رواية هدى بركات الجديدة »حارث المياه« هي رواية الحرب بامتياز. أو قل إنها رواية المكان المبقور بنصل الحرب. وهي فضلا عن ذلك رواية الأسئلة التي تطرحها الكاتبة على نفسها وعلى العالم في بلد هو لبنان الذي احترق بنار أهله ونار الآخرين وفي مدينة هي بيروت التي تحولت معظم أسواقها وشوارعه إلى أثر بعد عين. تشكل الحرب الأهلية إذاً زمن الرواية الرئيسي دون أن تغفل المؤلفة العودة بين حين وآخر الى أزمنة سالفة تدور في ذاكرة البطل أو ذاكرة أسلافه، في حين أن مسرح الرواية يدور في قلب الأماكن التي دمرتها الحرب وفي قلب بيروت المتفحم. لكن اللافت في الرواية أن هدى بركات لا تتوسل المعارك والمجازر والقذائف سبيلاً للإمساك بنبض الحرب وتلابيبها، إذ نكاد لا نعثر في الرواية على أثر لذلك إلا في ما ندر، بل انها تعمد بدلاً من ذلك الى ابتكار شخصية غريبة وغير مألوفة هي شخصية نقولا الذي يقوم بالنيابة عن المؤلِّفة بسرد الأحداث وتتبع ذلك العالم الفريد الذي يشكل عصب الرواية ونسيجها المتنامي. تروي »حارث المياه« حكاية عائلة بيروتية تنتمي الى الطبقة الوسطى أو الميسورة عن طريق تجارة القماش التي توارثها الأب عن الجد، فيما لم تتح لنقولا، الحفيد، الفرصة نفسها التي أتيحت لأسلافه، إذ إن الحرب الأهلية سرعان ما تطيح بوسط بيروت وبسوق الطويلة التي تمتلك فيها العائلة محلاً لبيع الأقمشة. لم تشأ هدى بركات أن تدفع بطلها الى مغادرة لبنان، كما فعلت هي بالذات بعد اشتداد المعارك، بل جعلته يلوذ بادئ ذي بدء بمنزل أحد الأصدقاء قبل أن يجد نفسه في صدفة غريبة أمام واجهة محله المحترقة. وإذ يلوذ نقولا بجدران المحل هرباً من نيران المسلحين، يكتشف على حين غرة أن قسماً لا بأس به من القماش ما يزال في المستودعات الداخلية بشكل سليم وطبيعي، مما يجعله يقرر فجأة أن يتابع حياته هناك وسط الدمار والخرائب وتحت قوس القذائف المندلعة من الجانبين. تدور أحداث الرواية برمّتها في ذلك المكان المقفر والمهدَّد بالعزلة والخوف حيث يبني البطل مملكته الصغيرة المؤلفة من بقايا أقمشة المحل وموجوداته ومن بعض الثمار البرية التي نبتت بين الأتربة والخرائب والمتاريس، ومن نتف الذكريات التي تندلع بين حين وآخر لكي تؤلف الحاضر من قصاصات الذاكرة ونثارها المتباعد. حروب لا تبدو الحرب جلية في الرواية إلا عبر بعض الإشارات المتباعدة التي ما تلبث أن تخلي مكانها لعالم حلمي هادئ. ليس ثمة سوى طلقات نارية متفرقة وقذائف قليلة يتبادلها المتحاربون من فوق رأس نقولا الذي يحوّل مكان إقامته الخطر إلى جزيرة معزولة من الذكريات والأوهام. في تلك الجزيرة البعيدة عن »بلاد الحروب«، كما تعبر المؤلفة، تسير الرواية في خطوط متوازية حينا ومتقاطعة أحيانا أخرى. تتقدم شمسة، حبيبة نقولا الكردية، لتحتل مكانها البارز في الرواية ولكي تثقب ذلك العالم المحاط بالخوف بشعاع دافئ من المشاعر والمكابدات. والحقيقة أن شمسة توفر لهدى بركات المخرَج المناسب لحرف الرواية عن مسار الحرب وتفاصيلها المتشعبة التي لم تتمكن الكاتبة من التقاط نبضها الداخلي بفعل هجرتها الى باريس. كانت قصة الحب بين نقولا وشمسة أكثر من ضرورية لرفد الرواية بعناصرها الأبرز المتأتية من التاريخ والسيرة والدفق العاطفي. فقد أتاحت هذه القصة للمؤلفة فرصة الولوج في تاريخ الأكراد وتقصّي معاناتهم وطموحاتهم القومية. كما أن بركات تسهب طويلاً في تتبع المعتقدات والعادات الكردية إضافة الى الجغرافيا الجبلية الشرسة والى المذابح والحروب التي حملت قسما من هذا الشعب على النزوح في غير اتجاه. تتابع الرواية من جهة أخرى المسار الذي اختطته أسرة نقولا لنفسها من خلال صور الجد والأب والأم التي تنزع، على اختلافها، باتجاه الشهرة والمال والوجاهة الاجتماعية. بؤرة مفارقات يتحول مكان الرواية الى بؤرة من المفارقات التي تدمج بين عناصر غير مؤتلفة في الأصل، وتتيح للكاتبة فرصة التجول في الذاكرة والمخيلة ما دام التجول الحقيقي متعذرا أمام البطل. فالحرب بمعناها الظاهري الحسي تبدو ملامحها عبر مشهد المسلحين الذين نجا نقولا من براثنهم بأعجوبة من خلال تخفيه في إحدى الزوايا المعتمة. كما تبدو من بعض وجوهها نوعا من العودة الى الغريزة البدائية التي تتساوى فيها الكائنات وتضيق المسافة بين الإنسان والحيوان الى حد بعيد. لذلك ليس من قبيل الصدفة أن يتوارى الجنس البشري في الظل فيما يتم التنازع على المكان بين بطل الرواية وبين الكلاب المفترسة والضالة التي تعيث في خطوط التماس. في هذا العالم المنغلق على أشباحه يتحول البشر الى قتلة أو الى جثث، ويرى نقولا بأم عينه جثة الآدمي الذي تتناهشه الكلاب وجثة الفتاة المتكومة على نفسها في أحد الدهاليز وكأنها الولادة المجهضة لمدينة الحياة والموت. ليست صورة الكلاب المفترسة سوى تعبير رمزي عن المواجهة بين إنسانية الإنسان وبين حيوانيته المفلتة من عقالها. كل منهما يصنع دائرته بنفسه من خلال إفرازاته العضوية أو أنيابه الحادة، فيما الحرب سجال دائم بين الطرفين ومبارزة مكشوفة بين توق الإنسان إلى المطلق وبين حضيضه الحيواني. كان لا بد من ظهور شمسة في الرواية لكي تقيم التوازن عبر ذلك الحب اللاهب المندفع باتجاه الأسطورة. كأن أسطورية تلك الحرب المدمرة لا تمكن مواجهتها إلا بأسطورة موازية تقيم التوازن بين طرفي المعادلة وتضع الحب والموت في خانتين متقابلتين. غير أن الحب الذي تقدمه هدى بركات ليس حباً أفلاطونياً أو مثالياً محضاً بل هو أقرب الى صورة »ألف ليلة وليلة« التي هي مزيج من الانخطاف الروحي واللذة الغريزية العارمة. لذلك لم يكن جسد شمسة مائلاً الى النحول والهزال مثل أجساد العاشقات في القصص الرومنسية وقصائد الحب العذري بل هو جسد بض مائل الى السمنة وغني بالاستدارات مما يقربه من صورة الجمال الشهواني التقليدي عند العرب. ثمة نقاط عدة أخرى يمكن تسجيلها في سياق الحديث عن الرواية، كما عن تجربة هدى بركات الروائية بوجه عام. من هذه النقاط حرص الكاتبة على التحدث بلسان الرجل واختيار أبطال رواياتها وقصصها من الذكور. وإذا كانت أحلام مستغانمي قد فعلت الشيء نفسه في »ذاكرة الجسد« إلا أنها عادت الى أنثويتها في »فوضى الحواس« مستردة الهوية التي أعارتها الى الرجل في الرواية الأولى، في حين أن هدى بركات تعير هويتها إلى الذكورة بشكل دائم وكأنها تفعل ذلك عن سابق تصور وتصميم. ولو كان الأمر مجرد تأكيد ل»خنوثة« الأدب وخروجه من دائرة الذكورة والأنوثة باتجاه الإنسان الشامل لظل محصوراً في إطار نوذج روائي واحد، ولكن الإلحاح على الموضوع في كل الروايات والقصص يشرعه على أبعاد أخرى تتعلق بالنشأة والتربية وبرغبة الكاتبة المضمرة في التماهي مع الرجل وتقمص دوره. أما على مستوى الأسلوب الروائي فإن هدى بركات تمتلك قدرة عالية على السرد المشوق والمتدفق والبعيد عن التقيد والافتعال، وهو ما يجعل القارئ مشدوداً لمتابعة الأحداث ومندفعا لملاحقة الخيط الروائي حتى نهاياته. لكن الرواية لا تخلو في المقابل من بعض الهنات الواضحة كالمبالغة في المادة التوثيقية والتاريخية التي تكشف عن نزوع »ثقافوي« واضح. وهو ما يبدو أيضا في إطالة الحديث عن الأقمشة وأنواعها ودلالاتها، مما يكسر البنية السردية العفوية ويجعل التأليف مقحماً ومفتعلاً في بعض الأحيان. لكن هذه الثغرات لا تقلل من قيمة الرواية التي تلامس في بعض اندفاعاتها أرق ما في الإنسان من مشاعر والتي تقيم بين الجحيم والفردوس أعمق من وشيجة قربى وأكثر من عناق عابر.