As Safir Logo
المصدر:

عهد الرذيس الياس الهراوي من فكرة الوطن الى اسس الدولة(1) امارات ودويلات تتوحد والقرار ينتقل من الثكنة الى القصر الاستقرار يعيد العالم الى بيروت والحكومة تحتضن المقاومة(صور)

المؤلف: الامين ابراهيم التاريخ: 1998-11-20 رقم العدد:8155

عهد الرئيس الياس الهراوي: من فكرة الوطن إلى أسس الدولة (1) تسع سنوات في تاريخ لبنان. تسع سنوات هزت لبنان. 1990 1998، هو عهد الرئيس الياس الهراوي أو »المرحلة الهراوية«. من الصعب إطلاق الأحكام، من داخل الحدث، ولكن من الظلم عدم الإنصاف حين الإصرار على إطلاق هذه الأحكام. في مثل هذه الأيام قبل عشر سنوات كانت البلاد مضرّجة بالدماء، الآن يتطلب اللبنانيون مزيدا من الرفاهية، باتوا يريدون »المترو« والطيران الداخلي، الأوتوسترادات السريعة، الإنارة الذرية والسيارات على أشعة الشمس. في مثل هذه الأيام، قبل عشر سنوات، كانت البنى التحتية مدمرة، والدولة كانت دويلات متناحرة، الجيش جيوش، تنغل بينها »الميليشيات«، الأمن مفقود والحصار مضروب، فلا طائرة أجنبية ولا رجل أعمال، ولا استثمار ولا سياحة. كانت البلاد منقسمة طائفيا وجغرافياً، وكانت المقاطعة وكانت المعارضة للنظام. كانت تأشيرات الهجرة على كل جواز سفر، وكان الظلام يلف الأمل والمستقبل. حين انطلق هذا العهد، من ثكنة عسكرية، لم يعتقد أحد بإمكانية عودة الروح الى الوطن. من الثكنة الى المقر الرئاسي الموقت الى القصر الجمهوري وعند مدخله ستجري مراسم استقبال الرئيس الجديد للمرة الأولى منذ العام 1976. سيكون من الصعب، تعداد انجازات عهد الهراوي أو الهراوي الحريري، اذا صح التعبير، وسيكون من عدم المسؤولية تغييب الأخطاء او الثغرات، ولكن سيكون منصفاً القول ان »المرحلة الهراوية« نقلت لبنان من الجمهورية الأولى الى الجمهورية الثانية، عبرت به الى مرحلة متقدمة بعيدا عن التحارب الأهلي وتدمير الذات. »السفير« اختارت ان تقدم لهذا العهد، بعض التحية، فكانت كتابات في مجالات محددة، لزملاء، عسى ان تكون مفيدة للشباب ممن لم يعش الفترة الماضية بتفاصيلها، ومفيدة في مجال تأريخ اللحظة. لا تدعّي الموضوعات التي تُنشر اليوم وغداً، الدفاع عن العهد، ولا محاكمته، فذلك متروك للتاريخ.. إنها تسجيل لمحطات أساسية علّها تزيد الضوء على جوانب من العهد، قد يحكم المستقبل لها أم عليها. في ما يأتي كتابات للزميلين إبراهيم الأمين وفارس خشان ويوم غد كتابات للزملاء جورج بكاسيني، حسين أيوب وعماد مرمل: إمارات ودويلات تتوحّد والقرار ينتقل من الثكنة إلى القصر الاستقرار يعيد العالم إلى بيروت والحكومة تحتضن المقاومة كتب ابراهيم الامين: أفضل وسيلة لمعرفة حقائق الانجاز الذي تحقق في عهد الرئيس الياس الهراوي، هي المقارنة البسيطة بين ما كانت عليه الامور حين انتُخب النائب الزحلي رئيسا للجمهورية على وقع موسيقى الموت المشيعة للرئيس رينيه معوض، وبين ما هي عليه اليوم، حيث موسيقى التعظيم وحملة السيوف يشهدون عملية تسلم في قصر فخم بحضور كل مؤسسات الدولة والمعتمدين الاجانب فيها. الصورة الرئاسية كانت قاتمة للغاية، ولم يكن الترشح لهذا المنصب أمرا مغريا بحد ذاته. فشبح الموت الذي أصاب رينيه معوض كان يخيم، واكثر من مرشح رفض هذا المنصب لاعتقاده بأن الامور لن تسير حسنا، وان البلاد، لن تقوم الآن، وليس هناك من قدرة على انجاز حل في سنوات قصيرة. وليس منطقيا القول، ان الرئيس الهراوي كان واثقا من ان المقدمات التي حملته الى الرئاسة، كفيلة بتوقع النتائج التي