أوائل الخمسينيات أخذت أذني الطرية تلتقط أطرافاً من الكلام السياسي المحلي المتناثر والبسيط والمباشر، الذي كان يدور حولي على المصطبة او البيدر او في حقل الذرة او منشر التبغ، كان الكلام السياسي الوطني والقومي، بعد النكبة وثورة تموز المصرية، يدور في أمكنة أخرى، في المدينة حيث ترتفع الاهلية الى مستوى التعاطي مع القضايا الكبرى، يلتقط بعض أفراد من ضيعتنا يذهبون الى المدينة ويعودون سراعاً، بعض هذا الكلام، ويصلنا عبرهم بعض من رذاذه او بقاياه، وقد كان نصيبنا من المعرفة بالشأن العام شبه محصور في محيط جسدنا الجنوبي أو الشيعي (شق الطريق او تعبيدها، رخص التبغ وأسعاره الخ) ويضيق هذا الجسد حتى يصبح قضاءً من أقضية الجنوب.. ولا يبلغنا من الاحداث الوطنية والقومية الكبرى إلا بعض من صداها (كميل شمعون ورخص الطحين... وفلسطين اختزلت في المشهد اليومي للاجئين في مبنى المدرسة الرسمية يسدون نوافذها بالبلان... وبالمخيم الذي أخذ يتشكل على ربوة مطلة على طريقنا الى النبطية). ثم أخذ الكلام السياسي المحلي يترسب في داخلي دون تصفية، تختلط فيه الوقائع والأحداث والأفكار مع أخيلة الاهل المتنزلة من عصبياتهم المضادة لعصبيات الآخرين من اهل الضيعة او الحارة، ولأن القضايا كانت تقع في المرتبة الثانية أو الثالثة من الاهتمام بعد الاشخاص وبعد ضرورات التعصيب وموجباته، استوى عادل عسيران في مدى بصري وبصيرتي شخصاً يحتل مساحة واسعة من الأفق، طويلا عريضا على أبهة ومن دون ملامح محددة وعلى درجة عالية من التجريد، ولم يكن مخيالي مؤهلاً لإعطائه أي صفة سوى انه ركن أول او ثانٍ في ثنائية أو ثلاثية او رباعية زعامية سياسية شيعية جنوبية، تسرح عائلتي وتمرح في محميتها الولائية، وكان يوسف الزين هو الركن الأول في تصنيف عائلتنا لأسباب تتصل بوشيجة من قرابة ورحم مع آل الزين، وكان الثاني بعد عادل عسيران في تصنيف العائلة الحليفة لنا، وكانت المقامات الاخرى مفتوحة لمن يختاره أحد الركنين او هما معاً. وفي أول استحقاق انتخابي عشته على قدر من رغبة منفتحة لدي على تكوين وعيي، لاحظت فرقاً بين عادل عسيران وبين الزعماء الأبرز في رعيله، كان الفرق بالنسبة لي في حجم المفارقة، كان في الشكل فافترضت ان له مضموناً يشاكله، فالصور الدعائية على أحد حوائط المسجد (في الخارج طبعاً لأن صور الزعماء لم تكن قد وصلت الى الجدران الداخلية لدور العبادة على قاعدة 6 و6 مكرر داخل الضيعة الواحدة) يظهر فيها اي الصور احمد الأسعد معتمرا طربوشه التركي معقوف الشاربين الى أعلى، والى جانبه حليفه محمد الفضل معتمرا الطربوش إياه وشارباه مرسلان الى أسفل، والى جانبه عادل عسيران حاسر الرأس بشاربين خفيفين على نسق مختلف، وسطي معتدل. وسألت والدي عن السبب فقال: لأن عادل عسيران تلقى، بخلاف الآخرين، علوماً عصرية عالية. وبعدما أدركت معنى العلوم العصرية ومعنى عالية عرفت انه يحمل إجازة جامعية، إذاً فهذا الاختلاف في الشكل سببه الاختلاف في المضمون (أنا لا أرجح هنا شكلا على شكل ولا مضمونا على مضمون)... وأنا أريد ان أتعلم، فاقم عادل عسيران من شهيتي الى العلم.. أين كيف ومتى والى متى والى أين؟ لا أدري.. إذن أنحاز الى المتعلم لعلي وإياه نصنع شيئا، خيرا، وقد كان يدركني الضيق من الفقر الذي لا يبرح ومن الكدح الذي لا يثمر تغرق فيه الضيعة من دون جدوى... ربما كان العلم مخرجا.. كان أهلي يحبون يوسف الزين وكنت أشاركهم هذا الحب، ولم أكن أكره أحمد الأسعد وقد سعدت برؤييه كثيرا تحت عريشة الجامع على ضوء اللوكس ولفتني ذكاء في عينيه، ولكني كنت أشعر بأن بعض أهل الضيعة ممن أحبهم ويبدون لي كرها لأن أهلي يحبون يوسف الزين ولا يحبون أحمد الأسعد، ثم اكتشفت ان أحدا لم يكن يكره احمد الاسعد ولا يوسف الزين ولا عادل عسيران، بل كانوا يكرهون اليهود وبعضهم بعضا لأسباب لا تتعدى منافسات تأتي من الفراغ المعرفي والحياتي وانسداد الآفاق والسكون. وكان الأهل يقترعون ليوسف الزين ولائحته، فإن كان عادل عسيران حليفه اقترعوا لهما بارتياح تام، فإن اختلفا وكان كل منهما على لائحة مختلفة، وقفوا الى جانب يوسف الزين وعينهم على عادل عسيران، ويلتقط بعض شبان العائلة هذا المؤشر فيدلون بأصواتهم ليوسف علناً ولعادل عسيران سرا، ولا يلبث السر ان ينكشف بالفرز، ولا يحاسبهم الأهل على مخالفتهم المرغوبة، ويشعر الشبان وكأنهم ينتخبون مؤشرا من مؤشرات غدهم من دون تجاهل لحاضرهم او تنكر لأمسهم وأمس آبائهم. وعندما جايلتني موجبات الفتوة وعوارضها ونوازعها أخذت أشبك يدي بطرف سترة أبي الداكنة وأصحبه الى سهرة حول كراسي التبغ اليابس المنضد في دار أبي علي أخضر، الركن العسيراني، لم يكن يحسن القراءة والكتابة، كان يقرأ من غير كتاب وفي غير كتاب، كثيرا وبروية، ولا يكتب، يقول كلاما قليلا فينزل كلامه على الساهرين كتابا، وكان حلفاؤه من وجهاء العائلات في الضيعة ينزلونه منزلة المستشار حتى عندما يكون على خلاف سياسي معه تبعا للعلاقة بين عادل عسيران والآخرين، يتربع أبو علي على طراحته العتيقة وتتواصل بين شفتيه لفافات التبغ البلدي، دون ان يدخل الدخان صدره، ويفيض حديثا عن علم عادل عسيران واحترام الزعماء المسلمين والمسيحيين له، وعن صلابته ومبدئيته وطموحاته السياسية الوطنية والادارية والتنظيمية والتنموية (الزراعية خصوصا) وعن رؤيته الوازنة للصراعات الوطنية والقومية وعن شغفه بالديموقراطية والتصنيع الزراعي شرطا ممكن التحقيق للنهوض الاقتصادي في لبنان، وعن اعتداله في لبنانيته وعروبته وإسلاميته وشيعيته وعن تمثله بعلي بن أبي طالب نصا ونهجا. هذا تلخيصي الآن لما كنت أسمعه من أبي علي وغيره أحيانا، بلغة أبسط وأقدر على الوصول الى فهم الساهرين الذين كان عادل عسيران على وقع الكلام وإيقاع الوقائع والمشاهد التي يرويها أبو علي، يطوف في عقولهم وخيالهم منقذا وطنيا للجنوب والشيعة على قاعدة وطنية واسعة وعميقة، وتنتهي السهرة بتعبيرات مختلفة عن (الإحباط) لأن هذا البلد (لبنان) لا يقدر العقول المستنيرة بل يستهلكها ويقهر القادة النهضويين ويختزلهم في حالة من الزعامة الفردية التي يتساوى فيها الأكفاء مع الكسحاء، ولا يخلو الامر من اعتراض معترض يحمّل عادل عسيران جزءا من المسؤولية لأنه لم يتخلص من موروثه الاقطاعي كشرط للتواصل والفاعلية، ويؤكد المعترض حسن فهمه ونيته ويضيف: ليس المطلوب هو التخلي عن ملكياته العقارية، بل المطلوب هو المزيد من الاقتراب والإصغاء للطبقات الشعبية والاعتناء بالمشروعات النهضوية التي تحتاج الى مبادرات من الدولة تحت ضغط القيادات كما تحتاج الى شيء من التخلي من قبل القيادات عن بعض ما تملك تأسيسا للمستوى الشعبي والذاتي للتنمية.. ويرد آخر فيؤكد ان المشكلة فينا أيضا، في الشعب، لأننا تعودنا على خطاب مختلف، عصبي تعبوي تحريضي إلغائي إلهائي، من زعامات مختلفة، وهناك مسافة بيننا وبين الرجل (عادل عسيران) يجب عليه وعلينا ان نقصرها، ويوصي آخر بأن نعلم أولادنا، حتى لو بعنا بيوتنا، حتى يستطيعوا ان يكونوا