ثمة مظاهر عديدة ل»عبادة شخصية« يجب التحذير منها. يشترك فيها السياسيون على اختلاف مشاربهم. وقادة روحيون، ووسائل إعلام، وتنظيمات أهلية، وخطاطون، وأصحاب مطابع، ومحترفو رفع يافطات، وجمعيات »خيرية«، وقبضايات أحياء، ورؤساء بلديات... اكتشف هؤلاء كلهم، في جوفهم، شبقاً إصلاحياً يجعل المرء يتساءل: »ولكن من الذي كان فاسدا في ما مضى؟«. نعرف أن للرئيس الجديد إميل لحود مكانة لدى اللبنانيين ولكن هذه التعبيرات فاضت عن حدها. باتت على عتبة استفزاز كل من يدرك أن »التغيير« مهمة شاقة وصعبة وتتطلب تعديلا في موازين القوى الاجتماعية والسياسية والفكرية و.. الأخلاقية. وتصبح هذه المظاهر استفزازية فعلاً عند إدراك أن الكثير منها كان سيكون موجوداً لو أن الرئيس الجديد لم يكن هو نفسه. يتصرف لبنانيون حيال لحود وكأنه قائد انقلاب لا رئيس دولة مؤسسات تقيّده القوانين والأعراف والتوازنات والقدرات المحدودة والصراعات الداخلية. وإذا جرى التدقيق في هذه »الأشكال التعبيرية« أمكن الاستنتاج، ببعض المجازفة، أن الرغبة لدى شريحة واسعة من المواطنين هي في ديكتاتورية عسكرية أي، بالضبط، في ما تحذر منه القلة معتبرة انه الانحراف الذي يهدد العهد الجديد. إننا نرى، في هذه الموجة العارمة، ترجمة دقيقة للاختزال المأساوي الذي تعرضت إليه السياسة في لبنان. فلقد تحولت، من جهة، إلى ممارسات شديدة الابتذال واللصوصية والمافيوية والمذهبية والمحسوبية وجرت التغطية على ذلك، من جهة ثانية، برفع شعار »حكم الأوادم« الى مرتبة مقدسة. لقد كان التناقض حاداً بين السلوك والخطاب ولكن المؤدى العملي هو جعل النزاهة الشخصية المعيار الوحيد للحكم الصالح. هذا تخلف ما بعده تخلف. إن نظافة الكف مقياس بالطبع. ولكن أحاديتها تدل على مدى الدرك الذي وصلنا إليه. ما النفع، مثلا، في حكّام »أوادم« ينتهجون سياسة كارثية وهم على قناعة بأنها الأسلم ولو أنها لا تفيدهم شخصيا في شيء؟ ألا يمكن لطاغية أن يكون نموذجا في الاستقامة؟ كلا، ليس الفساد عنصراً تكوينياً في نهج خاطئ. ولذلك فإن غيابه لا يجوز له أن يلغي التدقيق والمحاسبة والمعارضة. ويمكن الذهاب أبعد إلى القول إن السياسة، من حيث المبدأ، هي خلافات جوهرية بين »أوادم«، وصراع على السلطة ضمنهم، واحتكام من جانبهم الى الرأي العام. أما الفكرة القائلة بأن نظافة السجل العدلي كافية، وحدها، لجعل السياسة صائبة فهي فكرة بائسة. ان انضمام هذا الحشد كله إلى الجموع الصارخة »اضبطوا اللصوص« يهدد بأن يجعل اللبنانيين يقبضون على هواء أو على »كبش محرقة«. وهو يقود، حتماً، الى انحياز خطير في حقل المحاسبة السياسية حول برامج الحكم جاعلاً منها عملاً جزائياً فحسب. ليس القصد التقليل من أهمية التطلع إلى حكام نزيهين. القصد هو التنبيه إلى أن نزاهة الحكام يفترض فيها أن تكون تحصيل حاصل يتم، انطلاقا منه، تأييدهم أو الاعتراض عليهم. ويقود ذلك، بالضرورة، إلى الدعوة لتجاوز »برنامج الحد الأدنى« الذي ارتضاه اللبنانيون، كما يبدو شكلاً، لأنفسهم. لا بد، والحال هذه، من فصل »الأخلاقي« عن »السياسي«. ليس لإسقاط الجانب الأول وإنما للقول إن في الإمكان معارضة حاكم نزيه يضع قانونا جائرا للضرائب، مثلا، أو يتمسك بترتيب للأولويات الوطنية مخالف لمصالح فئات واسعة، أو يبدي انحيازا اجتماعيا صارخا. يجب التسليم بأنه يمكننا أن »نملك« أعداء شديدي الاستقامة في حياتهم الشخصية وان توصيف الانقسام يفترض فيه تعيين مناطق الخلاف بما هي توجهات عامة لا مجرد مزايا أو عيوب أخلاقية. ليس أسهل من رؤية درجة الفساد في هذه الحملة على الفساد. ليس لأن بعض المتورطين يشارك فيها فحسب بل لأن بعض المعارضين السابقين يريد أن يعلق كل شيء فوق مشجبها. هناك مسؤولون وقادة رأي أقدموا على انعطافة مذهلة في مواقفهم متسترين وراء يافطة »نظافة الكف«. لقد اختاروا الشعارات السيادية (حيال سوريا تحديدا، وفقط) بصفتها حقلا جديدا للنزاع الأهلي وها هم يغادرون مواقع الاعتراض من خارج المؤسسات من أجل القفز مباشرة الى مركبة السلطة. ومع أنهم يدركون جيدا أن لا تغيير جديا في ما كان سبب مقاطعتهم فإنهم يتصرفون وكأنهم الأكثر استفادة من الجو العام الذي يوحي وكأن الانشطار الحالي هو بين »الفاسدين« وغيرهم. يرفض هؤلاء الاعتراف بعبثية توجهاتهم السابقة، ويرفضون تأدية الحساب أمام جمهور قادوه، مرة أخرى، إلى أفق مسدود، ويرفضون الانتظار، ولو لبرهة، في مقاعد المعارضة من داخل المؤسسات. ويقدمون، عوض ذلك، على تكبير حجم التغيير الحاصل والمتوقع من أجل تبرير خفة انتقالهم من موقع الى آخر. انهم أكثر اللبنانيين استفادة من هذا الاختزال المريع الذي تعبّر عنه موجة الاحتفالات الحالية. أليس هذا فسادا أشد خطرا على السلامة العامة من رشوة موظف؟ يتصرف هؤلاء وكأن أبواب السجون فتحت ليخرجوا هم منها ويُدخلوا غيرهم إليها. لقد تخلوا عن حقل النزاع الأهلي السابق (السيادة) من أجل تحويل »مكافحة الفساد« الى مجال الصراع الجديد: لا تسمح الظروف بالثأر من الآخرين ل»تبعيتهم« فلنحاول الثأر منهم ل»فسادهم«، والآخرون، هنا، ليسوا أشخاصا بذاتهم، إنهم، باختصار، ممثلو »الطوائف الأخرى«. يدل ما تقدم على المنحى الخطير الذي يقود إليه شطب السياسة سواء اتخذ شكل »عبادة الشخصية« أو شكل تحويل الفساد إلى المشكلة الوحيدة التي تتطلب علاجاً.