حصدها عهده المحدد، ذلك ان أولويات اللبنانيين تبدلت أكثر من مرة. ففي حين انطلق العهد من مشروع حرب جديدة للقضاء على تمرد العماد ميشال عون، كان الحصار السياسي لنتائج الحرب يأخذ طريقه ايضا، وكان على الرئيس الماروني ان يحسم امورا كبيرة قبل الدخول في السباق: تحول على مستوى دور الرئاسة، نظرة جديدة الى الواقع الاقليمي، والسعي نحو دور داخلي يتمدد كلما تمددت الدولة داخل لبنان. وكانت الحصيلة معارك بالجملة والمفرق، بدءا بالشارع المسيحي المستمر بغضبه على الرئيس الهراوي، مرورا بفريق كبير من اللبنانيين يشير بإصبعه الى ثغرات هذا البناء الذي أُتم على عجل، ونظرات الخارج الحذرة او القلقة من مستقبل هذه الدولة. حين كان الرئيس الهراوي يأخذ من ثكنة ابلح مقرا له، كان الهاجس يقضي بإعادة كل انواع الاجراءات التي تحفظ حياته، إذ ان مقتل رينيه معوض اعاد رسم احتمالات سوداء لمستقبل الوضع. كان الجيش ممزقا الى درجة يرثى لها، وكانت »السيادة« موزعة على قوى واحزاب وجيوش، وكانت »الدويلات اللبنانية« لما تزل قائمة، ولم يكن بحوزته لا رئاسة جمهورية ولا قيادة جيش ولا رئاسة حكومة ولا وزارة خارجية. وكانت كل هذه المؤسسات تختصر بأشخاص ومكاتب صغيرة ومتنقلة. وحده المصرف المركزي كان يعمل خلف سواتر كثيفة من أكياس الرمل، وعجز فاضح يرافق تدهورا غير محتمل في سعر النقد الوطني، واللبنانيون يغادرون يوميا مع اموالهم، ولا شيء في الدولة يتحرك. في بداية تلك المرحلة، كانت العملية السياسية هي الأساس: التصديق على اتفاق الطائف، إقرار الاصلاحات الدستورية، المباشرة بحل الميليشيات واعادة بناء الجيش، لكن كل هذه الأمور تحتاج الى مقدمة إلزامية، وهي إسقاط تمرد العماد ميشال عون. ولم يكن هذا الخيار ممكنا بدون عوامل داخلية واقليمية ودولية، وهي لم تتضح الا بعد سنة على تسلم الهراوي منصبه. وربما كان هو اكثر عجلة من الآخرين في حسم هذا الملف، حتى اتهمه المسيحيون بأنه متعطش لمزيد من الدماء التي كان العماد عون والدكتور سمير جعجع يهدران المزيد منها في حروب المنطقة المسيحية، فيما كانت الفصائل المسلحة الأخرى، من الدرزية الى الشيعية تعيش حروبها الداخلية الأبشع. والفرصة التي اتيحت ببناء جيش قوي في تلك الفترة، لم تكن تحتمل كل عناصر النجاح. فاختيار إميل لحود لقيادة هذه المؤسسة فتح ثغرة كبيرة لدى الضباط الكبار، الذين التحق بعضهم به وأبلغه آخرون بالواسطة انه يتحين الفرصة لفعل ذلك، والمساعدات التي تم توفيرها على عجل، من سلاح الميليشيات الى الدعم السوري، لم تكن تكفي لتشكيل قوة شرعية تأخذ مكان القوى غير الشرعية التي أطبقت على مقدرات الدولة. ولقد كان حضور أمراء هذه القوى داخل مجلس الوزراء قويا، وبوازي قوى الأقطاب من الرؤساء. حتى في مرحلة ما بعد إسقاط التمرد، كان سمير جعجع، الرافض للدخول في حكومات لم تأخذ بمطالبه، يملك حق »الفيتو« الى حين سلّم بالأمر المىداني، وانتشر الجيش في مناطق نفوذه الذي بدأ يتقلص حتى حدود الصفر بعد سنوات قليلة. يوميات في السنة الأولى من عهده، كانت يوميات الرئيس الهراوي مليئة بالعناوين الأمنية والساسية. أخبار تمرد العماد عون، الحصول على مزيد من الاعتراف الدولي بشرعية حكمه، ولا سيما من الدول التي دعمت العماد او كانت لا تزال تفعل ذلك، وقمم متلاحقة مع الرئيس السوري حافظ الأسد، ومتابعة مع اللجنة العربية المشرفة على اتفاق الطائف، والسعي الى الحصول على دعم مالي لهذه الخطوات عبر القيام بجولات في العواصم المالية العربية، والسعي