القاهرة ضحى شمس كما في احلى احلام الاطفال التي يرونها على شاشة ديزني، حيث البيوت مصنوعة من الشيكولاته ومصابيح الشارع من البوبون والشجر من البوظة، هكذا هي اذاعة القاهرة، حيث الموظفون هم من الملحنين والمنشدين ومنشطي الفترات من اصحاب الحناجر ونجوم الكوميديا، والمدراء من كتّاب الاغنية؟. ينطبق الأمر على رئيس الشبكة الرئيسية (البرنامج العام) الاستاذ عمر بطيشة شاعر كلام اغنيات وردة وميادة الحناوي ومحمد الحلو وصاحب مزاج في برمجة الاغاني، مزاج بادٍ بوضوح للمستمع المخلص لاذاعة القاهرة. وبما اننا نعد أنفسنا من بين هؤلاء، ولم نخف اعجابنا بالمواد الدسمة القديمة منها خاصة التي يعاد بثها ان كانت من الاغاني او الاوبريتات او المسلسلات الاذاعية. فلقد بادرنا الاستاذ عمر بطيشة بسؤاله عن نسبة انتاج الجديد من مجموع بث اذاعة البرنامج العام. ولقد قال لنا ان هناك صعوبة ما في تحديد هذه النسبة، ليقول: »سبعون في المئة جديد وثلاثون في المئة قديم«. ومع أننا لم نقتنع بهذه الأرقام التقريبية إلا اننا سألناه عن سبب اعادة افكار برامج قديمة بمضامين جديدة بعد توقف. وكأنها لم يعد هناك افكار جديدة للتنفيذ او ان البرامج الجديدة لا تنجح بنفس نسبة القديم فتتم استعارة المضمون نجاحه من القديم. مثل برنامج »ساعة لقلبك« الفكاهي. ولقد علق الاستاذ بطيشة قائلا اننا اخترنا مثلا معقدا »لان الفكاهة بالذات كإنتاج جديد اذاعي، صعب قوي«. ويشرح: »فنجوم ساعة لقلبك القدامى اصبحوا اليوم نجوم في المسارح والتلفزيون وكل واحد منهم مؤسسة بحد ذاته تسير على قدمين. ليس من الممكن جمع فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي مثلا اليوم... ولقد لجأ الرئيس الحالي للاذاعة والتلفزيون حمدي الكنيشي الى جيل آخر من الممثلين الشباب في محاولة لاحياء »ساعة لقلبك« القديم. وأنا مختلف معه في الرأي حول هذا الموضوع. ولدينا الآن فرصة سماح حتى نهاية الدورة الاذاعية الحالية للفريق العامل في البرنامج حاليا. ولو لم يصل الى المستوى المطلوب فسيتم ايقافه خاصة ان الكثير من المستمعين رأيهم من رأيك، وغير سعداء بهذه التجربة. واصلا أنا كنت ضد تسمية البرنامج الجديد بأسم القديم لان المقارنة ستعقد فوراً في ذهن المستمع وهي بالتالي ليست ابداً في مصلحة الجديد«. نقول له اننا اكتشفنا في القاهرة اذاعات الاف. أم. المتخصصة واذاعات الاقاليم في حين اننا لا نسمع في لبنان إلا البرنامج العام. ونسأله عن الاشكالات والازدواجات التي قد يطرحها وجود اذاعة متخصصة مثلا اسمها الشباب والرياضة، مع اننا نعلم ان كل فئات المصريين »تموت في الكورة مثلا« وهل معنى ذلك ايضا حرمان المستمع المخلص للبرنامج العام من سماع الاغاني الشبابية الجديدة الخ... يرد الاستاذ عمر بطيشة قائلا بحزم: »اطلاقا«، البرنامج العام إذاعة كل المصريين داخل وخارج مصر، كما صوت العرب لكل العرب وإذاعة الشرق الأوسط قائمة على الاعلانات، انما البرنامج العام هو الاذاعة الأم. هو إذاعة جمهورية مصر العربية من القاهرة. ومن اسمه نعرف انه ليس لفئة او طائفة محددة... هذا لا يعني اننا نحرم مستمعنا من الألوان الاذاعية المختلفة التي قد تغطيها اذاعات متخصصة، لسنا معزولين عن الشباب ولدينا برامج تهتم بهم (فسحة قليلة) اما الاغاني وملاحظتك الثاقبة عليها، فلقد اتخذت قراراً فسره الناس خطأ انني ضد الاغاني الشبابية. ليس صحيحاً أنا نفسي شاعر وعندي اغاني للشباب مثل هدى عمار ومحمد الحلو وفرقة المصريين وفرقة الاصدقاء الخ. مش ممكن اتخذ قراراً ضد الشباب، لكن أنا ضد الاغاني الصاخبة التي لا تقوم إلا على الايقاع وتفتقد الكلمة الراقية الجيدة واللحن المعبر والاحساس والصوت المؤدي... »ده احنا مانعينو« لكن نذيع اغاني للشباب«. نعلق: »زي عبد الحليم في شبابو ونجاة الصغيرة«، يضحك رئيس الشبكة، فنقول له انه يستخدم لفظة »العام« في اسم الشبكة الرئيسية كمصفاة للمستوى والجيد من الاغاني بحسب رأيه. فيقول: »بصي، احنا عاملين سياسة غنائية متوازنه، نذيع لكافة الاجيال الغنائية من أول الثلاثينيات حتى الآن. لكن الاغاني الصاخبة نسبتها قليلة لانها مزعجة والاصيلة عالية على خارطتنا الاذاعية. ولقد وجدت هذه السياسة تجاوبا كبيرا من المستمعين ومن الشباب انفسهم، حيث قالت لي احدى الخريجات الجديديات. نشكرك جدا على اذاعة هذه الاغاني الجديدة في البرنامج العام!! ولما قلت لها انها اغان قديمة، ضحكت وقالت انها جديدة لاننا نسمعها للمرة الاولى«. نغتنم فرصة الحديث للاحتجاج على قطع الاغاني التي بثتها اذاعة القاهرة من نصفها او ربعها دون تفسير. واصبح الامر شائعا في الآونة الاخيرة وكأن الاغنية هي مجرد وسيلة لازجاء الوقت بين مذيع ومذيع... فيوافق الاستاذ عمر بطيشة بحماس: »معك كل الحق، ويمكن لو قعدت معاي يوم اذاعي ستجدين مذيعين ومذيعات يحاولون المساءلة والتحقيق والايقاف بسبب هذا الامر. ذلك ان الربط الذي يؤدونه على الهواء يمتد اكثر من اللازم فيأخذ من وقت الاغاني، ولقد طلبت من المذيعين ان يلتزموا بمدة برامجهم لا بل ان يتركوا هامشا لدقيقة او اكثر فرصة للمذيع ليقدم الفترة اللاحقة او يعلق على السابقة. لكنني اطلب من المستمع الكريم ان يفرق بين الاغاني المبرجمة على الجدول وبين الاغاني التي تستعمل اجزاء منها كتعليق على فكرة«. نسأل في النهاية رئيس الشبكة عن عدم تسهيل الامر على الراغبين بدخول مركز التراث الاذاعي، او على الاقل تسجيل المحتويات او اهمها وتسويقها لكي لا »تغطس« هذه الثروة المطمورة في الاذاعة. فيقول ان هناك بعض الانتاج يسوق عبر شركة القاهرة للصوتيات والمرئيات. اضافة الى فترة اذاعية (الثانية صباحا حتى الثالثة والنصف صباحا) بثت فيها روائع التراث الاذاعي لمن يرغب. * إذاعة القاهرة AM 918.