»خمسة وثلاثون شارع شمبوليون«، ننظر الى أرقام العمارات في الشارع المنشود محاولين ايجاد »مكتب شاهين« حيث اعطانا المخرج رضوان الكاشف موعدا غداة عرض فيلمه الجديد »عرق البلح« في افتتاح المهرجان القومي الرابع للسينما المصرية، (وقد حاز بعد هذا الحوار جائزة التانيت الذهبي من مهرجان قرطاج السينمائي الذي انتهى مؤخرا). نسأل فيشيروا الى مكتب ماريان خوري حيث جلس المخرج والمنتجة يتداولان. نختار الصور ونبدأ الحوار: { لماذا انتظرت خمس سنوات بعد فيلمك الأول »ليه يا بنفسج«؟ لأسباب كثيرة. أصلا هذا الفيلم مكتوب قبل »ليه يا بنفسج« وبالتحديد العام 1979. لكن تأخر انتاجه لان لغته كما تعلمين، صعبة وغير مألوفة في السينما المصرية، وبالتالي فان المنتج يريد »الحاجة التي يألفها« ويخاف من الأشياء الجديدة. وبالتالي يقلقه هذا الخلط بين الواقع والأسطورة. من ناحية اخرى، فان السينما اليوم في العالم هي سينما المدينة، بمعنى ان المشاهد الاساسي الذي يدفع ثمن التذكرة هو إبن المدينة وليس إبن الريف، وبالتالي فهو عندما يذهب الى السينما يتوقع ان يرى أبطاله اي أبطال المدينة. وفيلمي »عرق البلح« هو عن الصعيد: عمائم وطُرَح وجلاليب. هذه صعوبة أساسية. اما الصعوبة الاخرى فهي ان احداث الفيلم تدور في مكان بعيد عن القاهرة حوالى ألف كيلومتر، وأنا كنت مصرا على هذا المكان، ومعنى ذلك انه مكلّف انتاجيا. لكل هذه الاسباب كانت ردود فعل المنتجين الذين عرضت عليهم السيناريو تتوقف عند الاعجاب.. حتى قرأت لماريان (خوري) وأحبت السيناريو وتبنته، وهكذا بدأنا العمل العام 1995. { لكن هناك أفلاما ناجحة جماهيريا صورت في الصعيد وعن الريف مثل »الأرض« لشاهين و»الطوق والاسورة« لخيري بشارة، فهل هناك اليوم تغيرات مجتمعية تجعل المشاهد يهتم حصرا ببيئته الفورية المباشرة والضيقة؟ طبعا، آخر فيلم صوّر في الصعيد كان تقريبا »الطوق والاسورة« منذ حوالى الخمسة عشر عاما.. لكن، صحيح كما تقولين هناك تحولات كبيرة جدا حصلت في هذه الفترة. فهل تعلمين مثلا ان دور السينما أقفلت في الأرياف؟ هذا يعكس الوضع الذي نحن فيه اليوم. طبعا الحالة الاسلامية جزء من ذلك، وتحول الذوق العام جزء آخر.. ليس لدي تحليل كامل، لكن الظاهرة بادية للعيان: من زمان كانت هناك صالات سينما في كل المدن مراكز المحافظات، اليوم تختفي بغالبيتها. الغربة والوطن { إذن، فالانتظار لخمس سنوات ليس إيقاعك الشخصي؟ العمل فورا هو إيقاعي الشخصي. مشكلتي كانت المنتج.. ثم انني كنت مصرا على ان يكون هذا الفيلم هو فيلمي الثاني. { يتحدث الفيلم عن قرية غادرها رجالها سعيا »لما يفيض عن الحاجة« مثل الكردان الخ.. ثم عادوا من السفر أذلاء مخصيين نفسيا، فاقدين لرجولتهم التي يحاولون استعادتها بإلغاء الذكر الحقيقي المتبقي (أحمد) عبر قتله. من أية خلفية اجتماعية تأتي هذه الرؤية؟ من الاشياء التي كنت مصرا عليها اي انه بالإمكان تكوين أسرة وبيت من غير سفر الى الخليج. ليس لدي مشكلة مع الخليج، لكن مشكلتي هي مع فكرة ترك المكان الوطن. الناس الذين سافروا الى هناك وعاشوا هناك »ما سابوناش في حالنا خالص«.. أتكلم فقط عن المصريين الذين ما ان يعودوا من هناك حتى يبدأوا محاولة فرض أنماط سلوكهم المكتسبة وثقافتهم وذوقهم علينا، وبتعال شديد! الذين بقوا هنا كانوا مظلومين جدا وأنا أتذكر جيدا الرسائل التي كانت تبعت من اجل منع عرض أفلامنا في الخارج، لأنها، حسبهم، تسيء اليهم كونهم في الغربة. وتقوّي اصحاب الأوطان الذين هم فيها عليهم!! بما معناه اننا نكشف عورات مجتمعنا بأفلامنا. { بكل الأحوال المجتمع المصري ضد البوح.. لا بل مع الكتمان الكامل ليستفيدوا من غياب الصورة للاستقواء في مواجهة عوالمهم. { وحياكة أساطيرهم الخاصة.. بالضبط. »وعلشان ده كانوا بيضطهدونا إحنا«!! رجعوا بشيوخ الآخرين وثقافتهم، رجعوا يؤذّنون ويغنون على طريقتهم.. »همّ الآخرين أحرار في ثقافتهم« أنا لا ألوم السعودي في ان يكون سعوديا.. هذا طبيعي. لكنني ألوم المؤذن المصري ان يؤذن على الطريقة السعودية الوهابية! وألوم، لأننا لدينا طريقتنا في الآذان وفي قراءة القرآن.. اي لدينا ثقافتنا وشخصيتنا. وعندما نكون نحن أنفسنا، نكمل بعضنا. ما أنددّ به هو ان المسافر الى هناك ويوم رجوعه، يريد ان يؤدبنا! ويريد ان يصوغ ثقافتي على مقاييس ثقافة الآخرين!. والفيلم لا يتكلم عن البلاد الاخرى بل عن المصري المغترب الذي هو غالبا مهزوم ويريد بعد انتصاره الوهمي ان يؤدب الموجودين لحد القتل كما في حال احمد، الذي حمل القرية على كتفيه في غياب رجالها، والذي ترك بصماته على جدرانها وأفرانها، والذي تفوح رائحته الحقيقية في كل مكان.. كان هو بالتالي كبش الفداء لهزيمتهم وإستعادة ذكورتهم المزيفة عبر إلغاء الذكورة الحقيقية اي قتلها. { على عكس السينما في كثير من البلدان العربية التي ظلت افلاما فقط.. فان السينما المصرية انتجت صورة للمصري. هذه الصورة لو كانت حقيقية وقوية لما كان المصري برأيي عند اول مواجهة مع صورة الآخر أشبه بالصفحة البيضاء التي تريد ان تمتلئ بأي شيء. ما هو برأيك السبب في انقطاع التواصل ما بين الصورة التي انتجتها السينما المصرية والمصريين.. لأنه اذا ما استثنينا بعض المخرجين مثل خيري بشارة وداوود عبد السيد وعاطف الطيب رحمه الله.. الخ.. فان ما قدم في السينما المصرية في الفترات الاخيرة كان لا يملك العمق الذي يؤثر في الناس.. كان الامر مجرد استهلاك لمتاعب البشر دون التعمق فيها. { إذن، فالذي ينتج حاليا هو صورة وهمية؟ لدرجة كبيرة. ولو كانت هناك أفلام تتمتع بحنجرة وصوت عال! { لكن الأمر لا يبدو مقنعا.. فتراكم الصورة كان على امتداد أكثر من نصف قرن، لذلك عندما يحل علينا عصر الانحطاط المفترض ان تقاوم هذه الصورة قليلا.. ذلك ان فترة الانحطاط قوية زيادة على اللزوم.. يعني نحن »اتقلبنا زي الشراب« (الجوارب) خلال ثلاثين سنة انقلبنا من ملكية، الى جمهورية عسكرية الى التأميم ومصادرة كل شي لصالح الدولة الخ.. ثم قومية عربية ثم انفتاح وصلح.. تغيرات سريعة وقوية وعنيفة الناس لم تستطع هضمها بكل بساطة. إيقاع شعري { الديكور الطبيعي الذي صورت فيه الفيلم (والرائع) هل وفّر عليك في ميزانية الانتاج، وبالتالي هل طرح مشاكل على صعيد تحرك الكاميرا والاضاءة؟ آه طبعا، الاضاءة كانت صعبة جدا، السقوف واطئة جدا، وبالتالي كان الامر كأنك تديرين فيلما داخل غرفة سونا، لكن طبعا هنا تأتي قدرة طارق التلمساني الكبيرة جدا الذي وجد حلولا كبيرة جدا وموهوبة جدا.. لكن طبعا قصة التوفير بالديكور الطبيعي غير واردة، هذا غير ان المكان بعيد جدا، واننا لم نكن نصوّر في المكان نفسه الذي كنا ننام فيه، فكان علينا ان نأخذ على عاتقنا مسألة تأمين أكل وشرب ونوم ونقل حوالى مئة نفر هم فريق العمل الى أماكن التصوير.. بالإضافة الى الوقت، حيث ان أماكن المنامة كانت تبعد حوالى ساعة ونصف سفر عن مكان التصوير ذهابا ومثلها إيابا. وطبعا، أتينا بمقطورات وخيم.. انتاج كبير... لكن ماريان اول ما رأت الديكور قالت: »ينفعش يتصور الفيلم في مكان ثاني، وهذا هو الشيء الجميل بماريان.. لما تحب حاجة تحبها للآخر«. { والصوت؟ سجلناه في ستوديو جديد وممتاز وعملنا ميكساجا حديثا جدا.. { في بعض مشاهد الفيلم عندما كانت هناك مواجهة بين الايقاع الشعري والايقاع السينمائي كنت تحسم الامر لصالح الاول. مثل مشهد خروج النساء ليلا بالمشاعل من اجل محاولة انقاذ أحمد، حيث ان مشيتهن البطيئة والموسيقية لم تكن توحي بأنهن يتوجهن لإنقاذ حبيبهن وصديقهن من الموت... لا.. لم يكن ذاهبات لإنقاذه، فهن عارفات انه سيموت في كل الأحوال. بدليل قول زيد الخير لسلمى في المشهد السابق: »حكم الرجالة يا بنتي.. خلاص ده حكم«.. لذلك فمشيتهن كانت مشية ندب، عدّ، وليست مشية إنقاذ«. { من مشاكل الفيلم (الضئيلة)، مسألة البداية التي كانت غريبة عن أسلوب الفيلم السهل البسيط الممتنع. حيث أغرقت المقدمة برمزية بدائية طفولية هددت بالتشويش على الفيلم بكامله.. انا كنت أريد ان ابدأ بالقول ان هذه الحكاية ممكن ان تحصل لأي كان. اي لنا نحن العرب: في تونس في لبنان في مصر.. هذا مصير كلنا مهددون به، أردت ان يكون الشكل حكاية لأستطيع القفز بين الأزمنة والشخصيات بشكل حر. وعملت »بلوكات«: هناك بلوك عبلة وبلوك منال.. لو عملت الفيلم سردا طبيعيا لما استطعت ان أفسر كل شيء وكنت لأجد نفسي في أزمنة ضعيفة. لذلك قلت لأحكيها »زي الحدوتة« وكأنني أمام كتاب »ألف ليلة وليلة«.. ربما كنت »تهت« شوية.. بيني وبينك جربت في »الجنوبية« هذا الامر وكان حلمي ان أنفذه. لكن طبعا هناك استحالة، ولم أكلف نفسي حتى بعرضه على الانتاج. ولم أقدم السيناريو بالطريقة التي كنت أريد ان أنفذه بها.. بل بالطريقة التي يمكن ان ينفذ بها بالظروف الحالية. لكن حلمي الحقيقي ان يتواصل السرد طوال الفيلم. هذا ما سأقوم بتنفيذه ربما في اي معهد تجريبي (يضحك). أنا أحب الحكي.. »متربي« على الحكي، هذه ثقافتي.. »حكي مش بوح، حاجات تحت«، وعلى رأي البعض، هنا يكمن جماله، ذلك ان الناس ستكون مضطرة لاستنباط الأشياء لا لتلقيها كمعلومة.. وهذا ما نحاول عمله كفنانين، ان نقول الأشياء من دون قولها مباشرة. { في لقائنا بعد عرض الفيلم قلت »عاوزين حرب أهلية مثلكم في لبنان علشان السينما تتنشط شويه«. الحياة كلها »تتنشط«.. طبعا القول اننا نريد حربا اهلية فيه مبالغة كبيرة، لكن ما قصدته اننا بحاجة الى تجربة كبيرة من اجل ان نحب هذا الوطن، فلسهولة حياتنا بمعنى سطحيتها ومباشرتها، اصبحنا مطمئنين لثباتنا في المكان وثبات المكان، اي الوطن. ما أريد قوله ان المكان ليس ثابتا وبديهيا بهذه الدرجة... نحن في حاجة الى تجربة كبيرة مثل تلك التي بنت ألمانيا والتي تبني بيروت الآن. تجربة نخرج منها ونحن قد فهمنا ما معنى قانون، ما معنى نظام ما معنى شأن عام. نكون فهمنا ايضا انه من الممكن ان لا يعود هذا الوطن موجودا في لحظة. كما ان ألمانيا لم تعد موجودة في لحظة، ولبنان اصبح ألف لبنان بلحظة.. لازم الناس تفهم ماذا يعني الامتناع عن إطلاق أبواق سياراتهم، وعدم توسيخ الفسحة العامة اي الشارع »لازم نفهم يعني ايه وطن«.. من اجل كل هذا نحن نحتاج الى تجربة كبيرة. { بعد إسبانيا، هناك قرطاج.. وسيكمل الفيلم حياته من دونك، ماذا ستفعل؟ أعمل على سيناريو جديد اسمه »كف القمر« وانتهيت من سيناريو آخر بعنوان: »الأوله شبرا« وهو في الرقابة حاليا.. حاورته: ضحى شمس (القاهرة)