الى تطويق الحروب اليومية التي كانت تسود اكثر من منطقة لبنانية. واستمر هذا الوضع حتى بداية السنة الثانية من عهده، حين أُسقط تمرد العماد عون. كانت المهمة الأولى، اقناع الكل بدخول الحل، فكانت مهمة حل الميليشيات والسعي الى وضع يد الدولة من جديد على كل المرافق التي كانت بحوزة الميليشيات من المطار الى المرافئ الى المؤسسات التي إما احتُلت او أُفرغت طوال سنوات الحرب. وكان الجيش في هذه الأثناء، يعيش مرحلة استثنائية، أُعطيت خلالها صلاحيات اعادة بنائه بصورة مختلفة، كانت قاعدتها بالنسبة للعماد لحود، إبعاده عن السياسة من خلال عزل قيادته عن الاتصال بكل انواع السياسيين، والسعي الى دمج سريع وكامل لألوية الجيش التي كانت موزعة حسب الطوائف والمذاهب والمناطق. وكانت الذروة بالنسبة للبنانيين في ذلك الحين، جعل بيروت الكبرى كلها تحت سيادة الدولة وقواها الشرعية، وهو ما أُنجز في نهاية العام 1990، ثم استقالة أول حكومة في العهد، التي كان شكّلها الرئيس الحص، ليفتح الباب امام حكومة جديدة، لها وظيفتها المختلفة: وهي لمّ شمل أفرقاء الدولة تحت كنفها. وكانت الصيغة الأولى من حكومات الوفاق الوطني. وفي السنة الثانية نفسها، كان الجيش اللبناني يوسع دائرة انتشاره خارج العاصمة، ليدخل جبل لبنان وبعض أقضية البقاع والشمال ويتسلم الأسلحة والذخائر من القوى السياسية والحزبية. وبدأ التمهيد لخطوات سياسية كبرى، كانت ابرزها، توقيع معاهدة الأخوّة والتعاون مع سوريا، والتي رافقها مزيد من الاعتراض المسيحي، تمثّل في استمرار مقاطعة سمير جعجع للحكومة، برغم توزير أحد مساعديه، وتردد مشاركة الآخرين الذين أعطوا بكركي تدريجيا صفة المرجعية بديلة عن رئاسة الجمهورية. وكان مأخذ المسيحيين على الرئيس الياس الهراوي، انه لا يجاريهم، وانه يتصرف بقساوة مع ملفاتهم، بالرغم من ان خطوة المجلس النيابي لملء مقاعده الخالية والمحدثة فيه أفسحت المجال امام عناصر القوى كافة للدخول الى الندوة البرلمانية، الا ان الشعور الذي كان يسود المسيحيين مخالف لما يشعر به الآخرون. وفي النصف الثاني من العام 1991، كانت الأولويات تأخذ شكلا جديدا؛ إذ ان مطلب الامن لجميع اللبنانيين بات في المتناول، وبدأت الأنظار تتجه صوب اعادة بناء الدولة ومؤسساتها. فخطوة استيعاب الميليشيات في أجهزة الدولة الأمنية سارت بحسب خطة قيادة الجيش التي وضعت معايير دقيقة كي تفرض اندماجا حقيقياً، مما جعل العديد من الذين تم إدخالهم بالمؤسسات العسكرية يخرجون طوعا الى حيث فقدوا سلطتهم العسكرية، وكان ذلك يترافق مع توسيع سلطة الجيش في المناطق اللبنانية، خصوصا في الجنوب والبقاع، حيث تم إنهاء الوجود العسكري الفلسطيني في مناطق الجنوب وخارج المخيمات، وتم انجاز المزيد من خطوات ضبط الأمن، وبدأ المواطنون يشاهدون شرطة سير على مفارق الطرقات. التدخل العربي وفي نهاية هذه السنة، كان التحوّل الاقليمي قد أرخى بظلاله. إذ انطلق مؤتمر مدريد للسلام، بمشاركة لبنان وسوريا في ظروف حوّلت الملف اللبناني برمته من يد لجنة عربية ثلاثية، الى سوريا، بوصفها الراعي الوحيد والمفوَّض إقليميا ودولياً بهذه المهمة. وهو أمر كان له أثره الكبير على سياق الحل الداخلي، حيث تعزز حضور حلفاء سوريا في كافة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وبدت الصورة تستقر على أكثر من صعيد. وكانت الدولة تظهر معالمها تدريجيا. ولكن البحث في كلفة بناء ما تهدم، واعادة الاعتبار الى قوة العملة الوطنية، وانتظار المساعدات الخارجية