As Safir Logo
المصدر:

بنت جبيل حاضرة جبل عامل تشطير للحدث بانصاف مشاهد ملتبسة

المؤلف: دعبول ابراهيم التاريخ: 1998-10-17 رقم العدد:8126

لكي تكون قراءة تاريخ اي جزء من المنطقة العربية موضوعية ينبغي اولا إدراك واقعه كما هو فعلا بما فيه التحديات التي تواجهه. من هذا المنطلق يأتي ردنا على بعض ما تضمنه كتاب »بنت جبيل حاضرة جبل عامل« للدكتور مصطفى بزي الصادر حديثا عن دار الامير للثقافة والعلوم. تناول المؤلف في كتابه التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بنت جبيل متجنبا الإشارة الى الظروف التي عاشتها أيام الاستعمار التركي ومن ثم الانتداب الفرنسي، وذلك ربما لكي لا يضطر للحديث عن ظروفها في ظل الاحتلال الاسرائيلي وقد يكون بذلك توخى الحذر في ظروف رأى انها لا تسمح بذلك. بغض النظر عن القصد من هذا »التجنب« يمكن القول ان المؤلف ارتكب خطأ في محاولة القفز من فوق الاحداث لأنها بادية للعيان. ممارسات العدو في بنت جبيل ومنطقتها معروفة لدى الجميع، و»حزام الأمن« المزعوم ليس في حقيقته سوى حزام جحيم وإرهاب لأبناء المنطقة. فهل يجوز للمؤلف ان يتجاهل هذا الواقع سواء عن قصد او من دون قصد؟ لقد تحدث عن اوضاع بنت جبيل وكأن ليس هناك من احتلال او تهجير ولا ممارسة قمع بأبشع صوره وبأقسى مما كان في ظل الاحتلال التركي والانتداب الفرنسي. ومعلوم ان الاحداث السياسية والامنية التي تشهدها المنطقة هي التي فرضت التوزيع السكاني بحيث لجأت عائلات كثيرة الى بنت جبيل بحثا عن »استقرار اقتصادي« في وقت هجرت عائلات كثيرة بحثا عن أمان وطني. ولقد عرض المؤلف لشيء من هذا لكن عبثا تجد وأنت تقلب صفحات كتابه اية إشارة لقاسم مشترك وتاريخ مشترك لهؤلاء الناس. فما يعرضه الكتاب هو صورة عن مجموعة من العائلات المقيمة في بنت جبيل منعزلة ومتناحرة لا وجود لروابط تجمع بينها. واللافت في ما يذهب اليه هنا هو تركيزه على العائلات ذات الأصول الاقطاعية و»إنجازاتها« متجاهلا انها وفرت الأرض الخصبة للتداخلات الخارجية الطامعة بهذه الارض. ان قراءة دقيقة للكتاب تبين خلوه من أي عرض لأحداث سياسية بارزة او محطات رئيسية في منعطفات مهمة وذلك خلافا لما ورد في عنوانه عن »التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية«. فما سرده يجعل القارئ يصاب بدوار لكثرة ما أورد من أسماء، وبالآلاف، وكلها لا علاقة لها بالتطورات السياسية والاقتصادية من قريب او بعيد. لقد حفل تاريخ بنت جبيل بأحداث سياسية وأمنية كبيرة الاهمية منذ أوائل هذا القرن. كيف يغيّب المؤلف مناضلين كثيرين من بين ابنائها، لعبوا دورا مهما في الحياة السياسية للبلدة وبعضهم تعرض للنفي والأسر والقتل، بسبب مواقفه وأفكاره، ومع ذلك لم يرد في كتاب الدكتور بزي اي ذكر لهم لا بالأسماء ولا بالعناوين ولا بالموقع. ومع احترامنا وتقديرنا للجهود التي انطوت عليها صفحات الكتاب، من المؤسف ان يكون أسقط المفاصل الاساسية لتاريخ البلدة. لقد سار الكاتب بمحاذاة الحدود التاريخية والجغرافية، متجنبا ملامستهما، ربما بقصد توخي الحذر كما أسلفنا. وفي ذلك شيء من العبثية التي نتمنى ان تكون غير مقصودة. ان صفحات الكتاب التي تتعدى الألف كان يجب ان تتضمن الكثير مما نحتاجه في ظروفنا الراهنة، بدلا من السرد الممل لجزئيات تشطّر الحدث بأنصاف مشاهد ملتبسة. (*) مدرّس.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة