شعر سوزان عليوان يرتبط حضوره التراجيدي بابتعاده عن الخفة، وفي صدوره عن حاجة داخلية فعلية، مشغولة وتحمل اضافات. اللغة عندها، صنو الحالة المحاطة بالشروط الابداعية، وقصائدها تحفل بالجهد الذي يبدو جليا، في سبيله الى تخطي تجربة سابقة، بدت استهلالا بسيطا لدخول الشاعرة عالم الشعر الجميل والقاسي في آن. ينبغي لكل شعر، يريد تحقيق التفوق والمجاوزة، ألا يقع في ماضيه، غير مبارح ولا عارف عثراته وشوائبه. هذه ليست دعوة للتبرؤ من ماضيات كتاباتنا، والتطهر منها، بل لمزيد تبصر في ما هو حقيقي وما هو زائف، يحتاجها الشعر ليغدو أحلى الكلام. سوزان عليوان فازت في نقلتها الجديدة »شمس مؤقتة« بما يستوجبه الشعر فعليا، والمتراوح بين تكثيف القول، ورقته الداخلية. شفافة، تحمل ألمها طافحا في كل قصيدة من قصائدها، وكأنها، الشاعرة، لا تريد نظيرا لهذا الألم الحلو والمرارة الشفافة في قصائد لغيرها. وهي لا تسف ولا تغالي، في دأبها نحو بناء عالم خاص بها، مع ذاكرة شعرية أمينة لمكتسبات وقراءات كثيرة. عاديات تخوض قصائد عليوان في الشأن الحياتي العادي، وتلتقط تعابيرها من فضاءات يومية. هذه العاديات يحكمها الرفض، الذي يشكل خلفية القصائد بالكامل. غير ان الرفض لا يتبدى استعراضيا في الكلام، ولا يقع مجانيا في الصورة الشعرية، بل في ذلك النواح الخفيض الذي نسمعه، وتلك الانكسارات التي نلمحها متلطية خلف البوح: »من السقف الذي تسنده يد التثاؤب لئلا يهبط الطابوس المتكرر كعنكبوت متشابكا بأصوات تخفت تتدلى حبال دون جثث نغلق أهدابنا كما في الموت كما في دخولنا هذه الحجرة السوداء حيث وسادة فقدت النوم وخزانة عارية وكرسي يجلس في ركن مأخوذا بجدار خامس«. (ص15). توأمة الحياة والشعر، تظهر جلية في مجموعة عليوان الثانية »شمس مؤقتة« بعد استثمارها مجموعتها الاولى بشكل صحيح. اي قراءتها بعين نقدية مهجوسة بتحقيق قفزة نوعية. وهذه قضية تتعلق برأيي بالذائقة الشخصية للشاعرة التي احتاجت مسافة تأمّل واعية، لم تفقد معها صوتها الداخلي الشفيف، ولا رقتها، ولا تشكيلاتها غير الخاضعة الى الفكر وحده، بل الاحاسيس ايضا التي طوعت صناعة الكلمة عند الشاعرة، من دون ان تلعب دورا معوقا على صعيد بنيان القصيدة في قوالب تشكيلية مع تلك الفكرية اللازمة. مطابقة تغيب الضبابية عن شعر عليوان، لأن محاولتها تنسجم مع طموحها في كتابة شعر يرى الى الحياة من مطابقتها، والتلوين عليها عبر أسلوب واحد، بدون ان يعني ذلك بالضرورة رتابة وقصورا في قصيدة اضحت على مسافة قريبة من هيئتها النهائية. تقف سوزان عليوان وقفتها الثابتة عبر مجموعتها »شمس مؤقتة« حيال السائد الا نادرا والمبتذل. كما تعد بالإرتقاء بالشكل والمضمون. ثم انها لا تلعب دورا سياحيا في قصيدتها، بل تمعن في الانتماء اليها من دافع توليدي لحركات شعرية جديدة. صالح دياب صالح دياب في باكورته »قمر يابس يعتني بحياتي« يرفل برقة طاغية، تضفي تلك الأنثوية الكتابية اللازمة لمطلق كتابة شعرية. ثم انه يولي المكان اهتماما، حيث تضج المجموعة على تنوعها، بمكان وحيد هو مرتع الشاعر الأول، وان غابت عنه الرثائية المعهودة عند الشعراء المتفرقين في أنحاء العالم. لنا بلاد تركنا فيها أصدقاءنا يلبدون حول الحسرات أو يفكرون بالثلج لتبيّض مرتفعات وحدتهم من »تطريز« (ص41). يُسخر صالح دياب الزمان والأشخاص والأحداث، لصالح خلخلة صيغ، باتت مكرورة ومضجرة. وليست الإيقاعات الداخلية لشعر دياب مجرد إيقاعات وأصوات، بل هي هيكلة مرئية لرؤى وصور. وفي هذا الاطار، وكمجوعة أولى، تبدو الهيكلة متينة وواثقة، ولا تكتفي بحضورها كاحتمال، بل تتعداه الى الاعلان عن نفسها بطراوة ورقة. ثمة تلك النبرة الانسيابية التي تستعصي على التدخلات الطارئة والعنيفة التي تغيّر في »سياق« الشعر، والتي تتحول في شعر آخر الى إيقاعات متكسرة على إيقاعاته الاصلية. الى ذلك، لا تخلو المجموعة من تقلبات شعرية، ترتقي بالشعر من حال الرقة والحنان الخالصين، الى حال من إدراك الأسباب الكامنة خلف غاية الكتابة. الشعر لدى صالح دياب يشكل بدوره، كما عند سوزان عليوان جزءا من معاناة حياتية، تعتصر بالقلق الدائم المقيم. وهو يصل بقصائده الى حال لا نختبرها الا عند شعراء باتت خبرتهم واضحة ومنعطف للوقوف عنده. اذ هو يقود القارئ المتذوق الى نوع من الشعر العالي الذي لا يحصّل الا في لحظة تلقية، الحركة الصدمة، ما يحمل الى نشوة خالصة تفعلها فينا الكتابات الناضجة. هذا النوع من الحركة الفنية، يدخل كعنصر أساسي في بناء القصيدة. إنني أدخّن لتسهو الوحشة بينما الصمت ينزف تحت نظري مثل إبهام مقطوعة (ص49). حركة ذات مسارات تصب في اتجاه واحد، كأنها ايهام الى خلاصة لا تستعجل الإخبار او الروي، بقدر وشايتها بألم واحد لا يحتمل مزيدا. اختلاف يهرب صالح دياب في قصائده من الجاهز. فالشعر عنده غير مقلد ولا قوالبي. انه شعر الشاعر وليس شعر غيره، وهذه ميزة تبدت في حضور تأثيرات أكيدة، ولكنها غير مرئية، وتدعمها اختلافات وتنوعات وأشكال وأطباع في قراءات جمة حصلها الشاعر فأغنت ثقافته وشعره. ثم انه يبدو، وكأنه تفرد في الاغتناء من التجربة الشعرية اللبنانية، الشبابية تحديدا، من دون الوقوع في فخ عقلنتها، الامر الذي وقع فيه الكثيرون، بل ترك لدواخله الشفيفة، غير المصطنعة أمر تدبير الفضاء الشعري الطري الخاص به. لعله من المجحف بمكان، الكلام على تجربتين شعريتين في مقالة واحدة. وهو إجحاف قد يطال كلا الشاعرين كل على حدة، نظرا لخصوصية عوالم كل منهما. غير ان القواسم العامة المشتركة، هي التي أجازت هذا الدمج، المتمثلة في جدة إطلالتهما على عوالم الشعر، والجملة المقتضبة المكثفة الواحدة، والرؤى والتصاوير والاسقاطات الإلهامية الواحدة ايضا، التي أملت هذا النوع من التشابه الشعري، وأفاضت الى نوع من البوح المكثف الخفيض الذي يجد صداه عاليا في الشعر وحده. عناية جابر