حسن حنفي المفكر العربي من مصر والاستاذ بقسم الفلسفة بكلية الآداب في جامعة القاهرة، عرفه المثقفون العرب منذ فترة طويلة عبر العديد من مؤلفاته الهامة، منها (علم الاستغراب) الصادر عام 1991، وقبله العمل المسهب والهام »من العقيدة الى الثورة« الذي صدر في عدة مجلدات، تضاف اليهما أعمال اخرى وتحقيقات وترجمات لمؤلفات صدرت في أوروبا. كما تعرف إليه المثقفون والاكاديميون العرب مرات اخرى من خلال (حوار المشرق والمغرب) الممتع الذي دار بينه وبين المفكر العربي المغاربي د. محمد عابد الجابري على صفحات مجلة »اليوم السابع« على مرحلتين خلال الفترة الواقعة بين شهري آذار وتشرين الثاني من عام 1989، والذي نشر عام 1990 ككتاب صدر عن دار طوبقال للنشر بالمغرب. بالنسبة للدكتور حسن حنفي، فان محاورة الغير ليست حاجة آنية مردها كونه في المعارضة، بل ضرورة تنطلق من ايمانه العميق بالتعددية وبممارسته لها وبقناعته بان ادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة من قبل البعض هو الذي أوصلنا الى ما نحن عليه من تشرذم وضياع، وهو ما يشرح جنون القوى الظلامية التي تدّعي امتلاكها وحدها مفتاح العقل تجاهه وتخطيطها لاغتياله. وقد اغتنمنا فرصة تواجد د. حسن حنفي المؤقت في المانيا حيث يعمل حاليا كأستاذ زائر في جامعة بريمن، للقاء به وللحديث معه حول همومنا العربية، على رغم علمنا بأننا لن نتمكن من معالجة كافة المواضيع التي نود بحثها ونقاشها معه بسبب ضيق الوقت والمساحة، واتساع دائرتها. لذا أُجبرنا على التركيز على موضوع رؤيته للمستقبل العربي في الزمان المنظور وتصوراته للمهام الملقاة على الطليعة حيث اكتشفنا فيه ايمانا عميقا لا يتزحزح بالحتمية التاريخية وبالحق العربي، أنتج بدوره حماسة دافئة تشكل مصدر تفاؤل بحتمية الانتصار. * * * * { د. حنفي، نريدك ان تحدثنا عن رؤيتك لمستقبل العرب، ونود ان نسمع منك رأيك بخصوص مهام مثقفينا في القرن الحادي والعشرين الذي يربطه البعض بالتأريخ الميلادي، بينما يرى آخرون أنه بدأ في مطلع التسعينيات الذي شهد انهيار المعسكر الاشتراكي، وآخرون بالثورة العلمية الجديدة. لكن قبل ذلك، كيف تؤرخ أنت للمرحلة المقبلة؟ هناك وهم كبير بأن هناك مسارا واحدا ووعيا تاريخيا واحدا للعالم، وهذا غير صحيح لأن مسارات العالم متعددة والوعي التاريخي متعدد. لكن نظرا لبروز أوروبا على الساحة باعتبارها مركز العالم منذ الاصلاح الديني في القرن الخامس عشر وعصر النهضة الاوروبي في السادس عشر والعقلانية في السابع عشر والتنوير في الثامن عشر والثورة الصناعية الاولى في التاسع عشر ثم في القرن العشرين بكل تساؤلاته وحروبه ومراجعاته للحداثة وتجربتها... الخ، ظن الناس ان هذا تاريخ العالم كله وتؤيد هذا الظن أجهزة الاعلام الغربية وسيطرتها . ومن ثم، فان ما يسمى التحول من قرن الى قرن، من القرن العشرين الى القرن الحادي والعشرين، ينطبق فقط على مسار الوعي الاوروبي في تاريخه الحديث. وأنا لست أوروبيا.. أنا على علم بالوعي التاريخي الموازي، وليس فقط بالموازي في اوروبا، لكن بالموازي في اليابان وفي الصين وفي الهند وفي إيران وفي آسيا الوسطى. ان اليابان لا تؤرخ للعالم بالتاريخ الميلادي. فلو سألت يابانيا في اي عصر يعيش هو لأجابك بان تاريخ العالم عنده يبدأ بتولية الامبراطور. ولو سألت فارسيا أيام الشاه عن ذلك لربطه بقورش الأول... الخ. ومن ثم انا لا أستطيع ان أضع نفسي في مسار تاريخي لا أعيشه. { هل هذا يعني ان ذلك المسار وهمي أو بوجوب تجاهله؟ لا، وما قلته لا يعني اني أتجاهله... هو مسار يقاطع مساري. أنا لديّ وعيي التاريخي العربي. { وما هي حدود هذا الوعي التاريخي؟ طبعا متى ينشأ الوعي العربي بالتاريخ قضية.. هل نعيش حمورابي؟ عندما أقول العربي... الثقافة العربية او الوعي التاريخي العربي، فاني أعني هذا الذي يجمع حضارات ما بين النهرين القديمة وحركات شبه الجزيرة العربية شمالها وجنوبها واليمن ومصر القديمة. لكن على اية حال، اصطلاحا، ومن دون اي انتساب او ولاء لأيديولوجيا عربية معينة، فان الوعي العربي في حقيقة الامر يتمثل منذ ازدهار الثقافة الاسلامية التي استطاعت ان تحتوي الثقافة اليهودية والمسيحية والمصرية القديمة والنبطية والسريانية والكلدانية... الى آخر ما نعرف من ثقافات العرب القديمة... أصبحت الآن انا من الناحية الزمنية في نهاية القرن الرابع عشر وبداية القرن الخامس عشر. { ولماذا من ألف وخمسمئة عام فقط؟ طبعا، أنا أستطيع ان أذهب الى حضارة ما بين النهرين والى ثقافات المنطقة العربية القديمة الاخرى، لكن أنا يهمني تحليل الثقافة والوعي التاريخي عند رجل الشارع العربي وفي الجماهير. أنا أحيانا أشعر بان حمورابي ربما في أعماق الوعي العربي، ولكن الاكثر حضورا فيه هم ربما (الانبياء) ابراهيم وعيسى وموسى ومحمد.. هذا وصف لواقع وليس تعبيرا عن أيديولوجيا معينة. { وهل من الممكن تحديد معالم هذا الوعي التاريخي العربي؟ في القرن الرابع عشر هناك ورائي مرحلتان تاريخيتان كبيرتان. المرحلة الاولى ازدهار الثقافة العربية الاسلامية الاولى منذ القرن الاول هجري وحتى القرنين السابع والثامن الذي أرخ لهذه الفترة ابن خلدون والذي جاء ابن تيمية وراءه ليحدد فترة جديدة . هذه فترة ازدهار الحضارة العربية الاسلامية وأنا لا أسميها العصر الوسيط لان العصر الوسيط كان في الغرب، اما عصري انا فهو العصر الذهبي الاول الذي انشأتُ فيه العلوم والآداب وكنت فاتحا من الأندلس غربا الى خراسان شرقا... الخ، ثم بعد ذلك انهار هذا كله في فترة ثانية في العصر المملوكي العثماني حتى منذ قرنين من الزمان وبدأ فجر النهضة العربية الجديد وحركة الصلاح الديني وكل التيارات الحديثة التي أتت الثورات العربية لوضع حد لها مع بداية عصر جديد. فلو سألتني في اي عصر انا أعيش فسأقول لك على الأمد الطويل وعلى التاريخ المنظور، أنا أعيش بداية سبعمئة عام ثالثة مقبلة... في بداية القرن الخامس عشر ورائي فترة ازدهار تلتها فترة ركود.. أحاول ان أنهض من جديد.. حاولت منذ القرن الماضي فتعثرت، وأحاول الآن من جديد. هذا هو وعيي التاريخي الذي تقابله مسارات تاريخية عدة، ليس فقط الغربي، لكن ايضا الشرقي بكل تعدداته. فالسؤال مغلوط وبالتالي كل من يساهم او كل من يقول ان القرن الحادي والعشرين فانه يضع نفسه في مسار تاريخي ليس هو فيه. { برغم ذلك هناك من يرى ان مسار العالم واتجاه مسيرة البشرية يتقرران حاليا في الغرب، والمقصود بذلك ان العالم يعيش على انتاج الغرب، على انتاجه المادي على الأقل. هذا وهم إعلامي غربي. ان اوروبا عينها على ما يحدث في افريقيا وفي آسيا وفي اميركا اللاتينية. لا يعني اننا اصبحنا نعيش منذ عام 1990 في عالم ذي قطب واحد، ان الغرب هو الذي يقرر المصير. قد تقرر مسارات غير غربية مصير الوعي الاوروبي. يعني هذا العداء الذي يظهره الغرب لما يسمى حضارات الأطراف... هذا التجمع منذ 1990 لمجموعة الثمانية في مواجهة مجموعة ال15 او في مواجهة العالم الافريقي الآسيوي او في مواجهة ما يسمى الأصولية الاسلامية او في مواجهة ما يسمى بقايا الدولة الوطنية او ما يسمى نهاية عصر التحرر من الاستعمار والدخول في عصر العولمة او ما يسمى اقتصاديات السوق... كل هذا وهم كبير.. حصار العراق وحصار ليبيا وتهديد السودان وتهديد إيران... كل ذلك يدل على مظهر من مظاهر الضعف وليس من مظاهر القسوة. فالقوي لا يجند شعوب العالم لكي يضرب دولة عربية. فالذي يغالي في استعمال القوة يشعر بعدم الأمان ويشعر بالخوف. { وكيف من الممكن في ضوء ميزان القوى المختل ضدي ان يقرر مصير الغرب ما يحدث خارجه؟ كما قرر في حرب فيتنام في النهاية أمام هذه الآلة الجنمية الاميركية صواريخ سام 6 و 7 التي تخبأ في الأشجار. كما قررت مصير العرب مدافع المياه واختراعها في عام 1973 والتي سمحت للقوات المصرية بعبور قناة السويس.. كما يقرر أحد العوالم المصريين احمد زويل باكتشاف الواحد على المليون من الثانية. انا في رأيي اننا نعطي الغرب اكثر مما يستحق ونعطي أنفسنا أقل مما نستحق. { لكن قد يقول قائل ان صواريخ سام 6 في فيتنام لم تقرر مصير الولايات المتحدة، وان هي ساهمت في الإسراع بإنهاء العدوان الاميركي. والامر ذاته ينطبق على مدافع المياه التي استخدمتها القوات المصرية إبان عبور قناة السويس، لم تقرر مصير الكيان الصهيوني ولكنها قررت مصير معركة، لكن في نهاية الامر فان القوة الضخمة الوحيدة الباقية هي الولايات المتحدة. تذكرني بالمقابلة التي أجراها معي قبل بضع سنوات حازم صاغية من جريدة »الحياة« عندما بدأ بمثل هذه النغمة. ولم يستطع ان يتحمل ما أسميه التراكم التاريخي في شعوب العالم الثالث. { وما دور هذا التراكم في التعرف إلى المستقبل ورسم أطره؟ في حين انه يوجد تراكم تاريخي في الغرب ونعترف به... ولا نعترف بأن ما يجري في فيتنام وعلى قناة السويس وفي افريقيا وفي أوروبا الشرقية وفي أواسط آسيا وفي ماليزيا وفي اندونيسيا، حدث بعض التراكم. ان اكبر انجاز في القرن العشرين، اي حركات التحرر الوطني ونهاية عصر الاستعمار الذي بدأ بإسبانيا والبرتغال منذ القرن الخامس عشر حتى الآن، لم يتم في الغرب. هذا انجاز ضخم لم نعه بالقدر الكافي. أقول أنا إذاً اخشى ان وجودك في الغرب فترة طويلة جعلك تأخذ ما يثار في اجهزة الاعلام وفي الثقافة العامة في الغرب بأنهم هم الأقوياء ونحن الضعفاء. انا لا أقول بالأبيض والأسود بيننا وبينهم. لكن التركيز الشديد على ضرب البوسنة وضرب كوسوفو وحصار العراق وحصار ليبيا وتهديد إيران وضرب السودان... الخ الخ، كل ذلك يدل على ان الغرب يريد منذ 1990 ان يسيطر على العالم بطريقة اخرى يسميها العولمة او الادارة العليا وما الى ذلك من المصطلحات من اجل ان يقضي على نتائج حركات التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات. بعدما أفلت العالم الثالث من قبضة الغرب يريد الغرب من جديد ان يعود ويحتوي العالم الثالث. انما نحن فقط نخطئ في حساب امكانات بعض هذه المناطق التي أسميها الحضارات التاريخية التي استطاعت ان تعيش منذ سبعة آلاف عام.. خذ مثلا الثقافة العربية والعالم العربي الذي استطاع ان يصمد امام الصليبيين والتتار والمغول والاستعمار الاوروبي الحديث. لا توجد حيوية فكرية وكم هائل من التساؤلات قدر ما يوجد في المنطقة العربية. وأنا في ألمانيا، وأنا أعرف الغرب، هناك فقر فكري، بالرغم من النشر. في الوعي الاوروبي تساؤل حول ماضيه وحول حاضره وحول مستقبله. { وماذا تبقّى للعرب من مكاسب تلك الأيام؟ أعتقد ان الاجابة ستساعدنا في تلمس الطريق مستقبلا. حققت لك 22 دولة عربية مستقلة وخرجت من الحقبة التركية، الانكليزية، الفرنسية، الى حقبة كان فيها عبد الناصر يرج العالم كله. { من الخطأ الجسيم نفي الانتصارات والمكاسب الهامة للغاية التي أمكن تحقيقها بفضل ذلك النضال والتي ما نزال نتمتع بها حتى الآن، لكن هناك من يتمسك بأنه يبحث بعد مرور عقود على الاستقلال، عن شارع او رصيف في مدننا خال من الحُفر!! تلوث البيئة في مدننا قاتل، ونحن نعاني من البطالة والفقر وارتفاع معدلات الجريمة... المقصود ان هذا هو حاضرنا الذي هو ايضا من نتاج هذه الحقبة! لا أظن ان مصائر الشعوب والمشاريع القومية الكبرى تقاس برصف طريق. لا يعني ذلك ان رصف الطرق غير مطلوب.. (والله لو عثرت بغلة في العراق لسألت عنها يا عمر لماذا لم تسو لها الطريق!!). فرصف الطرق والخدمات العامة مطلوبة. لكن تقاس مصائر الأمم بوعيها التاريخي وبقدرتها على التحليل وبقدرتها على الصمود.. ان الغرب هو الذي يخاف منك بحساباته واحصائياته وبأجهزة مخابراته، وأنت الذي تخاف منه وهماً وإعلاماً وعدم حساب امكانات العرب في التاريخ وعدم الاحساس بما بحدث الآن في الغرب. اقول انه لا بد من ان تعيد حساباتك انت باعتبارك عربيا، كاتبا، باحثا، عالما، مفكرا، وان تبدأ من البداية، والتحدي الكبير أمام المثقف العربي هو قدرته على التفكير الإبداعي المستقبل. { الحقيقة هي ان المظاهرات في البحرين المطالبة بالانتخابات الحرة وبالتعددية امتدت عام ونصف عام ولم يتحرك شارع عربي واحد بدعمها! يا أخ زياد أنت تختار من التاريخ ما تريد وتترك ما لا تريد. أثناء العدوان الاميركي على العراق، وبالرغم من خطأ العراق في غزو الكويت ويا ليته ذهب الى القدس حتى يجمع العرب بدلا من ان يفرقهم كان هناك نصف مليون مغربي يطالبون بوقف العدوان الاميركي على العراق... مظاهرات الجامعات المصرية بالألوف ولمدة شهر لدرجة ان ذهبت القيادة المصرية الى اميركا وقالت لها ان لم توقف العدوان على العراق لانهارت معظم الانظمة العربية بما فيها النظام المصري. لا تأخذ ما تشاء وتترك ما تشاء. صحيح ما قلته عن مظاهرات البحرين، لكنها تمثل حلما كبيرا لكل مثقفي البحرين ولكل مثقفي الخليج. فما يحدث في وسط الحجاز من وجود جيل جديد من المفكرين الحجازيين الخ، ووجود حركات حقوق الانسان ووجود المعارضة في الداخل وانقسام المؤسسات الدينية الى قسمين؛ محافظ وتحرري الخ،. فلا تحكم بالظاهر. فالعالم العربي مملوء بالمتناقضات وربما ثورة البحرين الخ والنهضة الجديدة في الحجاز وفي الخليج وفي اليمن وفي لبنان من نظام تعددي الخ، وما يحدث ايضا في المغرب العربي... أعني ان العالم العربي مخصب الآن، متى يتم الوضع؟ هذا هو السؤال. العالم العربي ليس قحطا، هل يتم الوضع بعد تسعة أشهر بقيصرية وهل يولد الجنين مشوها، سليما... من الذي يتعهده؟ إيقاع التاريخ بطيء. فالعالم العربي له بعد تاريخي قديم وما زالت شكاوى الفلاح تصيح منذ سبعة آلاف عام (أسير بحماري وعليه رزقي، أخذه شيخ البلد ولم أفعل شيئا)! ما زالت هذه الشكوى منذ سبعة آلاف عام لم تتغير، وبالتالي لا تحكم على التاريخ بإحدى حلقاته، بإحدى لحظات التاريخ تيار مستمر، والذي يضع العرب في إطار التاريخ العام يرى ان المستقبل ليس ببعيد. { إسمح لي، نيابة عن المواطن العربي المنهك، ان أطيل توقفي عند هذه المسألة الخطيرة شكاوى الفلاح من سبعة آلاف عام لا تزال هي هي ولم نتمكن من حل المشكلة، برغم اننا أنتجنا قوانين حمورابي... هذا ما ستُسأل عنه بصفتك مفكرا عربيا. فلنأخذ التاريخ القريب: من كان يظن ان بعد 1967 (وحرب 1973 لم تغير كثيرا) سيحصل ما حصل. انتفاضة الحجارة، رضينا أم أبينا، أنشأت شيئا يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية، نتفق ونختلف عليها بطبيعة الحال. فالبعض يريد الاكثر والبعض يتمنى هذا الاكثر، ومن يُرد الاكثر فليتفضل وليفاوض او فليحارب. على اية حال، من كان يعتقد ان الانتفاضة الفلسطينية استطاعت ان تضع القضية الفلسطينية من جديد على الطريق؟ ومن كان يظن انه سيلاقي هذا الحجم الكبير من التساؤلات العربية في الصحافة العربية والانتاج العربي والابداع العربي؟ من كان يظن ان الحرب الاهلية في لبنان ستتوقف ويعاد بناء لبنان من جديد... الخ. من يدري، فلربما نهاية النفق آتية. لا أعطي أملا في الهواء، لكن لو نظرت الى التاريخ القريب لوجدت ان كل عقدين او ثلاثة عقود من الزمان هناك موجة من موجات التاريخ... ابن خلدون يحدد الجيل بأربعين عاما... وربما هو عشرون او ثلاثون عاما... لو اخذت الخمسينيات والستينيات فهذا هو الحلم والخيال العربي في عصر التحرر. اختفاء عبد الناصر والسبعينيات والثمانينيات بدأت الموجة السلبية المعاكسة... لكن من يدري ربما من 1998 الى عام ألفين، ربما في السنتين المقبلتين ستشهد عالما عربيا جديدا. في مايو/ايار المقبل ستعلن الدولة الفلسطينية، سيرفع الحصار عن العراق، سيرفع الحصار عن ليبيا، تتوقف الحرب الدموية في الجزائر، سيتعلم العرب أنهم خسروا كثيرا بتبعيتهم للغرب وبتفريطهم في الدول الوطنية المستقلة. سيتغير النظام الاحادي الطرف. فالتعددية الحزبية بالرغم من دخولها على ورق... الا انها اصبحت واردة في الأردن وأصبحت واردة في اليمن وصار يصارَع من أجلها في الخليج ويصارَع من اجلها في مصر. واهمية لبنان في ما يتعلق بالتعددية الحزبية... القضية إذاً يا أخ زياد: هل نصف الكوب فارغ ام ان نصفه مملوء. { بمناسبة الحديث عن فلسطين، وأعتقد، التزاما بالحقيقة التاريخية، بضرورة القول اعادة إعلان قيام الدولة الفلسطينية لأنها أعلنت من قبل في نهاية الثمانينيات، من المفيد التذكير بتردد أخبار عن اتفاق سري بين العدو الصهيوني وعمّان بهدف إشراك الاخيرة في الادارة المحلية في »الضفة الغربية« وترك السلطات المحلية في قطاع غزة تعلن دولتها في ذلك »الغيتو«... لذا فان مستقبل القضية الفلسطينية لن يكون في المستقبل المنظور بأفضل من حاضرها، بل هو أسوأ بكثير هذه ملاحظة جانبية . اسمح لي بالعودة الى تواجدك الحالي في أوروبا وبصفتك متابعا لما يجري في هذا القطاع من العالم حيث نشرت في مطلع التسعينيات مؤلف »علم الاستغراب«. كيف ترى تطورات الاوضاع في اوروبا في المستقبل المنظور بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء انقسامها السياسي وسيادة النظام الرأسمالي فيها؟ نحن كشرقيين نفرق في العادة ما بين الظاهر والباطن، ما يظهر على السطح وما يصير في العمق. بيننا وبين الغرب هناك مصيران متقابلان. { وما هو الباطن في الوضع في اوروبا انطلاقا من دراستك له وتواجدك الحالي في وسطه الفكري؟ في الظاهر يبدو الغرب منتصرا... عالم بقطب واحد، عولمة، اقتصاد وسياسة مسيطران ومقرران، غني، تكنولوجيا. أما الباطن فيختلف تماما. انا في الجامعات الاوروبية أدور عليها. الكم الكبير من عدم الرؤية عند المواطن الاوروبي، الألماني والفرنسي والبريطاني، يبدو انه في نهاية مرحلة. هو بدأ من مارتن لوثر وجيوردانو برونو حتى دريدا وليوتار... الخ، هو تعب بعد خمسمئة عام من النهضة، ولا يدري أين هو يسير، احيانا ينقض تجربته هو؛ تجربة الحداثة وتجربة ما بعد الحداثة ويقطع أنفه بنفسه... وليس له رؤية مستقبلية لأي شيء. الوحدة الاوروبية هي كلام عملي، لكن لا توجد في الوجدان الاوروبي. هي كلام تسهيلي، كلام تسويقي، لكن انظر ما حدث في مظاهرات كأس العالم، الاوروبي يضرب الاوروبي. يعني انه لا يوجد شيء اسمه وحدة اوروبية على مستوى الضمير وان الدولة القومية الاوروبية ما زالت في الأعماق وان الحرب الاوروبية ليست ببعيدة وان الكم الهائل من التشرذم، ايضا في داخل اوروبا، ليس ببعيد . { وما هو الباطن في الوضع العربي؟ عندنا في العالم العربي، وأنا عندما أقول »في العالم العربي« فأعني فضاء أوسع، سمه اسلاميا، سمه آسيويا، سمه افريقيا، سمه عالما ثالثا اي في اللاأوروبي لكنني لا أريد ان أحدد نفسي بالنفي، في العالم العربي الاوسع وليس بالمفهوم القومي الضيق، اي الحضارة اللاأوروبية، في الظاهر يبدو علينا العجز والتشرذم والضياع والفقر والإحباط الى آخر ما تعرف، وفي الباطن هناك إحساس ضخم بأن المستقبل لنا، والا فلمَ التركيز على ضرب العالم العربي وحصاره؟ اميركا اللاتينية مشغولة بالفقر وبالمخدرات وروح غيفارا وروح لاهوت التحرير بدأت تخفت. أفريقيا مشغولة بالفقر وبالمرض وبالحروب القبلية وبمخلفات الاستعمار وبالمشاكل الحدودية مثل رواندا واريتريا وأثيوبيا... الخ لكن المنطقة العربية ما زالت حية مع المنطقة الآسيوية. في الظاهر يبدو شيء وفي الباطن يبدو شيء آخر. احيانا يتكشف الباطن مثلما حصل في ماليزيا مع محمد مهاتير الذي يريد ان يبني مستقلا عن التبعية الاوروبية، لذا يحاول الغرب ضرب العملة الآسيوية. اندونيسيا انهارت لكن الملايو لا تزال صامدة... التآمر متعدد الجوانب ومتشابك المستويات... هناك إحساس ضخم في المنطقة الآسيوية الافريقية بأن هناك عالما جديدا يُصنع وان روح التاريخ كما بدأت من الشرق زاحفة نحو الغرب، من الصين الى الهند الى فارس الى العراق الى مصر الى اليونان... الى الغرب، قد تعود روح التاريخ من الغرب الى الشرق من جديد. { هل يعني هذا ان مستقبل الغرب، وبرغم ما يبدو عليه من بوادر الوحدة والالتحام الاقتصادي والعسكري والسياسي، وهي خطوات ملموسة يعيشها السكان، هو التفكك والتشرذم؟ لا، أنا لا أصدر هذه الاحكام القطعية لأنني لست صانع التاريخ. لكن هناك مؤشرات عديدة مما يخرج من إبداعات فكرية وسياسية وثقافية وإحساس عام بتحليل لا أقول الذهنية ولكن بتحليل بعض الأبعاد الثقافية في أوروبا المعاصرة مثل التفكيكية وما بعد الحداثة وبعض التيارات المعاصرة في الغرب، تظهر في الأدب وتظهر في الفن وفي العمارة... الخ وتحليل أشياء مشابهة في خارج الوعي الاوروبي في المنطقة الافريقية الآسيوية تؤدي الى وضع احتمال جديد وهو ان مسار العالم يتغير تغيرا جذريا ليس في قرن بل على مدى سبعة قرون. انتهت مرحلة الريادة الاوروبية بالرغم مما يبدو عليها. وقد يكون أحد هذه المظاهر في العولمة. والعالم ذو القطب الواحد هو الوهج الذي يسبق انطفاء الشمعة الاخيرة. وقد تبدأ دورة جديدة في تاريخ العالم فيها أفريقيا العرب وآسيا، بالرغم من تعثر المحاولات. فأوروبا في بداية القرن الخامس عشر كانت تتعثر، والخلافات بين الكنيسة والدولة كانت مستمرة ومحاكم التفتيش... لكن الذي ينظر الى التاريخ على الأمد الطويل بمنظور أوسع يرى ان هناك تحولا جذريا في مسار العالم، في أوروبا وفي غير أوروبا. لذا، فالكم الهائل من المؤتمرات والكتب عن اوروبا، مصير اوروبا، اوروبا وغير اوروبا، اوروبا والعالم، اوروبا والاسلام، اوروبا وآسيا.. هناك إحساس بالخطر على ان مسار التاريخ الذي تظنه أنت في يد الغرب، يفلت منه. { ما نراه الآن في الغرب من خطط مستقبلية للقرن المقبل هو استكمال توحده وزيادة تشرذمنا، وبرغم انه من الخطأ الجسيم رسم طريق عملي مستقبلي ضمن أطر »ردة الفعل«، الا انه لا يمكنني تجاهل حقيقة أني الآن في موقف الدفاع. فما هي مواد البرنامج الذي على المثقفين العرب بمختلف اتجاهاتهم وضعها لأنفسهم؟ بطبيعة الحال، لكل استراتيجية استراتيجية مضادة. عندما تجوب العالم العربي تشعر بأن الوحدة في الطريق. لم أعرفك قبل الآن، لكن عندما هاتفتني شعرت بأنك جزء مني وبأني جزء منك. ما يربط العرب بعضهم ببعض شيء موجود في الوعي وان كان لا وجود له في المؤسسات الدستورية والسياسية ونظم الحكم. وبالتالي كيف تستطيع أنت أن تقيم استراتيجية مضادة لما يرصد لك من تشرذم. في حقيقة الأمر ان ترتيب البيت يأتي من الداخل. { وما هي الخطوة الاولى؟ وجود قدر من حرية الفكر والتعددية الفكرية والسياسية في الوطن العربي. { إسمح لي بالمقاطعة هنا، أتضع شرطا على الحرية بقول »قدر«؟ العلماء لا يقطعون وأسلوب العلم هو أسلوب الاحتمالات. فلو كنت أيديولوجياً قطعياً لقلت بالضرورة، لكنني أحد علماء العرب، واني لا أستعمل الا أسلوب الاحتمالات خصوصا في ميادين العلوم الانسانية. الآن عودة: لو استطاع العرب ترتيب البيت من الداخل وإيجاد نوع من التعددية السياسية والفكرية... فالعالم العربي تسوده قوى رئيسية... قوى اسلامية والقوى الليبرالية والقوى الناصرية والقوى الاشتراكية والقوى الماركسية، والقوى كلها غير ممثلة في نظم الحكم لا بطريقة ولا بأخرى. والنظم الحاكمة في العالم العربي كلها نظم لا شرعية، فنحن محكومون بنظامين؛ إما بنظام ملكي وإما بنظام عسكري، وكلاهما تنقصه الشرعية. فالنظام الملكي يستمد شرعيته من العائلة المالكة، والنظام العسكري يستمد شرعيته بالاعتماد على قوة الجيش، نحن نعاني من نظامين: قريش والجيش! وكلاهما غير منتخب من الشعب انتخابا طبيعيا. نريد نظاما سياسيا نشأ بانتخابات كما هي الحال في أنظمة الحكم الديموقراطية، ويلي ذلك تشكيل حكومات ائتلافية تعبر عن طبيعة القوى السياسية الموجودة في العالم العربي وفي الشارع العربي. هنا يبدأ الإبداع. فأنا لا أستطيع ان أفكر في مسار العالم وأنا معذب في السجون... أنا مضطهد لأني مفكر حر... فأنا أصارع عدوين؛ القهر في الداخل والفقر في الداخل والتعذيب في الداخل والسجون في الداخل، وأصارع الهيمنة الغربية العالمية في الخارج. وبالتالي لو أردنا ان يكون لنا مسار في التاريخ وان نساهم لا أقول في القرن الحادي والعشرين لكن ألا يرصد لنا مسار وان يحدد لنا القطار ويطلب منا الركوب في آخر عربة فيه.. انما نعيد حساب الامكانات العربية في الداخل... التعددية السياسية والفكرية، النظم الائتلافية ثم تشجيع حرية النقد والاجتهاد والتعبير وحصر الامكانات العربية. انا لا أريد ان أعطي احصائيات، لكن في ما يتعلق بالمواد الأولية وبالأسواق وبالعمالة وبالإبداع العربي... الخ، والا فإسرائيل ترصد لنا. اسرائيل ترصد لنا »العبقرية الاسرائيلية« والسواعد العربية ورأسمال النفط لكي تقيم مشروعا كبيرا، او ترصد لنا أننا جزء من البحر الابيض المتوسط، وبالتالي نذوب في ما يسمى أوروبا شمال البحر الابيض المتوسط... الدول المتوسطية لها مشاريع، لكن الإبداع العربي في التعددية السياسية والحكومات الائتلافية وتجميع العرب من الداخل، اذا عرفت النظم العربية أنها محاصرة بين المطرقة والسنديان، بين شعوب تترصد لها وبين عدو في الخارج يترصد لها، لكن كرسي الحكم يجعلها تقبل هذا الحصار بين غضب الداخل والتبعية للخارج، وتفضل التبعية للخارج والقهر في الداخل. وبالتالي حساب الامكانات العربية في الداخل وتشجيع العقل العربي والخيال العربي ورصد الامكانات العربية قادرة على ان تحدد لك رؤية ومسارا للتاريخ تصنعهما أنت. وكيف يمكن للمثقفين العرب بصفتهم من طليعة أية حركة سياسية، تحقيق هذه المهام المحددة؟ بعد هزيمة حزيران 1967 حاول الكثير من المفكرين العرب الاجتهاد. كنا نظن أننا نملأ العالم قوة وحماسة ورؤية ومشروعا، وفجأة انهار كل شيء في ستة أيام... وما زال هذا هو الذي يحرك برغم انتصار 1973. لكن حسب الدراسات فان جرح 1967 لم يدمله بعد نصر 1973... أتحدث عن النفسي على الأقل. أقول ان هناك اجتهادات عديدة في ذلك وما يسمى المشاريع العربية المعاصرة من المغرب الى الشام الى مصر الى الخليج... وفي كل مكان. فمشروع التراث والتجديد كان احدى الوسائل، وأشعار نزار قباني السياسية... الخ كانت محاولة لاعادة النظر في ما السبب الذي جعلنا نعتمد إما على القوة العسكرية او على السلطان، (والله ما دخل اليهود من حدودنا ولكنهم دخلوا من عيوبنا)، الخ. ربما اعادة بناء الثقافة ومحاولة تحويلها من المحور الرأسي الى المحور الأفقي... من تصور العلاقة بين طرفين كعلاقة بين الأعلى والادنى الى تصور علاقة بين طرفين تصورا أفقيا بين الأمام والخلف، حتى نقضي على التصور الهرمي للعالم الذي قتلنا في الجيش وفي الدولة وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي الأسرة وفي التعليم، ثم نقضي على أحادية الطرف في الفكر ومخلفات »الفرقة الناجية« التي هي فرقة السلطان، وبالتالي القضاء على معوقات التقدم في الثقافة العربية. { أتقصد ان البداية يجب ان تكون في الثقافة؟ نعم، بدأنا بالمفكرين الأحرار في القرن الماضي، الطهطاوي، خير الدين التونسي وغيرهما، ثم جاءت النظم العسكرية عن حق من أجل الاصلاح الزراعي والقضاء على الملكيات والدخول في التصنيع. لكننا أغفلنا الحريات العامة. بدأنا بالمفكرين الأحرار وانتهينا بالضباط الأحرار. لكن هل نستطيع في فترة ثالثة تجاوز الخمسينيات والستينيات وكبوة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات التي ما زلنا فيها حتى الآن! ان الذي يريد ان يثوّر العالم العربي عليه تثوير الثقافة... الثقافة الشعبية. أنا أخشى ان نكون نحن العرب في إطار لا أقول ازمات إنما انكسارات وعجز عن حل القضية الفلسطينية وتحرير فلسطين، وعجز عن تحقيق المشروع القومي العربي والتبعية لما يسمى عصر العولمة.. الخ. أنا أخشى ان يترجم هذا العجز الوقتي الى عدم رؤية استراتيجية تحدد مصير العرب في المستقبل. ولكي تثوّر الثقافة العربية عليك ان تضع الثورة داخلها ليس ثقافة ليبرالية على النمط الغربي، ولكن تثوير الثقافة بأبعادها ومحاورها ومصطلحاتها ورؤيتها . فالثقافة في البلاد النامية تمثل الأيديولوجيات السياسية في البلاد المتقدمة. تثوير الثقافة، والتراث، هذا هو المكون الرئيسي للثقافة العربية، ولا فرق بين تراث مسيحي وإسلامي ويهودي وبابلي وكنعاني، فكل ذلك يتشابك ويتداخل ويتفاعل داخل الثقافة العربية... بدون إعداد مرحلي مستقبلي على الأمد الطويل وليس على الامد القصير. من اجل إعداد العرب من اجل مرحلة مقبلة، ليس في القرن الحادي والعشرين، لكن لإقالة الدولة الوطنية من عثرتها ولإقالة حركة التحرر العربي من عثرتها... هذا هو مساري التاريخي. كنت في عصر ليبرالي منذ القرن الماضي ثم اصبحت في عصر اشتراكي في اواسط هذا القرن، وتعثرتُ في الاول وتعثرتُ في الثاني، وبالتالي أنا أُعد نفسي لفجر نهضة عربية ثالثة تستطيع ان تستعيد الحريات التي فقدناها والعدالة الاجتماعية التي ضاعت منا.