ينطلق عزمي بشارة، الكاتب والمناضل الفلسطيني المعروف في كتابه الاخير(*) من سؤال مهم، بل من همّ سياسي مؤرّق ومقلق، وذلك بسبب خلفية فكرية أضحت تبحث عن اسباب المعرفة وشعابها اكثر ما تطمئن الى فعالية الايديولوجيا ووقع الخطاب السياسي التعبوي في »الجمهور«. وهذا مؤشر قد يكون علامة خير وتقدم على طريق تلمس خطوات العمل السياسي العربي الفاعل والناجح، بعد »الانتكاسات« وطول الأزمات، وصولا الى إقصاء »السياسة« عن ممارسة ما استأنس اليه كثرة من مثقفي الثمانينات والتسعينات في الوطن العربي بصيغة »منظمات المجتمع المدني« كما يرى الكاتب. بل ان الكاتب يستدرك فيقول: »وربما كان علينا ان نسأل، ونحن لا نفعل ذلك: هل يوجد مجتمع فلسطيني؟ قبل ان نسأل: هل يوجد مجتمع مدني فلسطيني؟«. فرضية الكاتب ان المجتمع الفلسطيني »غير قائم كوحدة اجتماعية من اي نوع« ولا سيما مع »أفول السياسة او المجتمع السياسي الفلسطيني بتركيبته القديمة«. اما المجتمع المدني فيدلل على وجوده »أو يجب ان يدلل على وجوده في الضفة والقطاع انطلاقا من تعريف نظري او نموذج نظري محدد له«. وهنا تبرز أوجه الاختلاف بين الدارسين والممارسين في تعيين »الضرورة« النظرية، للحاجة الى استخدام مفهوم »المجتمع المدني«. في رأي الكاتب »ترافق حلول مفهوم المجتمع المدني على المناطق المحتلة مع ضمور شديد في السياسة والمجتمع عقب ازمة الانتفاضة التي بدأت تستنفد طاقاتها وطاقة المجتمع، ثم أفولها ونجاح اسرائيل في فرض شروط الهزيمة على السياسة والمجتمع الفلسطينيين، متمثلين بقيادتهما الشرعية والتاريخية منظمة التحرير الفلسطينية«(ص10). غير ان أسبابا ثلاثة تدعو المؤلف »لعدم ادارة الظهر للعملية السياسية وتحويل المجتمع المدني الى شاهد زور يبرّر الغياب عن ساحة المجتمع السياسي: »ان المجتمع المدني يقوم فقط في فضاء العلاقة المتبادلة مع الدولة... »ان هنالك ارتباطا لا تنفصم عراه بين تشكيل الامة وتشكيل المجتمع المدني وهذا »يعني انتماء« قائما على المواطنة وليس على العقيدة او قرابة الدم... »ان المعركة من اجل الديمقراطية هي معركة سياسية، معركة على السلطة... إذن، ثمة ارتباط بين مفهوم المجتمع المدني وسياق تشكل المجتمع السياسي: الانتماء الى الأمة، والدولة الحديثة، المواطنة، التعددية في الاحزاب السياسية، تداول السلطة، التمثيل البرلماني وفصل السلطات... وكل هذا لم يتم عبر تطبيق حرفي لمفهوم ناجز للمجتمع المدني ودفعة واحدة. ان التجربة الغربية التي يتابع الكاتب انجازاتها الفكرية المتراكمة عبر هوبس ولوك ومونتسكيو وروسو وهيجل وتوكفيل تقدم نوعا من الرشد النظري التاريخي لتطور المفهوم واستخداماته، المختلفة من مرحلة الى مرحلة، او عدم استخدامه، غيابه او عودته بين حين وآخر. وفي كل الاحوال كان الأساس في هذا التطور العمل السياسي المجذر للديمقراطية ثقافة وممارسة ونظرية. وفي الحالة الفلسطينية تصبح الصورة اكثر تعقيدا: فالحركة الوطنية الفلسطينية بفصائلها السياسية المتعددة، انهزمت ولم تتمكن من تصفية الاحتلال وتحقيق تقرير المصير (بناء الدولة ذات السيادة)، بدلا من ذلك نشأت »سلطة فلسطينية« ينظم عملها الاتفاق مع سلطة أجنبية هي سلطة الاحتلال سلطة تقوم على جهاز بيروقراطي سلطوي واسع ومواطنة فلسطينية منقوصة »يلفها كما يقول الكاتب ضباب كثيف«. في ظل مثل هذا الجهاز السلطوي المحكوم بسلطة اجنبية، (سلطة الاحتلال)، ومع هامشية المواطنة الفلسطينية كان من الطبيعي في رأي الكاتب ان »تبرز الانتماءات العضوية او الجمعية كمنظم للعلاقة بين الأفراد وبين الأفراد والسلطة... وكإطار يوفر الحماية للمواطن في علاقته مع السلطة ومع الأفراد الآخرين بدلا من الحماية التي توفرها حقوق المواطن«. لكن التساؤل يثور عندما نعرف ان هذه الولاءات الجمعية القبلية والحمائلية والجهوية طالما كانت فاعلة في العلاقات الاجتماعية السياسية لدى »الاهالي« قبل قيام »السلطة الفلسطينية«، بل وحتى أيام وهج الحركة الوطنية الفلسطينية وتأجج فصائلها السياسية سواء في المناطق المحتلة او في مخيمات لبنان. نوافق الكاتب تماما على عدم اعتبار هذه الأشكال من العلاقات »مجتمعا مدنيا« رغم قيامها بدور الوسيط بين الفرد والسلطة. ولأنها حينما تقوم بهذا الدور فانما تقوم به عن »طريق قمعها لشخصية الفرد ولحقوقه الفردية، ولأن الفرد كما يقول المؤلف مشتق من الانتماء اليها بدل ان تكون هي المشتقة من حقه كمواطن بالانتماء اليها«. نتذكر وظيفة هذه الانتماءات على »الساحة اللبنانية«، في مثال »جمهورية الفاكهاني« في بيروت، حيث كانت الانتماءات الجمعية العضوية سواء اللبنانية منها او الفلسطينية، تلعب ذات الوظيفة بين فصيل وفصيل، او بين الفرد والسلطة المليشياوية القائمة في الحي او المنطقة او القرية.. الامر الذي كان يعكس نوعا من ثقافة سياسية أهلية تقليدية غرقت فيها حتى النخب اليسارية الماركسية والقومية. واذ لا يصل التوصيف الى حد القول »بالعطب الثقافي« كعائق في إنماء عمل سياسي ديمقراطي، الا انه من الضروري وضع الاصبع على نمط من »السياسة« التي مهدت للهزيمة وأدّت حين قيام »السلطة الفلسطينية« الى تلك المفارقة التي نعيشها: من جهة بروز الولاءات التقليدية العضوية والجمعية، كوسائط بين الفرد والسلطة بحيث تبدو انها تقوم بوظيفة المجتمع المدني، وبحيث يُخيل لبعض الدارسين انها »مجتمع مدني«. ومن جهة اخرى، او على الضفة الاخرى، بروز منظمات غير حكومية يقوم بها حداثيون من أهل اليسار او القومية العلمانية ويُحرص على تسميتها »بمنظمات المجتمع المدني«. وهي في مجملها، قد تكون تعبيرا عن حالة استقالة من السياسة او عن تخل عنها بعد فشل، كما يلاحظ الكاتب بقدر كبير من صحة النظر وبقدر كبير من المساءلة والحوار ايضا. ان السؤال الذي يطرح: هل كانت مثل تلك السياسة مؤدية الى »مجتمع مدني« وفقا للمفهوم الذي يبحث عنه المؤلف في التجربة التأريخية الغربية وفي النظريات وقواعدها وشروطها ولعل أهمها الممارسة الديمقراطية وتعددية العمل الحزبي. يبدو لي ان ثمة التباسا يقع فيه النص في هذا المجال. فبعد ان يستبعد المؤلف توافر العناصر الثلاثة التي تحقق شروط مجتمع مدني في الحالة الفلسطينية نقرأ المقطع التالي: »ولدينا الآن حالة تجريبية للمراقبة، رغم الفارق الهائل في الظروف التاريخية هي الحالة الفلسطينية، وقد أبدى الفلسطينيون قدرة تثير الاعجاب على التنظيم الطوعي الاتحادي في احزاب سياسية ومؤسسات حيدت البنى التقليدية للمجتمع في الصراع الوطني ضد دولة استعمارية، ولذلك لا نشهد ترجمة مباشرة لهذه الطاقة المدنية الديمقراطية الى نظام سياسي ديمقراطي في ظل السلطة الفلسطينية، الا اذا سمحت هذه السلطة للنشاط المؤسسي ان يبقى قائما ليدخل في تفاعل غير اقصائي مع الدولة هذه المرة. ولذلك يرتبط الكثير بطاقة السلطة الفلسطينية على تحمل استمرار هذا النشاط المدني او عدم تحمله، والعودة الى احياء البنى التقليدية المحيدة بتحالف بيروقراطية منظمة التحرير الفلسطينية الحاكمة وأجهزتها الامنية بواسطة سياسة التعيينات بموجب ولاءات عشائرية وجهوية« (ص301). الالتباس في هذا النص، متأت أولا من افتراض ان العمل السياسي الفلسطيني الحزبي، ولا سيما ما سمي بالفصائل الفلسطينية، قد حيّد البنى التقليدية أثناء »ازدهاره«. بينما تشير وقائع الممارسة الى ان هذه البنى المتمثلة بالعلاقات والانتماءات العضوية والاهلية دخلت في تراكيب الاحزاب والمؤسسات واجهزتها »واقتصادياتها« اذا صح التعبير. وان ما يمكن ان نسميه أعراف الممارسة الحزبية في العمل السياسي الشعبي الفلسطيني لم تنقطع حتى نقول ان السلطة الفلسطينية »عادت« الى إحياء البنى التقليدية. فهذه الاخيرة استمرت في حالة التوظيف النفعي والايديولوجي المتبادل. وما »سياسة التعيينات بموجب ولاءات عشائرية وجهوية« من قبل السلطة الفلسطينية الا حالة استمرار لنمط من العمل السياسي قديم، كانت تمارسه الفصائل الفلسطينية، »بفتحها« وسائر »جبهاتها«. وليست بعيدة معطيات المؤلف التي يوردها في مكان آخر من الكتاب عن تأكيد مثل هذا الافتراض: »فنظام الكوتا (المحاصصة) الفلسطيني أدى الى اقتسام المواقع السياسية والموارد في حركة التحرر الوطني بما في ذلك في المؤسسات النقابية والشعبية بنوع من توازن المصالح بين الفصائل »الامر الذي شوّه التعددية وأفرغ الديمقراطية من مضمونها لتصبح »ثرثرة« ونوعا من البراغماتية (ص21). كذلك فان احتراف العمل السياسي وتحويله الى مهنة ومصدر ارتزاق، لدى عشرات الألوف من كوادر المنظمة والفصائل في ظل تدفق الاموال الخليجية وغيرها، كما يقول الكاتب، لا يمكن فصله في رأيي عن ذاك العيش او المعيش السياسي المندمج في حالة رشح عضوي متبادل بين السياسة والمجتمع، حالة osmose بين جسمين اذا صح التعبير. وانني أميل الى الاعتقاد ان مثل هذه »السياسة« لا تؤدي، لا بسبب اقصائها لطرف الدولة فحسب، (وهو الطرف الضروري لمنشأ المجتمع المدني وتطوره)، بل ايضا بسبب خلو مضمونها من الديمقراطية المدنية، ومن »أخلاقية السياسي« بالمعنى القيبري للتعبير، وهو أمر لا يمكن فصله عن سمات في الثقافة السياسية لا بمعنى »العطب« الذي يستبعده الكاتب بحق، ولكن بمعنى جملة الأعراف والقيم التي تتحكم بالسلوكيات ومن ضمنها السلوك السياسي. إذن ليس في الأمر تخل عن السياسة عندما تنتقل كوادر فلسطينية من اليسار ومن فتح في أواخر الثمانينات والتسعينات »الى المبادرة الى اقامة منظمات غير حكومية بحثية وتنموية وصحية ونسوية والعمل فيها »تحت صيغة »منظمات المجتمع المدني« في المناطق المحتلة، وبعد ان انتقلت مصادر التمويل الى صناديق الدعم المالي والتنمية الغربية التي بدأت تدعم وتساعد منظمات محلية غير حكومية ومشاريع تنموية وبحثية. ظاهرة لافتة يُنبّه المؤلف لقاعدتها الاجتماعية والاقتصادية«. ولكن أليست هذه تعبيرا وفي جزء كبير منها، عن السياسة نفسها مستمرة بأشكال تنظيمية اخرى؟ اللافت ايضا ان الوجه الآخر للسياسة نفسها يبدو في ظاهرة اتساع العمل السياسي الاسلامي باعتباره حاضنا اهليا أوسع للعلاقات والانتماءات الاهلية الصغرى (العشائرية العائلات، الجهات..) التي اشتغلت عليها الفصائل والاحزاب السياسية واستدخلتها علمانيتها بوعي او بغير وعي، بعفوية او براغماتية مدروسة ومقصودة. وتجدر الاشارة الى ان الحالة الاردنية الاسلامية نموذج فاقع لهذا الاحتضان، اذ تخوض معظم الاحزاب والتنظيمات »العلمانية« معاركها الانتخابية البرلمانية على أساس قواعدها وانتماءات زعمائها العشائرية، في حين تحتضن »الجبهة الاسلامية« قواعد من شتى العشائر. مفارقة في الاوضاع التاريخية؟ ربما. لكن وفي كل الاحوال، لا يمكن فصل »السياسة والمجتمع«، وهما مفردتان يربط بينهما واو العطف في كثير من أماكن الكتاب، عن الثقافة بمعناها الاتنولوجي، وعن الثقافة السياسية بمعناها »العقلاني« أي باعتبارها خلفية ذهنية ومعرفية لإدارة عمل سياسي هادف للسلطة في مجتمع سياسي. واذا كانت خصوصيات المجتمع السياسي الفلسطيني هو من هذا القبيل الجهوي والعشائري اي »الاهلي« وهو يشترك مع غيره من المجتمعات العربية في هذه القسمات فان البحث عن سياسة اخرى جديدة غير السياسة التي تندرج في منطق فعالية منظمات المجتمع المدني التي اختارها كثير من الحداثيين قدامى اليسار خصوصا وغير السياسة التي تندرج في منطق فعالية المنظمات الاسلامية التي اختارها كثيرون من المثقفين الجدد، ولا سيما حملة الشهادات التكنولوجية والعلمية، (فان البحث عن سياسة اخرى جديدة) يشكّل المخرج الضروري للحالة الثنائية المأزقية التي يعيشها العمل السياسي الفلسطيني، والعمل السياسي العربي عامة بين »مدنية« محض ايديولوجية يسعى لها المثقفون الحداثيون باسترخاء وتحت شعارات العلم والبحث وحقوق الانسان والمرأة والبيئة. وبين »اسلام سياسي« أثبت فعالية على مستوى التعبئة والتجييش ضد دولة الاحتلال ولكن ايضا ضد الدول المحلية القائمة، الامر الذي يجعل من سياسته على المدى الطويل سياسة تدمير لا للدولة فحسب، بل لفكرتها وللمجتمع السياسي ايضا، ناهيك عن إقصائه لفكرة المجتمع المدني واحتمال نشأته. ما المطلوب اذا، في هذه السياسة الجديدة؟ يطالب عزمي بشارة بحق ادراج الاحزاب الديمقراطية والنقابات في صلب مفهوم المجتمع المدني وديناميته في مجتمعاتنا، لأنها هي التي أوصلت في الغرب الى قيامة المجتمع المدني بمظاهره الجديدة او المستجدة. لأن هنالك فرقا كما يقول »بين المجتمع المدني كمفهوم بعد تأسيس الديمقراطية كنظام حكم، والمجتمع المدني كمفهوم في مرحلة ما قبل تأسيس الديمقراطية« (ص24). اذاً، المدخل هو الدمقرطة سواء على مستوى توجهات الاحزاب ونشاطها او على مستوى السلطة الفلسطينية. لكن هل تستطيع هذه الاخيرة ان تتحمل عبء الممارسة الديمقراطية وفاقد الشيء لا يعطيه، ناهيك ان دولة الاحتلال ماضية في ابتزازها للعلاقة الاقصائية القائمة بين السلطة من جهة وبين الاسلاميين من جهة اخرى الى أقصى درجات الابتزاز. والطرفان يقدمان، كل من موقع تداعيات هذا الاقصاء ومبرراته؟ عزمي بشارة عازم، وبنفس طويل، ان يقول في كتابه: نعم رغم العوائق وغياب الشروط، ان الحالة الفلسطينية بحاجة الى مقولة المجتمع المدني. فهي تساعد على فهم أفضل للمجتمع الفلسطيني وللتحولات السياسية والاجتماعية الجارية فيه شرط بناء »تحليل تاريخي لهذا المفهوم« وعدم الاكتفاء بالتصنيف وإطلاق التسميات على الظواهر، والاحتفال بمشهديات مراكز الابحاث وندواتهم وجمعياتهم. فالى أين وصل؟ لا بد من حوار لاحق يتطلع الى نقاش أبعاد هذا التحليل ودلالاته بالنسبة للكتّاب العرب الذين بحثوا في هذا الموضوع ودلالاته ايضا بالنسبة للعمل السياسي العربي »وللسياسة« وعلاقاتها بالثقافة. (*) عزمي بشارة، المجتمع المدني، دراسة نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية 1998.