التي لم تصل كما كان ينتظرها كثيرون، كلها جعلت الوضع الاقتصادي يتقدم على غيره من المواضيع. وكانت خطط الاعمار تأخذ طريقها الى التنفيذ، لا سيما بعد اقرار مشروع الوسط التجاري. وقد تدهور الوضع في ظل مطالبة سياسية بتعديل صورة الحكم. وكان قرار إجراء أول انتخابات نيابية عامة بعد عشرين سنة من آخر دورة في العام 1972. وقد سبق ذلك انهيار مريب للوضع الاقتصادي سقطت نتيجته أول حكومة في الشارع، وكانت هي التي شكلها الرئيس عمر كرامي، وكانت هذه المرحلة تنذر بتعديلات كبرى سرعان ما ظهرت على المسرح، على شكل تشكيلة سياسية جديدة للحكم في لبنان، طُرح بموجبها المسيحيون كقوة ذات صلة بالمشروع الذي كان قائما خلال الحرب، ودخول قوى للفريق المقرب من سوريا. والخلاصة، اعادة رسم صورة جديدة لأركان الدولة، إذ خرج عرّاب الطائف حسين الحسيني وتكرست الزعامة الشيعية لنبيه بري. عهد الحريري لكن الحدث الذي وصم تلك السنة، كان في مجيء رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة.. منذ هذا التاريخ، دخل عهد الرئيس الهراوي مرحلة جديدة، وبات النصف الثاني من ولايته، محط تجاذب من نوع جديد، بعدما دخل الرجل القوي الى الدولة، وبات هو عنوان الحدث المتنوع فيه، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ولا سيما على صعيد اعادة بناء الدولة، وفق خطة كانت ولا تزال مدار نقاشات وخلافات. وربما يعتبر الرئيس الهراوي الآن »ان مجيء الرئيس الحريري الضروري كان في غير وقته. لقد جاء قبل أوانه« على حد تعبير أحد مساعديه. في هذه المرحلة، بدأ العمل اكثر على الجسم الاداري في الدولة. إذ حصلت معظم التعيينات الجديدة لأبرز مراكز القرار المالي والاداري والاقتصادي. وتم استحداث وزارات ومؤسسات عامة، ودخل القطاع الخاص على المشاريع الكبرى، وانطلقت عمليات الاقتراض لإعادة الاعتبار الى مرافق اساسية في الدولة؛ طرقات، الهاتف، كهرباء وماء، ومشاريع بنى تحتية تخص مؤسسات الدولة الحكومية والتربوية والصحية والعسكرية، وتنشيط القضاء والسلطات الامنية الداخلية، واطلاق مشروع اعادة المهجرين بصورة عملية وفق برنامج اخلاءات واعادة بناء أوجب إنفاق ألف مليار ليرة حتى الآن. وخلال هذه المدة، انطلقت مرحلة العلاقات الاقتصادية الجديدة للبنان مع محيطه ومع العالم. فسوريا التي تعاني ازمة بطالة ضخمة، وازمة مداخيل متدنية، وجدت سوق العمل الناشط في لبنان. والدول الكبرى وافقت على مشاريع قروض تحولت الاعمال والمشاريع الكبرى بموجبها الى شركات ضخمة من الخارج جاءت لتقوم بأعمال البناء واعادة تجهيز الدولة. وتم في المقابل، تمويل شركة »سوليدير« واطلاق ورشة الاعمار فيها على شكل نفض غبار الحرب عنها. في تلك المرحلة من عهد الرئيس الهراوي، كانت البلاد تتقدم أكثر نحو بناء هيكلية حقيقية. وبالرغم من كل الملاحظات التي يضعها الناصحون او المعارضون، فإن اربع الى خمس سنوات محت صورا قاتمة عن السابق الأسود. فعمليات الهجرة المعاكسة عادت، وكثير من اللبنانيين عادوا الى مناطق غادروها قبل عشرين سنة، والطرقات الموحشة فُتحت، ولم تبق هناك عوائق وسواتر وحواجز حديدية، وضاقت رقعة المخالفين الى حدود دنيا، وصار لبنان يستقبل مواطنين اجانب وعربا كما مسؤولين في هذه الدول، ودب النشاط في مختلف أروقة الإدارات العامة والمؤسسات الرسمية، وتم تعديل رواتب الموظفين بصورة اختلفت عن السابق، وتحسن سعر العملة الوطنية واستقر على حال لم تعرفها البلاد منذ فترة طويلة جدا، وتم استيعاب المزيد من الموظفين في