفرات ارتفاعه 1500م عن سطح البحر (وهذا القسم التركي) والوادي الاوسط للنهر في سوريا (جرابلس، سكنة الرقة، دير الزور) والرافد الأساسي هنا نهر البليخ الذي يرفده جنوب الرقة وينبع أصلاً من عين العروس في سوريا. ويبلغ الوارد السنوي لمياه النهر في تركيا 19 مليار متر مكعب وعلى الحدود السورية 25 مليار م3. أما طول الفرات من منبعه الى مصبه فيبلغ 2330 كلم منها 442 كلم في الأراضي التركية و675 كلم في الاراضي السورية و1213 كلم في الاراضي العراقية. وتبلغ مساحة حوض الفرات 444 ألف كلم3 موزعة على الشكل الآتي: 27.4 في المئة في تركيا و16 في المئة في سوريا و46.3 في المئة في العراق و10.3 في المئة في السعودية. وبالنسبة لسوريا فإن 88 في المئة من مياه الفرات مصدرها تركي و12 في المئة روافد سورية، وتنحصر مشكلة نهر الفرات في طريقة توزيع المياه غير العادلة بين كل من تركيا وسوريا والعراق. المرحلة الخطرة نشأت المرحلة الخطرة في العلاقات بين تركيا وسوريا والعراق في الفترة الراهنة عندما شرعت تركيا في أوائل الثمانينيات في تنفيذ مشروعها المسمى جنوب شرق الأناضول (GAP)، وهو مشروع لست مقاطعات تركية في الجزء الجنوبي من البلاد. وتكمن المشكلة في ان تركيا تقوم بتنفيذ مشاريع سدود وقنوات وخزانات ومحطات هيدروكهربائية لتطوير هضبة الاناضول (وغالبية سكانها من الأكراد) وسيؤدي ذلك المشروع الذي يقضي ببناء 17 سدا على نهر الفرات وأربعة سدود على نهر دجلة وإقامة 17 محطة كهربائية على النهرين وروافدهما، الى خفض منسوب المياه في سوريا والعراق حاليا الى 23 مليار متر مكعب، ومع بداية القرن الحادي والعشرين الى 13 مليار متر مكعب (لنلاحظ هنا الفرق الكبير) وبذلك تحصل تركيا على 400 في المئة من حصتها من نهر الفرات خلافاً للقانون الدولي وللاتفاقات بينها وبين شريكيها العربيين. لقد فشلت كل المحاولات الدولية والعربية لحمل تركيا على الامتثال للقانون الدولي، كما عمدت الى التلويح باستخدام سلاح المياه ضد سوريا ضغطا عليها لتقف الى جانبها في مسألة الأكراد في تركيا. ففي كانون الاول 1988 صرح وزير الدفاع التركي قائلا: "اننا نعرف ان سوريا غير قادرة على خوض حرب مع تركيا بسبب انشغالها بحالة حرب مع إسرائيل"، وفي الشهر نفسه من عام 1989 وقبيل تنفيذ قطع مياه الفرات عن سوريا قال محذرا: بيدنا سلاحان لردع سوريا: المياه والقوة العسكرية. وبين 13 كانون الثاني و13 شباط 1990، خفضت تركيا تدفق نهر الفرات عن مدينة جرابلس من 500م3/ث الى 120م3/ث اي ان كمية المياه التي دخلت الاراضي السورية كانت سبعة مليارات م3 فقط لكل من سوريا والعراق من أصل 15.75 مليار م3 (اتفاقية 1987). وجهة نظر سوريا اما الموقف السوري فيرى ان النهرين، نهران دوليان مشتركان، وأن علاقة الدول المتشاطئة بمياه النهرين هي علاقة حق وليست علاقة ملك. وبالتالي فإن كمية المياه المقررة في نهر الفرات على الحدود السورية ـ التركية ليست منّة من أحد تنفيذا لبروتوكول 1987 الذي وقّعه رئيسا حكومتي البلدين الجارين، ويقضي بتمرير (500) م3/ثانية من مياه الفرات خلال فترة ملء خزان سد أتاتورك وحتى