لا تزال شخصية العلامة الشهيد مرتضى مطهري مجهولة في عالمنا العربي لعدم اطلاع كثير من المثقفين على نتاجاته ما جعل مؤلفاته وآثاره بعيدة عن التداول في الاوساط الثقافية وعن اعتمادها في مراكز الدراسات العربية، وهذا يعني حرمان التيارات الفكرية والعلمية التي تصبو الى الحقيقة والكمال، من ذلك الرافد العظيم الذي يُغني الحضارة الاسلامية والانسانية في هذا العصر. ان الغوص في شخصية الشهيد مطهري الفكرية وأمثاله من العلماء كالشهيد محمد باقر الصدر والعلامة الطباطبائي، تحتاج الى جهود المؤسسات العلمية ومراكز البحث لاستخراج كنوز افكارهم وآرائهم القيمة في دنيا الفكر والعلم، تلك الافكار والآراء التي تشكل مداميك متينة ودعائم صلبة في صرح الثقافة الاسلامية والانسانية. لقد أعطى الشهيد مطهري للعقل دورا مهما في الاسلام، مستندا من خلال ما قدمه من معارف الى الاسلام الأصيل، وفي محاولته شد جيل الشباب الى منابع الدين وتطهير فطرتهم من الآراء الضالة والمستغربة التي شابتها. اللافت في منهجه هو محاولته تأصيل مدرسة فلسفية معاصرة تستند الى آراء أهل البيت عليهم السلام في ذلك والى فلاسفة الاسلام وأهل العرفان منهم، وقد ابتعد في ذلك عن آراء المتصوفة وأساليبهم في التقرب الى الله فرأى ان تكامل الانسان وتطوره يكونان في تلازم العقل والقلب، وان العرفان الالهي هو مدرسة للحياة لا للهروب منها ومن المسؤوليات الملقاة على عاتقه. ألمّ الشهيد مطهري بالآراء الفلسفية والاجتماعية في عصره وأمسك بناصية الفلسفة الاسلامية وعلومها فأمسى قادرا على الرد على تحديات تلك الآراء التي تخالف الاسلام منهجا وسلوكا. ولقد حث المسلمين على اعادة الثقة بالهوية الاسلامية التي كادت تُطمس معالمها في هذا القرن، ونقّب في المعارف القرآنية والسنة النبوية الشريفة ومدرسة أهل البيت(ع) عن كليات الفكر الاسلامي التي نتكأ عليها في تطبيق الجزئيات في حياتنا العلمية والعملية، وتصدى للانحرافات الفكرية وللاعراف الاجتماعية التي سادت في المجتمع الايراني قبل الثورة منتقدا في الوقت نفسه مدارس الغرب في الفكر والحياة سلبا وايجابا. وما يهمنا في هذا المقال هو تسليط الضوء على الاهمية الكبرى التي أولاها الشهيد مطهري الى دور العقل في الاسلام والى أهمية التفكر وعدم تعطيله تحت شعار الخروج عن المبادئ الاسلامية الاصيلة واتيان البدع، فكان يقول: »من المؤسف في تاريخ الاسلام حصول ما حرّف المسلمين في مسارهم عن الوجهة التي وجههم اليها كتابنا السماوي المقدس، الا ان نفرا منهم أدركوا مقاصد التعليمات القرآنية والموضوعات التي ينبغي لهم التفكر فيها وقد فعلوا«. وقد اهتم تبيان العقل وأهميته كما كان عليه علماء الاسلام القدماء منهم والمتأخرون، فحجة العقل ثابتة بحكم العقل وبتأييد الشرع ايضا. ونحن نثبت حقانية الشرع وأصول الدين بحكم العقل وكما هو معلوم فالعقل حجة من الناحية الشرعية وهناك مسائل عديدة في مباحث أصول الفقه يستدل على حجيتها عقلا. ومن هذا المنطلق وبالاعتماد على القاعدة القائلة بأن كل ما حكم به العقل حكم به الشرع وكل ما حكم به الشرع حكم به العقل نستطيع استنباط عددا من الاحكام المستحدثة والمستجدة الصالحة لحل كثير من المعضلات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي لم تكن مطروحة في الازمنة الماضية. يعتبر العلامة الشهيد ان القرآن الكريم هو المنطلق الاساسي لاحترام العقل وللحث على استخدامه في مختلف شؤون الحياة فيقول: »اذا كان القرآن حارس الايمان ومحافظا له، ورسالته رسالة الايمان، فهل ينظر الى العقل بعين الرقيب المنافس محاولا صد هجماته، او انه بالعكس ينظر دائما الى العقل بعين الحامي والمدافع محاولا إعانته والاستعانة به«. ويرى هذا العلامة انه بالعقل وبالتفكر نستطيع الغور في أعماق آيات القرآن وتدبر معانيها مشبها ذلك بالتطور العلمي الذي يكشف عن كثير من مكنونات الطبيعة، وفي هذا يقول: »ان القرآن من هذا المنظور أشبه بالطبيعة، ففي الطبيعة كثير من الأسرار التي ما زالت تفتقر الى حل وليس بالامكان حلها في الظروف السائدة ولكنها سوف تُحل في المستقبل. ثم ان الانسان في سعيه لمعرفة الطبيعة ينبغي عليه ان يلائم بين التفكير السليم والطبيعة كما هي، لا ان يفسر الطبيعة بحسب رغبته واعتقاده، وكذلك هو القرآن، فانه لم ينزل لزمان واحد، ولو كان الامر كذلك لانكشفت أسراره منذ أمد، ولفقد هذا الكتاب السماوي كل جاذبيته وجدته وتأثيره، غير اننا نرى ان الرغبة في تدبره والتفكر فيه واستكشاف جديده لم تزل ماضية كما كانت. ويؤكد الشهيد مطهري على مخاطبة القرآن الكريم العقل والقلب قائلا: »... يخاطب القرآن عقل الانسان بلغة المنطق والاستدلال ويخاطب القلب بلغة الاحساس، فمن يرد ان يتعرف على القرآن وان يأنس به فعليه ان يعرف هاتين اللغتين، وان يستفيد منهما معا، اذ الفصل بينهما يؤدي الى الخطأ وسوء الفهم وهذا خسران كبير«. وفي حديثه عن التيارات الفكرية وأصحابها في العصور الاسلامية كالاشاعرة والإخباريين وغيرهم ممن أساؤوا فهم الاسلام، يرى ان هؤلاء ابتعدوا عن جادة الصواب بعدما أخطأوا مواطن استخدام العقل ودوره في الحياة الانسانية، بل عطلوا دور العقل بشكل شبه كامل في الفهم والاستنباط. وفي حديثه عن هؤلاء وطريقتهم في التفكير يقول: »لا شك في ان هذه النزعة تؤدي الى الانحراف والاعتلال، ذلك لأن هؤلاء كانوا مضطرين الى شرح الآيات وتوضيحها، ولكنهم بإلغاء دور العقل لم يكن أمامهم من القرآن الا مفهوم هو أقرب الى مفهوم العوام ثم سرعان ما انحرفوا عن جادة الصواب واعتنقوا معتقدات غير صحيحة«. ويضيف العلامة مطهري ان هناك اكثر من ستين آية في القرآن الكريم تشير الى التأمل والتدبر والتعقل وذم عدم استخدام العقل منها على سبيل المثال: »ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون«. وفي مباحثه العقائدية يتطرق الى مسألة التوحيد التي عليها أساس الحياة والديانات الموحدة مظهرا ان الاسلام دين توحيدي، والتوحيد قضية عقلانية لا يجوز فيها التقليد والتسليم. ولو كان الاسلام مبنيا على الثنائية او التثليث لما استطاع إطلاق الحرية في هذه المسألة ولكان أعلنها منطقة محرمة ممنوعة. ولكنه لما ابتدأ بالتوحيد، فقد أعلنها منطقة مفتوحة، واجبا ارتيادها، ومدخل هذه المنطقة هو الكائنات برمتها وبطاقة الدخول اليها هي العلم والتعلم ووسيلة التنقل فيها هي قوة الفكر والاستدلال المنطقي. ويرى ان تجميد المسلمين العقل ودوره في الحياة قد أبعدهم عن اللحاق بركب التطورات الحضارية كما ان أبواب الاجتهاد التي أقفلت ساعدت في مراوحة المسلم مكانه ولا سيما أمام المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لم يكن للمسلمين فيها من رأي او مشاركة نتيجة ضبابية المواقف الفقهية في كثير من المسائل، فعاش الانسان المسلم في صراع بين الماضي والحاضر وأدى هذا الصراع الى تخلي كثير من المسلمين عن معتقداتهم وعاداتهم لصالح معتقدات وعادات بعيدة عن تراثهم وهويتهم الاسلامية. ولهذا يحث على الاجتهاد المنطلق من القرآن والسنة، والاجتهاد في نظره هو استعمال التدبر والتعقل في فهم الادلة الشرعية وهذا يتطلب معرفة عدد من العلوم التي هي بمنزلة المقدمة لنيل الجدارة والاستعداد للتعقل والتدبر الصحيحين. فللعلامة المطهري رأي في الاجتهاد وفي أهميته ومن المستحسن العودة الى كتبه لأن المقام لا يسمح باستعراض آرائه في ذلك حرصا على عدم الخروج من الموضوع المحدد. لكن أقل ما يذكر في هذا المجال ان الشهيد يعي أهمية الاجتهاد ودوره في الشريعة والحياة ولا سيما بعد ختم النبوة فيقول: يمكننا ان نفهم جيدا ان الاجتهاد نسبي ومتطور ومتكامل، وان كل عصر وزمان يستوجب نظرة وإدراكا خاصا، وهذه النسبة تنشأ من أمرين: أولا القابلية اللامتناهية لفهم النصوص والمصادر الاسلامية وكشفها وتحقيقها، ثانيا التكامل الطبيعي للعلوم والافكار البشرية. وفي رده عن دور الوحي بجانب العقل يعتقد العلامة مطهري ان العقل لا يستطيع حل معضلات معينة ومن هنا يأتي دور الوحي في حل ما عجز العقل عن أدائه فالوحي لا ينفي العقل بل يكمله ويجبر نقصه باعتباره عقلا محكوما بالطبيعة البشرية التي ينقصها الكمال المطلق. فالنبي في نظر مطهري لم يأت ليكون بديلا عن الفكر والعقل كما لم يأت ليعطل القوى المودعة في الانسان ولم يقل له لا تفكر، لا تستدل، لا تجتهد فأنا أنجز جميع الاعمال نيابة عنك... كلا فهذا خلاف النظم الذي تقتضيه النواميس الطبيعية لان منطق الانبياء يستلزم ان ينجز الانسان أعماله في حدود استطاعته وفكره وعقله، واما الاعمال الخارجة عن قدرته، فيساعده الوحي فيها ويعينه عليها علما ان الاشياء التي يشعر الانسان فيها باحتياجه للوحي محدودة منذ بداية الخلق حتى الفناء. وقد تعاقب الانبياء بين فترة وأخرى حتى أصبح الانسان قادرا على الامساك بزمام الامور مستعينا بأحكام الشرائع والعقل معا، متمسكا بالاجتهاد الذي قوامه العقل من اجل مواجهة كل التحديات والمستجدات في الحياة على كافة المستويات. وقبل الختام أذكر قول الشهيد مطهري ناصحا الانسان بالتغلب على كل ما يعيق تكامله في الدنيا والآخرة بقوله: »كي ينجو الانسان من مخالب سطوة الشهوات التي تدمر جسمه وعقله وإيمانه ودنياه وآخرته لا سبيل أمامه الا بتقوية سلطة العقل، ومن وسائل هذه السلطة هي ان يجعل تعقل الامور والتفكر فيها عادة من عاداته بحيث يستطيع تجنب الاستعجال في اتخاذ قراراته«. ما أحوجنا الى مجتمع يعيش حالة التفكر والثقافة الفعالة وعدم القبول بما هو موروث من دون تحقيق وتدقيق وتدبر من اجل تطوير ذاته، وكم كان يشكو الشهيد مطهري من تبدد القدرات والكفاءات الذهنية التي هي أغلى ما لدى الانسان وصرفها على قضايا عديمة الفائدة، في حين ان المسائل الشائكة على المستوى النظري والعملي بحاجة الى جهود كل المفكرين وأصحاب الهمم العالية لإنقاذ مجتمعاتنا من براثن التخلف والجمود وإسباغ نعم الايمان والعلم عليها وكل ما هو صالح لتطور الانسان وتكامله. (*) المستشار الثقافي للجمهورية الاسلامية الايرانية في بيروت.