القطاع العام، وأنفق اللبنانيون خلال هذه السنوات كميات كبيرة من أموالهم على تحسين اوضاعهم الداخلية، واحتل صوت الجرافات وعمال البناء محل صوت القصف والمدافع. ولم يخل الامر من انعكاسات سلبية لحروب اسرائيل المستمرة على لبنان، أكان في العامين 93 او 96، وما تخللها من تطورات داخلية حسمت اتجاه الدولة، مثل »الحل الدائم« للميليشيات يوم حُلت »القوات« بعد إدانتها بالتورط في اعمال تخريب جديدة. وشُرع الاعلام المرئي والمسموع بصورة تشكل سابقة في المنطقة العربية، وتم تعزيز جسم القضاء واعيد بناء المحاكم وزيد عددها في اكثر من منطقة، واطلقت ورش حماية البيئة لمواجهة ورش الكسارات والمقالع وإهدار الثروة الحرجية. وتم تفعيل مرافق الدولة العامة بحيث زادت وارداتها أضعاف ما كانت عليه سابقا، وتحول الجيش اللبناني الى قوة حاسمة في الداخل، لا ينافسه احد، وتضاءل الى حد كبير نفوذ القوى ذات الميول الانفصالية. وحتى تعاظم الروح المذهبية والطائفية، لم يكن على حساب بنية الدولة الأساسية، التي تتيح نظرة جديدة الى مستقبل هذه البلاد. عودة إلى الخارج وخلال هذا العهد، أعيد الاعتبار الى لبنان على الخارطة الخارجية، وتدريجيا عادت كل شركات الطيران الى لبنان، واعادت معظم المؤسسات الدولية افتتاح مكاتبها في لبنان. حتى الاميركيون لم يجدوا مفرا من إلغاء الحظر واعادة إطلاق علاقة مختلفة مع لبنان، الذي ما زال قبلة للأوروبيين الساعين الى الاحتفاظ بدور في المنطقة. وتم تحقيق تزاوج فريد بين عملية بناء الدولة في الداخل، وحماية المقاومة للاحتلال الاسرائيلي في الخارج، وتطورت وضعية الدولة الراعية لملف المقاومة، أكان لجهة المساعدات المادية، او التبني السياسي لهذا العمل، وصولا الى تولي أمور سياسية تخص المقاومة مثل عمليات اطلاق المعتقلين من سجون العدو، وتحرك القضاء بصورة لافتة في ملاحقة عملاء إسرائيل. وتم تطهير البلاد من شبكات كبيرة كانت تعمل على التخريب وتوجيه الضربات، وأجريت أول انتخابات بلدية منذ فترة طويلة، وجرت عمليات انماء جزئية في المناطق، لكنها عكست تطورا في مقدرات الدولة، وكل الهدر الذي أصاب الانفاق العام، لم يقلل من شأن الانجازات التي جعلت لبنان يظهر بصورة أقرب الى الدولة منه الى المزرعة التي كانت عشية تسلّم الرئيس الهراوي. وتسع سنوات، ليست مدة زمنية قصيرة، لكن الملفات التي كانت عالقة امام اي حكم كانت كبيرة وضخمة للغاية. وكان لغياب المنطق المؤسساتي، ولسيطرة عقلية المحاصصة وكسب المغانم التي شارك الكل فيها، ومن دون استثناء اي من الطبقة السياسية، الأثر الكبير على انجاز خطوات أفضل على صعيد خطة الاعمار التي لم تؤمّن توازنا حقيقيا على مستوى المناطق، وعلى صعيد البنية الادارية حيث الشكوى من غياب الاصلاح الاداري، وعلى الصعيد المالي حيث يعتقد ان برنامج الاستدانة لم يترافق مع برنامج انتاج يوازي حجمه. وعلى الصعيد السياسي لم تحصل بعد الانتخابات الكفيلة بإغلاق نهائي لملف المقاطعة او المعارضة الجذرية للنظام. أما الذي سوف يحضر غدا الى قصر بعبدا، فسوف يكون أمام هيكل متكامل، فيه ثغرات وفيه أوجاع، لكنه هيكل قائم، لا يشبه مطلقا ما تسلّمه الرئيس الهراوي قبل تسع سنوات، وهذا ما يجعل مهمة الرئيس الجديد أصعب وأكثر تعقيدا من الرئيس السلف، إذ أن الأخير تسلّم البلاد جثة وبث فيها الحياة، وإن سلّمها جسما مريضاً، فعلى العهد الجديد تأمين العلاج وتسليمه جسما سليما إلى الخلف ولو بعد حين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة