As Safir Logo
المصدر:

بن علي قلدها وسام الاستحقاق الثقافي فيروز تسحر 15 الفا حضروا حفلها في تونس(صورة)

المؤلف: شمس ضحى التاريخ: 1998-11-16 رقم العدد:8151

تونس ضحى شمس »على الثامنة يجب أن يكون الجميع في الباص«، يقولها مدير الفرقة بأعلى صوته. الحفل يبدأ عند تمام التاسعة والنصف هذا المساء (السبت) في قصر المعارض بالكرم. أما في بهو فندق أبو نواس في تونس العاصمة، فلقد كانت الحركة غير عادية. فهناك رابط مراسلو التلفزيونات المحلية والفضائية كما مراسلو الاذاعات الجهوية للحصول على أية مادة ممكن أن تغذي شوق جمهور فيروز الواسع في البلاد حيث لن يتمكن إلا إثنا عشر ألفا منهم من حضور الحفل الذي أطلقت عليه الصحافة التونسية صفة »التاريخي«. وفي ظل ندرة المادة الصحافية التي رشحت عن نشاطات السيدة الحذرة جدا في تعاملها مع الصحافة، فلقد أصبح أي عنصر في الفرقة هدفا مرغوبا لأي حديث صحافي تلفزيوني. ومع اقتراب ساعة الحفل، كثفت الاذاعة والتلفزة التونسية بثها لمقتطفات متداولة من حفلات فيروز خاصة البحرين ودبي وبعض المقتطفات من فيلم فريدريك ميتران عن فيروز الذي يحمل عنوان »فيروز صوت وأغنية«، بالاضافة الى مقتطفات من حديث كان قد أدلى به الراحل عاصي الرحباني الى التلفزيون التونسي في أوائل الستينيات. عند الثامنة تماما، كانت الفرقة في الباصة تتحرك باتجاه قصر المعارض تتقدمها مرافقة من الشرطة التي كانت تفتح لها الطريق، مما سبب ازدحاما على الجانبين جعلت أحد شباب الكورال يقول ان أذنه تطن بشدة »فلا شك أن التوانسة يشتموننا الآن«. مفاجأة لحظة الوصول أمام المسرح: شموع، بخور، دفوف وطبول، رجال كثر بالزي التراثي التونسي. يقولون لنا: انها فرقة »الحضرة«، التي جلبت خصيصا احتفاء بالضيوف اللبنانيين. عيون أعضاء فرقة فيروز مفتوحة على آخرها دهشة بهذا الأسلوب الفني الراقي الآخر. تنتهي الوصلة فيصفق اللبنانيون جميعا للزملاء التوانسة وهم يصرخون لهم: برافو. كم هو هادئ دخول الناس على كثرتهم. وكأنهم يخففون الخطى عن قصد لمعرفتهم بوجود السيدة بينهم. المكان أشبه بالمعبر على الرغم من وجود الشرطيات يفتشن الحقائب بحثا عن آلة تصوير أو مسجل يحاول التسلل في جيب معجب. في الكواليس التوتر على أشده. الجميع لبس الثياب التي سيظهر بها وكل يحاول صرف التوتر على طريقته. أما عازف الدرامز الأميركي الأسود فلقد جلس يحدق في الفراغ في تمرين يوغا. في القاعة يظهر الوجود الأمني الكثيف. ففضلا عن دواعي الحفل وأمن فيروز والضيوف »وردع« المعجبين والصحافيين، علمنا ان السيدة الأولى التي لا تظهر في الحفلات الفنية العامة، ستحضر للمرة الأولى هذه الليلة. وبسحر ساحر، كانت الكراسي تتزايد وتقترب من المنصة حتى لامستها، واتسعت رقعة الجمهور حتى لم يبق فارغا من الحضور إلا الممر الأمني. نسأل علي طرابلسي عن الأغاني التي يجب أن يسمعها هذا المساء فيقول: »نحب أن تغني لنا القدس وسنرجع يوما«.. أما نفلة القادر (53 عاما) فتنبسط أساريرها ما ان نسألها عما تحب أن تسمع لتقول: »زوروني كل مرة«. تصحح لها صديقتها »كل سنة مرة« فتضحك ببراءة: والله ما نعرف. نحبها برشة (كثيرا). أما عبد اللطيف طاغون (30 سنة) فيشير إلينا أن نقترب منه (ممنوع التنقل) ليقول وهو يرتجف: »أنا عاشق منذ الطفولة لفيروز أنا سعيد جدا بهذا اللقاء ومفتون بهذه الدهشة«. ثم يقول باللبنانية »بشكر الله على حضور فيروز لتونس وسعداء لحد الهوس. فعلا فيروز عظيمة جدا والله انها هدية من السما«. نسأله عما يريد أن يسمع هذه الليلة فيقول: »أحب القديم القديم وزياد؛ مثل كيفك أنت وفي شي عم بيصير. ونقول لزياد انشاء الله يكون في شي عم بيصير«. أما الصحافي والناقد التونسي خميس خياطي فيقول: »آت الليلة لأسمع فيروز التي هي عالم بحاله. بالنسبة لي هي ذكريات مراهقتي في السبعينيات حيث كنا كل صباح نسمعها على الاذاعة ونصحو على صوتها. والصحو كان له معنيان، الاول بالمعنى السياسي والثاني فيزيولوجي، احب ان اسمع منها الليلة القدس واتمنى اللقاء بها«. في جولة يقول لنا احد الصحافيين ان احدى نقاط البيع قدمت تسهيلات بالدفع لشراء تذاكر السيدة التي لم يبق متوفرا غيرها بعد استيلاء مافيا السوق السوداء على البطاقات المتدنية السعر والاوفر عددا. العاشرة الا خمس دقائق، قدوم زوجة الرئيس التونسي، توتر واضح في تصرفات الامن الذي كانت عينه على المصورين منتظرا بدء الدقائق الثلاث المخصصة لهم لالتقاط الصور وعلى زوجة الرئيس من ناحية اخرى. النشيد الوطني التونسي فاللبناني فمقطوعة ابو علي. ثم تهلّ فيروز بالأزرق ويموج جمهور القاعة بانفعال بدائي تصلنا موجاته ابتسامات تشبه ابتسامات السعادة على وجه رجال الامن، ثم تصدح: »عيني ما تشوف النوم يا ديب« ويحدث شيء غريب فجأة تسكت كل الأصوات لخمسة عشر ألف متفرج يحاولون الانصات بكل جوارحهم لتشرّب الصوت المنتظر. نكاد نسمع آذانهم وقلوبهم تغب من الصوت غبا. تنتهي »حبيتك تنسيت النوم« فتضج القاعة بالتصفيق، ويتواصل البرنامج فرقة الدبكة تدخل راقصة ثم يغني الكورال »الحلوه دي« فتعاود السيدة الدخول وهذه المرة برداء أسود لتغني »يا أنا يا أنا« ثم »أهواك« »يا شاويش الكراكون« فرقصة »مركبنا ع المينا« وتعاود الدخول بلباس احمر وزهري اللون لتغني »ليلية« ثم »ملهب جايي« و»عودك رنان«. استراحة لربع ساعة، ثم يبدأ الفصل الثاني بمقدمة من »صح النوم«، ثم دقوا المهابيج (مع الدبكة) وتغني فتيات الكورال الحالة تعبانه، »فالصيادي« فأغنية زياد الجديدة سلملي عليه (لم تنته الاسطوانة بعد). عندها تتقدم فتاتان مراهقتان لتطلبا من احد اعضاء الفرقة ان كان يعرف لو كانت فيروز ستغني »نحن والقمر جيران« وما ان ترى اسم الاغنية، مدرجا على البرنامج حتى تصرخ من الفرح وهي تقول: »بعدها ستغني كيفك انت« تبدأ السيدة »نحن والقمر جيران« فتنهمر دموع المراهقات إلا ان ذلك لا يشفع لهن مغادرتهن لأماكنهن الى حيث يعيدهن الأمن. ومع تقدم الحفل »شتي يا دنيه« موال »لما القمر غاب« »إذا الأرض مدورة«، تبدو فيروز وكأنها في كل حفل تكسب عرشها من جديد بامتحان. وتحدٍ للنفس. فنقول لأنفسنا: »يا لها من مملكة مضنية«. ينتهي الحفل ويبهت الجمهور لحظات عندما تنسحب غير مصدق انها انتهت. تتوجه السيدة الأولى الى الكواليس لالقاء التحية على فيروز في اللحظة التي يتنبه الجمهور الى ان فيروز انهت الغناء، فيجن جنونه ويأخذ بمناداتها بالدموع والصراخ ونور الولاعات المتمايلة والتلويح بالقمصان: فتعود السيدة لتغني وتعود السيدة الأولى الى مكانها. وتغني فيروز »ع هدير البوسطة« فيعيدها الجمهور لتغني ثلاث مرات أخريات فتضيف بذلك »بكره برجع«، »زوروني« و»القمر بيضوي ع الناس«. وفي النهاية لم يكن من النهاية بد، وقف الجمهور ليصفق طويلاً في الوقت الذي كانت فيه السيدة الأولى تقدم في الكواليس باقة من الورد الى فيروز. ويجري ما يحصل تقليدياً من سلام وتحيات وصور. آخر الليل تدعو السيدة فرقتها لتشكرهم قائلة: لولاكم ما بسوى شي. وقبيل مغادرتها الأراضي التونسية امس بقليل، استقبل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي صباحاً فيروز لمدة 25 دقيقة ومنحها وسام الاستحقاق الثقافي من درجة »الصنف الأكبر«. وجاء في النص المرافق لوثيقة الوسام انه »تقديراً لمسيرتها الفنية الطويلة ولمكانتها الرفيعة في ساحة الاغنية العربية طوال ما يقارب النصف قرن من العطاء ولاسهامها الكبير في اثرائها واكباراً لابداعاتها ولروح الاخاء والمحبة والتسامح التي ميزت انتاجها وتعلقها الراسخ بقيم السلام والحرية... قرر سيادة الرئيس زين العابدين بن علي رئيس الجمهورية التونسية اسهام الصنف الأكبر من الوسام الوطني للاستحقاق في قطاع الثقافة للسيدة فيروز«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة