قرأت يوم السبت الفائت في 21/11/1998 مطالعة المطران جورج خضر لوقائع ومناقشات ندوة الحوار الإسلامي المسيحي بعمان حول قضية المواطنية. وقد انعقد المؤتمر المذكور في ردهات المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية، الذي نضجت لديه تجربة ايجابية في قضايا الحوار الحضاري، ومعالجة المسائل التي تتجاوز الشأن اليومي، بشكلانية أكاديمية تبدو تقليدية أحيانا؛ لكن فائدتها تكمن في عدم إصغائها للفورات العاطفية، وعدم اتباعها في جدول أعمال بحوثها لتقلبات السياسات الدولية، ومع انني اعتبرت التصدي لهذا الموضوع من جانب المجمع خروجا من نوع ما على تقليدية كلامية؛ لكنه خروج له ما يبرره في أهمية القضية المطروحة التي لا أرى أن لها علاقة مباشرة بالحوار الاسلامي المسيحي على المستويين العربي والعالمي. بل انها تتعلق بمصائر مجتمعاتنا وأنظمتنا السياسية على عتبة القرن الواحد والعشرين. انها قضية المجتمع المدني العربي والاسلامي، وقضية العلاقة بين المجتمع والسلطة، ورؤى النخب الثقافية لمشروعات إدارة الشأن العام في الحقبة القادمة. انه التغيير بوجهه الحواري الديموقراطي، بعد أن استحال الوصول لتصد مجد لمشكلات التحرير والتقدم والتوحد والتنمية في الدولة القطرية، وفي الأنظمة الاندماجية وفي البنى الايديولوجية المصمتة. كل شيء مطروح اليوم للنقاش، الذي تنبني ثقافته تدريجيا، أو ان الذي ينبني الوعي الجديد المحلِّل للمرحلة السابقة، والمستطلع للبدائل التغييرية الاجتماعية والسياسية في المرحلة المقبلة. يقرأ المطران خضر وقائع الندوة المذكورة بلهجة هادئة آسية، لكنها حانية. بيد أن حنوها وأساها لا يعطيانها الطابع الأبوي المنتظر. ذلك ان هذا الشيخ الصلب والرقيق في آن يعبر عن خيبة أمل عميقة بزملائه من رجال الدين والمثقفين المسلمين لقصورهم أو عجزهم أمام مسألتين: مسألة المساواة التامة بين المسيحيين والمسلمين بالمعاني الدينية والثقافية والسياسية، ومسألة الأصوليات الاسلامية المتصاعدة التي تثير هواجس المسيحيين ومخاوفهم، ويقف المتنورون المسلمون عاجزين أمامها، أو أنهم يحاولون الرد عليها من ضمن منطقها؛ فلا يحل ذلك المشكلة بل يزيدها عمقا. وقد رأيت ان استطلاع المطران الصديق فارقته النزعة الأبوية صاحبة المشروع (التي غابت بالمناسبة عن أكثر مداخلاته المشابهة في السنوات الخمس الماضية) لأنه اتجه في الخاتمة الى اخوته من العرب المسلمين بالرجاء ان لا يعتبروا القلق المسيحي من الظواهر المستجدة في مجتمعاتنا خطرا عليهم، لأنهم قلة في العالمين العربي والاسلامي، وإنما يطالبون بالحد الأدنى المسلَّم به عالميا. I ان المجال هنا لا يتسع لمناقشة ايجابيات وأخطاء الحوار الاسلامي المسيحي، والمسيحي الاسلامي في العقود الخمسة الماضية. لكن يكفي دليلا على نجاحه جزئيا استمراره طوال هذه الحقبة الممتدة، وقد صار له تراث، وصارت له مؤسسات، وتوصل الى بعض النتائج. ثم ان الدليل الآخر على جدواه ان المسيحيين والمسلمين العرب بدأوا بتأسيس المراكز والمؤسسات من أجل الحوار، أي أنهم صاروا الى حد ما أصحاب مبادرات، بدلا من بقاء الحوار كله بيد المؤسسات والجهات والمراكز الدينية أو الأكاديمية الأوروبية والأميركية. ومع أنني أريد هنا مناقشة مسألتي العجز والقصور لدى المسلمين في قضية المواطنية بالذات؛ فإنني أقدم لذلك بملاحظتين حول سلك أو مسالك المسيحيين العرب في قضايا الحوار بشكل عام. أولى الملاحظتين اتجاه المسيحيين العرب الى اعتبار أنفسهم في السنوات الأخيرة بالذات غربا، لا بمعنى التبعية أو العمالة، بل بمعنى التبني الكامل لمقولات وقيم الغرب الحديث باعتبار ذلك تراثا مسيحيا عاما مسلما به. وقد يكون المسوّغ لذلك ما شاع في عقدي الثمانينيات والتسعينيات في الصراع الايديولوجي عشية سقوط الاتحاد السوفياتي، من إطلاقات وشعارات، ومن بينها شعار الحضارة أو الميراث اليهودي المسيحي للحضارة الغربية. ثم قد يكون المسوغ لذلك أيضا استمرار كثير من مثقفي المسلمين في حقبة »الصحوة« في اعتبار الغرب مسيحيا أو صليبيا، والنظر الى المسيحيين العرب أو بعضهم باعتبارهم كذلك. وموقع ملاحظتي هنا ليس الحط على المثقفين المسيحيين لذهاب بعضهم الى ذلك، فمستقبلنا جميعا مسلمين ومسيحيين في الشرق والعالم يتمثل في قدرتنا على احتواء واستيعاب تحديات العصر والعالم أو عصر العالم وصولا الى المشاركة الايجابية والفعالة فيه، بعيدا عن أوهام المواجهة والغزو الثقافي والخوف المرضي على ذاتيتنا الخالدة التي لا تتغير. موقع ملاحظتي هنا أن الاندماج أو التماهي مع العالم وقيمه في الحريات والديموقراطية يتنافى والبحث عن خصوصيات وخصائص وأنثروبولوجيات محلية. فحق المواطنية أو حق الاختلاف، أو غير ذلك من الحقوق الديموقراطية التي صارت قيما عالمية لا تدع مجالا مقنعا لاستثناءات ضمن الحركية الزاخرة لمجتمعاتنا وباسم الاختلاف أو الديموقراطية بالذات. وإلا فإن ذلك يعني القول بجزر غربية للحريات وقيمها، بينما تبقى مجتمعاتنا غاصة بأصوليات تعادي القيم العالية المعاصرة. ويفضي بي ذلك الى الملاحظة الثانية المترتبة على الأولى: ان كثيرا من المسيحيين العرب (والمطران خضر ليس منهم) يستسلم لليأس في مراقبته لوقائع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية العربية، فيضع نفسه خارج الصراع الاجتماعي والثقافي والسياسي، ويطلب منا أن ندعه يعيش أو يهاجر، متخليا بذلك عن حقنا جميعا في حيوات اجتماعية وثقافية وسياسية تتسم بروح المواطنية الحقة، وتناضل من ضمن الحراك الاجتماعي والسياسي، والمشروع الوطني العام. ان أمرا كهذا يجعل من حالة الذمية التي لا يريد المسيحيون (ولا المتنورون المسلمون) العودة اليها مرحلة أفضل من الانخناس والهجرة. على أن الشأن في هاتين الحالتين كشأن عمرو المستجير من الرمضاء بالنار، أي انه ليست فيهما خيرة لمختار. والحال ان الحضارة المعاصرة التي يتوقف وجودنا على مقدرتنا على الدخول فيها بجدارة، ليست مسيحية ولا إسلامية، فضلا عن ان تكون يهودية. فقد نشأت قيمها في صراع تاريخي مع المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية على الخصوص، وما تزال هاتان الكنيستان العريقتان تناضلان من أجل الاستيعاب والتجاوز والبقاء من ضمن العصر وقيمه. وهذا معنى تطور »لاهوت الأديان« الى »لاهوت حقوق الانسان«. فهناك مبادرات من داخل الكنائس ومن مواقع ايمانية من خارجها لاعادة تأسيس القيم الإنسانية العالمية على أسس تستند الى القيم الدينية الكبرى تمكن المؤمنين من كل الأديان المشاركة في تلك القيم باقتناع ذاتي عميق. II ناقش الباحث البريطاني المعروف، المتخصص في التاريخ العثماني دافيسون، في ثلاث مقالات له قبل ثلاثين عاما مسائل: المساواة بين المواطنية (مبدأ المواطنة)، والانتخابات، ومبدأ فصل السلطات، وقيام حكومات مسؤولة في السلطنة العثمانية (1837 1876) والعام الأخير هو عام إعلان الدستور العثماني وبدء تطبيقه. وقد استظهر وقتها من الوثائق التي بحثها ان هذه التطورات أزعجت المسلمين والمسيحيين على حد سواء. ومن هنا نشأ الانطباع أن تلك التطورات أرغمت عليها القوى الأوروبية صاحبة الامتيازات في السلطنة العثمانية. انزعج المسيحيون (أو وجهاؤهم) لأن مبدأ المساواة الذي أقره الدستور العثماني لسائر رعايا السلطان بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم يحرمهم من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها لانضوائهم ضمن امتيازات إحدى القوى الأوروبية. أما الوجهاء المسلمون في مركز السلطنة وولاياتها الكبرى فقد انزعجوا لأن المسيحيين واليهود صار يمكنهم المنافسة على المناصب الكبرى دون الاضطرار للتخلي عن أديانهم. أما بعض فئات العامة من المسلمين (ومن ضمنهم صغار رجال الدين) فإن انزعاجهم سببه الأول هجران منظومة أهل الذمة التي تصطنع تراتبية اعتادوا عليها، وسببه الثاني إحساسهم بظهور قيم جديدة غربية الأصل على حساب المنظومة القيمية التي اعتادوا الأمان في ظلها. لكن دافيسون ذهب ومن ضمن الوثائق أيضا الى ان التجديدات الثقافية والسياسية العثمانية علتها إحساس كبار رجالات الدولة في عصر الاصلاح ذاك بأن تلك الاصلاحات ضرورية لبقاء الدولة وتماسكها. وقد ظاهرهم في ذلك شيوخ الاسلام، وكبار رجال الدين. ودليله على ذلك ان السلطان عبد الحميد الثاني عندما عطل الدستور عام 1878 ما استطاع إلغاء المراسيم العالية المتعلقة بالمواطنية، كما أنه لم يعطل قانون الولايات الذي يعطي الأقاليم صلاحيات حكم ذاتي، ولا مركزية معتبرة. ان المهم في أمر »المواطنية« التي يحار المتنورون المسلمون اليوم في إيجاد الحجج الدينية للدفاع عنها، ان الاصلاحيين المسلمين بمصر التي كانت تتمتع باستقلال واسع عن باقي أقاليم السلطنة منذ مطلع القرن التاسع عشر انصرفوا لتدعيم أسسها منذ أواخر القرن التاسع عشر استنادا الى »مقاصد الشريعة« التي تشبه »لاهوت حقوق الانسان« الذي يدعو إليه هانز كينغ منذ عقدين من الزمان. فحقوق الانسان الأساسية حسب منظومة »مقاصد الشريعة« (حق الحياة، وحق الدين، وحق العقل، وحق النسل، وحق الملك) كما ردد محمد عبده ورشيد رضا من وراء الشاطبي (الفقيه المالكي من القرن الثامن الهجري): »مراعاة في كل ملة«، أي انها تشبه الحق الطبيعي لدى روسو ومونتسكيو وآخرين. وقد تحمس الاصلاحيون العرب (مسلمين ومسيحيين) لإعادة العمل بالدستور العثماني (مؤسس مبدأ المواطنية) عام 1908 الى حد كتابة سليمان البستاني كتابا في تقريظه، وعودة أديب إسحاق من المهجر الى مصر للنضال من أجل بقائه، واعتبار رشيد رضا وعبد الله العلمي وشكيب أرسلان انه: مقتضى تعاليم القرآن! (كتب العلمي عام 1913 كتابا بهذا المعنى، وتابعه على ذلك رفيق العظم). ثم جاءت عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته بمتغيرات في الواقع السياسي، والوعي الثقافي للنخب الاسلامية تجاه الغرب. وعكست كتابات رشيد رضا بالذات هذه التحولات في الواقع والوعي. فكان من آثار إلغاء الخلافة، وقيام الدول الوطنية، والصراع ضد الاستعمار والصهيونية، التوجه الى اعتبار الغرب لدى النخب الإسلامية شراً كله في الثقافة كما في السياسة. وتقدمت اعتبارات الخوف على الهوية والخصوصية على اعتبارات الاقتداء بالغرب أو تبيئة قيمه ومؤسساته من أجل التقدم. وترتب على ذلك اعتناق منهج جديد في الاجتهاد والاستنباط أو في النظر الى الشأن الديني والشأن الاجتماعي العام، انه نهج التأصيل الذي ما لبث ان ساد في »حقبة الصحوة« التي ما نزال نناضل للخروج من كوابيسها. عن نهج التأصيل العودة الى الأصل (النص الديني الأول المتمثل في القرآن والسنة). وما كانت المشكلة هنا بالتحديد، فالنص الديني بشقيه كان من ضمن أدلة الاستنباط في المراحل الكلاسيكية كما أن الاصلاحيين استخدموا النص لمواجهة الإسلامات الشعبية التي اعتبروها متخلفة وذات طابع خرافي مشعوذ. كمنت المشكلة في الحقل الثقافي العام. فقد كان الحقل الثقافي في مطلع القرن يضج بآمال التغيير ومطالبه والفتنة بالتقدم الغربي. وفي ضوء تلك الآمال والمطالب والاحتياجات جرى تأويل النص بحيث اعتبر رجل كرشيد رضا في مرحلته الأولى ان الشورى القرآنية تعني الدستور، وتعني حكم الشعب، وتعني البرلمان والديموقراطية. لكن مع تغير الحقل الثقافي والسياسي، صار التأصيل التزاما حرفيا بالنص. كان استعمال النص في الفقه الاصلاحي لشرعنة الجديد، فإذا لم يكن ذلك كافيا تجري تعلية السقف الى منظومة »مقاصد الشريعة« التي تستوعب النص، وتعيد تنزيله على الوقائع. أما في الفقه الإحيائي (فقه الصحوة!) فإن العودة للنص كانت لرفض الجديد بحجة خروجه على النص وتجاهله للشريعة، وإصغائه لمغريات وأضاليل الجاهلية المعاصرة! تناولت منهجية التأصيل من ضمن ما تناولت مسألة المواطنية، فأحيت النقاش حول منظومة أهل الذمة، واعتبرت تلك المنظومة قرآنية لا يمكن التخلي عنها. بل ان الإحيائيين أدانوا الاصلاحيين الذين تخلوا عن تلك المنظومة، كما تخلوا عن »حكم المرتد«. والطريف الذي يدل على أن الأمر ليس أمر التفسير البحت للنص، بل الموقف والموقع الثقافي والسياسي العام، ان النص القرآني واضح في الحرية الدينية: لا إكراه في الدين! أمام هذا النص المحكم لجأ الاحيائيون الى تخصيص الحكم القرآني العام بالأحاديث النبوية، ووقائع التاريخ والفقه الإسلامي مع أنهم في حالات كثيرة كانوا يتخلون عن الفقه الكلاسيكي بحجة انه تقليد ينافي الاجتهاد! أما في مسألة أهل الذمة الناقضة تماما لمبدأ المواطنية فاعتصموا بآية الجزية، وبسيرة »السلف الصالح« في التعامل مع غير المسلمين؛ مع أن سائر أجزاء منظومة أهل الذمة من صناعة الدولة الاسلامية وفقهائها والانتقائية واضحة في هذا الاحتجاج؛ إذ ان الدولة الإسلامية والفقهاء أقروا في أحيان كثيرة أو شرعوا لتولي غير المسلمين لمناصب كبرى في الدولة، ومن ضمن هؤلاء أناس من »السلف الصالح« أنفسهم. وبدأ بعض المثقفين الاسلاميين يخرجون من وطأة كوابيس الإحيائية والأصولية والتأصيل في الثمانينات. لكن الصحوة ونهجها كانا قد تركا آثارا مفجعة على الفكر الإسلامي كله بحيث لم يملك المتنورون هؤلاء الشجاعة على تجاوزها دفعة واحدة. ما جرؤ أحد منهم بداية على القول ان منظومة أهل الذمة مضت وانقضت بخيرها وشرها؛ بل ذهبوا الى ان الفقهاء المسلمين يقولون عن الذميين انهم »من أهل دار الإسلام« (أبو زهرة من قبل، والزميلي والبوطي من بعد) وهذا يضاهي مفهوم المواطنية اليوم؛ وبخاصة إذا اعتبرنا الجزية بدلا من الحماية من جانب الدولة؛ فإذا شارك المسيحيون في الدفاع والحماية سقطت الجزية (مسلك أبي عبيدة ابن الجراح مع أهل حمص)، وسرى قوله، صلى الله عليه وسلم: »لهم ما لنا وعليهم ما علينا«. ثم مضوا الى نوستالجية مصرية محببة عندما ذهبوا (هويدي، العوّا، القرضاوي) الى ان الحالة المصرية فريدة من نوعها إذ انها تملك مجتمعا اندماجيا شارك من ضمنه المواطنون جميعا في »النضال الوطني« فتم عقد جديد على المستوى الوطني أنهى عقد الذمة وعهدها. وعندما رأوا ان ذلك ما أقنع الأصوليين لجأوا الى اطمئنان أولئك الى مشروعية السلطنة العثمانية؛ فقالوا ان تلك الدولة الشرعية يشكل تصرفها ازاء غير المسلمين »سابقة« ينبغي الاعتماد عليها في إنهاء المرحلة السابقة. أما في قضية الحريات الدينية فقد لجأوا للقول إن القرآن لا ينص على عقوبة للمرتد، أما الأحاديث النبوية فتحدد المرتد بأنه »التارك لدينه« المفارق للجماعة«، أي التحول الى حرب المسلمين أو التحول الى »أهل الحرب«. فلا يكفي لعقوبته تغييره لدينه أو تركه للإسلام ان كان. أما في التسعينات فإن بعضهم جرؤ (أبو المجد، هويدي، العوّا، البوطي) على العودة الى فقه الاصلاحيين المتعلق بمقاصد الشريعة، ومضى الى القول ان مبدأ المواطنية يتعلق بالمشروع الوطني العام (المصالح العليا للمجتمع) والذي يتجاوز تدقيقات النصوص ووقائع التجربة التاريخية. إن الواضح من العرض الموجز السابق الذي لو أطلت فيه لذكرت حججا وحججا مضادة مضحكة مبكية ان منهج التأصيل سيطر على الاصلاحيين الجدد أيضا حتى وقت قريب. كما أن الاصلاحيين الجدد هؤلاء ما اعتبر أكثرهم مبدأ المواطنية قضية اجتماعية وثقافية وسياسية شاملة، أي انه يتعلق بفهم المجتمع لذاته وحركيته وعلاقاته بسلطاته وبالعالم، وليس بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين والمسيحيين وحسب. * * * خاب أمل المطران جورج خضر في المتنورين المسلمين لعدم فهمهم واستيعابهم لهواجس مواطنيهم المسيحيين ومخاوفهم. والحق ان هؤلاء بذلوا وفي مصر خاصة جهودا جدلية هائلة للخروج من إسار الاحيائية الإسلامية. لكنهم وهم يناضلون كانوا يخضعون لإشكاليات الصحويين ومنهجهم. والحوار المسيحي الاسلامي أفاد في تنبيه الاصلاحيين الجدد الى الخطر المحدق ليس بالمسيحيين حسب، بل وبالمسلمين الذين اصمّت قرقعة اسلحة الراديكاليين آذانهم وعقولهم ووعيهم. لكننا الآن في موقف يتعين علينا فيه مسلمين ومسيحيين ان لا نعتبر قضية »المواطنية« أو »حقوق الانسان« ضمن قضايا الحوار الاسلامي المسيحي وحسب، بل ان تلك قضية من الخطورة بحيث تتناول اعتبارنا بشرا لهم وجودهم الإنساني والثقافي والسياسي في مواطنهم وفي أمتهم وفي العالم. انها قضية المجتمع المدني والدولة المدنية، والشعب مصدر السلطات، والتداول السلمي والديموقراطي للسلطة، وانتمائنا الى هذا العالم، وهذا العصر، وتلك أمور وقضايا ومشكلات تحتاج منا جميعا الى حوارات مستفيضة وانفتاح كامل ومسؤول، وتعلم من الأمم والشعوب والثقافات التي لها تجارب عريقة أو مستجدة في هذه الشؤون كلها، أراد الصحويون ذلك أو لم يريدوا. نصغي ونتعلم ونمارس ونحاور ونناضل ونعارض، باعتبارنا مواطنين عربا في هذه المنطقة وفي هذا العالم. وأحسب اننا بذلك نزداد إيمانا وإسلاما، بل انني أخشى على ديننا ووجودنا إن لم نفعل ذلك: ألم يقل رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم مخاطبا ربه عز وجل عشية موقعة بدر الكبرى: اللهم ان تهلك هذه العصابة فلن تُعبد بعد اليوم؟ ماذا يكسب الإسلام أو ماذا تكسب العروبة ان ظللنا أذلاء في أوطاننا، غرباء على أرضنا وفي العالم، أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، حسبما أنذر طارق بن زياد جنده ان تخاذلوا أمام القوط!