في موقع المشاركة لأمثال عادل عسيران من أهل الكفاءة والطموح، في حمل همّ التنمية والشأن السياسي العام. بعد عقود، حدث تغيير في العلاقات التحالفية بين الزعماء السياسيين في الجنوب بسبب أحداث عام 1958 ثم بسبب رحيل البعض عن الدنيا والسياسة وبسبب ما حصل من تقلبات في الحياة السياسية العربية واللبنانية، وظلت مساحة الولاء لعادل عسيران على سعتها، ومن خلال المتابعة الميدانية يكتشف المتابع ان سبب ذلك هو ان العلاقة معه لم تكن منحصرة بعامل المصلحة الذاتية المباشرة، وقد ازداد بعض الموالين ثقة به عندما كان يصارحهم بموقفه من أمور تفصيلية ذات دلالات أخلاقية وطنية كبرى.. كان يرفض مثلا التوسط لأحد محازبيه في الحصول على وظيفة يعلم ان المتقدم الآخر لها من أنصار خصومه أكثر كفاءة... كانت علاقة أنصاره به مبنية على أوليات وعي وطني واجتماعي مبدئي لا يستبعد المصلحة المباشرة ويركز على المصلحة العامة والموقف، ما كشف إمكانية الشروع المبكر في بناء مجتمع مدني، كان شرطه الأساس ان يكون عقل القائد السياسي مدنيا... كان عادل عسيران يأتينا من المدينة.. وكان آخرون وما زالوا يأخذوننا الى هوامشها، يريفون مدننا.. يذهب اهلنا الى هناك لا يدخلون المدينة، لا يدخلون في نظامها القائم على العام واحترام الخصائص كشرط للتقدم من دون قطيعة مع الذات والذاكرة. وهنا نلمس الكثير من أسباب البطء في تقدمنا رغم ان معرفتنا قد ازدادت مساحة ولكنها ما تزال مسدودة الآفاق. وهذا يعيدنا الى الاستقلال اللبناني والكتلة التاريخية التي تشكلت من أجل إنجازه وجعله مشروعا مفتوحا يحتاج الى تجديد في الرؤية واستمرارية في التحقيق والإنجاز، وقد كان عادل عسيران علما من أعلام هذه الكتلة، التي كان آخر شهودها وشواهدها، وكانت لها إشكالياتها الكثيرة والطبيعية والمتوقعة، ولكن إشكاليتها الأهم هي أنها لم تعمل على كتلة مماثلة لها تخلفها وتأتي من سياقها لتستوعب تجربتها وتتجاوزها الى الحاضر وتعقيداته والمستقبل واحتمالاته.. حتى وقفنا على باب الغد وكأنه لا غد لنا. كان عليّ وعلى كثيرين من أمثالي، ممن كونوا ذاكرتهم عن الأشخاص من خلال حساسيات صغيرة أو من خلال تحليلات فكروية هجينة ومغلقة وملفقة ومفارقة، ان ننتظر الاجتياح الاسرائيلي للبنان لنعيد الاعتبار لكثير من الكبار ونكتشف المكونات العميقة، الوطنية والقومية في شخصية عادل عسيران، الذي بلغ من اعتزازه بانتمائه ومسؤوليته وموقعه ودوره وتاريخه ان صاح من على فراش مرضه لسعد حداد وهو يهمّ بالدخول الى غرفته للسلام عليه ان: قف فأنا لا أسلم عليك.. اني من بناة استقلال هذا البلد ولا ألوث كفي بكفك... وهكذا أخذ عادل عسيران على شيخوخته ومرضه ينتقل من حسينية الى حسينية ومن جامع الى كنيسة ومن نادٍ الى ساحة ومن اعتصام الى تظاهرة، ومن صمود الى تحدٍّ ومن صمت جريح بليغ الى كلام أبلغ معنى وجرحا.. يقول للجميع ومن دون تمييز بين مقاوم ومقاوم، بين صامد وصامد، بين معاند ومعاند: ليست المستأجرة كالثكلى... وما كان ذلك منه بدعاً.. نجد جذوره في تاريخه لو كنا أحسنا قراءته وفهمه، لو كنا قرأنا النص كله من بدايته الى نهايته ولم نجتزئ نصوصاً قد يكون فيها التباس أو خطأ، »»وكل ابن آدم خطّاء« في حين اننا كنا نخرج من التباس الى التباس وما زلنا في حالة من الالتباس لا يعلم إلا الله متى نشفى منها. كان كبيرا عادل عسيران عندما طوى كشحاً وصرف نظره ونسي أو تناسى إساءات وفهما مقلوبا للأمور، وكنا بحاجة الى منعطفات حادة لنرى عادل عسيران يشتعل وطنية وعروبة وينسى جراحه، والى متحولات في عقلنا وميلا صادقا ومنهجيا الى الاعتدال لنفهم عادل عسيران الموزون المتوازن الصبور في مفصل عام 1958 في لبنان. أواسط الثمانينات التقيته واتفقنا على استبعاد المجاملة وسألته أسئلة صريحة كنت أتوقع انها يمكن ان تحرجه بعض الشيء فأحرجني بتقبله واستيعابه لغايتي البريئة وأجرى معي مراجعة كاملة لمواقفه وللمفاصل الاساسية في تاريخه وتاريخنا الحديث من سقوط الدولة العثمانية والحرب الكونية والتجزئة والانتداب ودولته الى الاستقلال ودوله والحرب الثانية والنكبة وعبد الناصر والوحدة والحركة القومية العربية واليسار واليمين وسوريا وكميل شمعون وفؤاد شهاب والجلاء والفصل الجمركي وحلف بغداد والسنتو والإسلام والشيعة وإيران الشاه والانفصال والنكسة والمقاومة والاحتلال والحرب الداخلية والحرب العراقية الايرانية والتجربة السوفياتية. وكان شجاعاً في تقييم تجربته واعادة التدقيق في أفكاره ومواقفه، وأبدى إصرارا على ضرورة المواقف المبدئية والمرونة العملية، مصرا على ضرورة التعامل الوطني الصريح مع المسيحيين والموارنة منهم خصوصا، ناقدا الى حد النقمة لكثير من الزعامات الاسلامية والشيعية خاصة متهماً إياهم بغش المسيحيين لأنهم لم يقدموا أنفسهم للمسيحيين على حقيقتهم ولم يقدموا الصورة الحقيقية عن المسلمين فعمقوا الجهل المشترك وشوشوا العيش المشترك ومهدوا للحرب الداخلية الطويلة وقال لي: انتبهوا، اذهبوا الى الآخرين كما أنتم، لا كما تتوهمون ان الآخرين يحبون ان يروكم عليه... كان جسده يرتجف ولا يتداعى، وعقله ثابتاً واثقاً وذاكرته حية مشرقة، وكان جسدي ثابتا وقلبي يرتجف، وأخذت أفلي ذاكرتي وأنقيها من الشوائب والطفيليات. وسألته وهو المصنف ظلماً في موقف عربي غائم... من كان من جيلك ورعيلك أشد احتراما وثقة لديك؟ قال: كثيرون في طليعتهم الشيخ أحمد عارف الزين والسيد محسن الأمين.. ولماذا؟ قال: لأنهما كانا عروبيين وحدويين وطنيين صادقين عارفين بموقع سوريا ودورها مخلصين لقناعتهما من دون تردد او مجاملة. وخرجت من منزله أبحث عن ممحاة أمحو بها الكتابة الرديئة من على لوح الذاكرة، فعدت الى الوثائق والنصوص لأختبر، وكانت النتيجة أنه لا عادل عسيران ولا رعيله كان بالصورة المشوّهة التي ترسخت في أذهاننا عنهم.. كان رعيل عادل عسيران، وهو في طليعته، معرفة وطموحا وموقفا وسلوكا، أقرب الى طموحاتنا الآن.. وكانت قوى محلية وإقليمية ودولية لهذه الطموحات بالمرصاد.. لا نعفيها ولكن لن يكون المحسن والمسيء عندنا بمنزلة سواء. لقد قرأت نصوصا(1) لعادل عسيران ألقاها أثناء مناقشات البيانات الوزارية في مجلس النواب اللبناني منذ الاستقلال تدل على علمه وإطلاعه وتطلعه وأحلامه ومواقفه وفهمه للبنان وموقعه ودوره ودور الدولة وإشكالياتها وعلاقتها بالمجتمع وبالدول وبالشروط الموضوعية لترسيخ الاستقلال واستكماله على قاعدة الوحدة الوطنية والنهوض الشامل على أساس التنوع والديموقراطية... مما نحن مشغولون به الآن على شك في أهليتنا أقوى بكثير من شك ذلك الرعيل بأهليته.. كأن مثالنا وراءنا لا أمامنا.. رغم الإنجازات الهائلة في مظاهر التمدن وفي العلم والمعلومات وغيرها. * نص من كتيب شهادات في الرئيس عادل عسيران يصدر قريبا بعناية نجله النائب علي عسيران. (1) اخترت بعض النصوص وأثبتها في الكتيّب المذكور مأخوذة من موسوعة د. يوسف قزما الخوري عن مناقشات البيانات الوزارية في المجالس النيابية اللبنانية.