يتوصل الفرقاء الثلاثة الى اتفاق نهائي حول توزيع مياه النهر.. الا ان تركيا أصرت على ان المياه التي تنبع من أراضيها ستستخدمها بالشكل الذي يخدم مصالحها في المنطقة ويزيد من نفوذها فيها. وذلك تحت شعار ان المياه يمكن ان تشكل عنصرا للتعاون الاقليمي. معاهدات نقضتها تركيا 1 ـ المعاهدة الفرنسية ـ البريطانية في 23/12/1920 حول استخدام مياه دجلة والفرات.2 ـ معاهدة لوزان في 24/7/1923 التي تلزم تركيا بوجوب إخطار كل من سوريا والعراق كلما رغبت في القيام بأعمال إنشائية على دجلة والفرات. 3 ـ معاهدة حلب في 3/5/1930 التي تشير الى حق سوريا في مياه دجلة. 4 ـ معاهدة الصداقة وحسن الجوار بين تركيا والعراق في 29/3/1946 التي تنص على ضرورة التعاون المشترك بينهما في ما يخص المياه الدولية المشتركة. ولكن تركيا تنصلت من كل هذه المعاهدات الدولية وفضلت توقيع اتفاقية مؤقتة مع سوريا في 6/7/1987 يقضي بتزويدها 500 متر مكعب في الثانية من الفرات مقابل تعهدات أمنية سورية تتعلق بقضية الأكراد. وكبديل لاتفاقية ثلاثية تضم سوريا والعراق وتركيا، قبلت هذه الاخيرة بإنشاء لجنة فنية مشتركة للتشاور وتبادل المعلومات حول المشروعات المقترحة على دجلة والفرات، على ان يرافق ذلك ـ حسب الرأي التركي ـ البدء بالتفاوض حول الاتفاقات السابقة. لكن الجانب العربي طالب بالإسراع في عقد اتفاقية نهائية تأخذ بعين الاعتبار الحاجات السورية والعراقية في المياه بالاضافة الى الحاجات التركية. ودعا الى وضع إطار منظم يشمل الدول الثلاث ويهدف الى تطوير المشاريع المائية المشتركة. وجهة النظر التركية يعتبر مشروع الغاب الذي يطمح الى لجم نهري دجلة والفرات وتوليد الكهرباء وتحويل الاراضي شبه القاحلة الى سلة خبز الشرق الاوسط مصدر فخر واعتزاز للأتراك، لكنه من جهة اخرى مصدر قلق لسوريا والعراق أسفل مجرى النهر. فكلا البلدين يخشى من سد أتاتورك الذي سيحول معظم تدفق نهر الفرات الى سهل شانلـي أورفـة التـركـي، الامـر الذي يجعل سوريا والعراق رهينة المياه التركية. يقول السوريون ان "الغاب" قد خفّض من تدفق المياه وقلّل من إنتاج الطاقة الكهـربائية فـي المحطـات المقامة على سد الثورة السوري. وعلى الرغم من تكرار الاحتجاج من قبل المسؤولين السوريين، الا انهم لم يجدوا لدى الحكومة التركية آذانا صاغية. وعندما قـررت أنـقرة بناء سد أتاتورك، رفض المسـؤولـون الأتـراك عملـياً المفـاوضة مع سوريا والعراق. وبحسب توماس ناف فإن حصة سوريا من الفرات ستنخفض بشكل نهائي لدى إتمام مشروع (الغاب) بمقدار 40%. وتعتبر وجهة النظر التركية ان دمشق بالغت في تقدير مفاعيل (الغاب) على سوريا. فالكمية التي ستعطيها تركيا لسوريا من نهر الفرات ستكـون كافية لاحتياجاتها بل اكثر من ذلك، وسيضمن إنشـاء السدود في ظل تقلّب معدلات تدفق نهري دجلة والفرات السنوية والفصلية، تدفقا مستقرا للجارين الجنوبيين، والماء الذي سيحتجز هو الماء الذي يذهب هدرا في الجزء الذي لا يمكن لتركيـا وسـوريا والعراق ان تستفيد منه. وبما ان السدود تقوم بتنظيم التقلبات الفصلية فهي تمنع هـدر المياه. ويدّعي المسؤولون الأتراك ان الحجم الحالي (500م3) في الثانية يفيض عن حاجات سوريا، ويقدر كبير مسؤولي مشروع الغاب هرماه أوكاه ان سوريا بحاجة فقط الى (125م3) في الثانية، وهو دفق "منطقي جدا" ينبغي ان يكون كافيا لحاجات سوريا الحالية ومشاريع ريها القائمة والمعلنة. وترى تركيا ان مطالبة سوريا بـ"700م3" في الثانية "غير واقعية" الا ان التقديرات المتوسطـة المـدى تشير الى ان سوريا سوف تعاني عجزا فـي المياه بحلول نهاية القرن حتـى مـن دون مشـروع الغـاب، اذ يقدر خبراء البنك الدولي ان العجز السوري ربما يبلغ عام 2000 مليار متر مكعب سنويا. المشكلة الكردية والمياه أعرب المسؤولـون الأتـراك بصورة متواصلة عن خشيتهم من ان سـوريا تحـاول ان تستخـدم الأكـراد لزعزعة استقـرار جنـوب شـرق تركيا وحتى لتخريب سد أتاتورك وغيره من مشاريع الغاب. وكان الرئيس التركي الأسبـق أوزال قـد اتهـم دمشق بخرق بروتوكول 1987 الامني، وألمح الى قطع تدفق مياه نهر الفرات الـى سـوريا ما لم تنه دعمها لحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل منذ عام 1984 لاقتطاع قسم من شرق تركيا وقيام دولة كردية عليه. وكان البلدان قد تعهدا في بروتوكول دمشـق عـام 87 بقمع النشاطات الارهابية الموجهة ضد البلد الآخر. ووعدت سوريا بأنها ستغلق معسكرات رجال "العصابات" في سوريا وفي منطقة البقاع اللبنانية التي تسيطر عليها. على الصعيد القانوني طالبت سوريا والعراق تكراراً بحق السيادة المشتركة على مياه دجلة والفرات الأمر الذي رفضته تركيا، فيما ان كلا النهرين ينبع من تركيا فإنه لا حاجة بحسب أنقرة، الى اتفاق مشاركة للمياه. وتركيا وحدها هـي التـي تملك الحق في تقرير كمية المياه التي يتسلمها جيرانها. وتستند حجة أنقرة الى كون نهري دجلـة والفـرات لا يدخلان في نطاق "المياه الدولية" بل "المياه العابرة للحدود" وهناك تأكيد دولي بأن لكل دولة مشاطئة الحق في السـيادة المطلقـة على القسم الواقع في أراضيها. ويرى المسـؤولـون الأتـراك ان المياه التي تنبع من أراضيهم هي مياه تعود ملكيتها لهم قانونـا، ويجب ان لا تكـون هناك أية قيود على استخدامها في تلبيـة حاجات نمـوهـم الداخلية، فمصدر المياه في تركيا هو أعلى مجرى النهر، ولا يحق للدول أسفل مجرى النهر ان تقول لنا كيف نستخدم مواردنا، كما أعلن سليمان ديميريل. وبشكل عام فإن آراء المسؤولين الأتراك تعكس المزاج الشعبي العام الـذي يقـول بـأن "اللـه أعطى العـرب النفـط وأعـطانـا نحن المياه" وبالفعل فإن هناك أصـواتا تنـادي فـي تركـيا باستبدال المياه بالنفط. بـل هنـاك مـن ينادي بمد أنابيـب ميـاه الـى البلـدان العربية وخصـوصا شبه الجزيرة العربية مقابل أنابيب نفـط الى تركيا. أخيرا، يمكن القول ان المياه سيف سياسي ذو حدين يمكن استخدامه للإبقاء على حدة التوترات، كما يمكن استخدامه لإحلال السلام. وسوف تحدد السنتان المقبلتان مجرى الاحداث المتصلة بمشكلة المياه. ويعتمد الحل في المقام الاول على التغلب على عدم الثقة بين الدول المتشاطئة الثلاث. وهناك فرصة لتحقيق ذلك او: الحرب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة