As Safir Logo
المصدر:

طواحين التضليل الذاتي وحقيقة اليهود والصهيونية

المؤلف: سعادة وسام التاريخ: 1998-10-14 رقم العدد:8123

لا يشاد وعي تحرري استنادا الى منظومة أضاليل، ولا يستديم صراع حضاري ضد الصهيونية بالتماثل مع منطلقات النقيض والانزلاق الطوعي لحقله الايديولوجي، واعتبار علاقة الاختلاف بين النقيضين هي بالموقع لا بالبنية، وانها بالتالي علاقة تماثل من حيث البنية الأيديولوجية التي يتحرك فيها النقيضان كل باتجاه إضفاء الشرعية على الموقع الآخر. ونموذج ميشال شيحا يوضح ذلك: فقد دفعه تصوره لخطر اسرائيل الجهنمي الكوني الى قوله بخطر النضال ضد اسرائيل، اما الخطاب الشعبوي الشوفيني فيقول بمواجهة الوهم بوهم مضاد، وبمقاومة الوعي الزائف بمنظومة أضاليل كنا وما زلنا من ضحاياها لأن تحديد من هو العدو أساس لخوض اي معركة، فالنضال ضد طواحين الهواء ليس نضالا، والواقع لا يُقرأ على ضوء سقطات الخيبة والعزاء والرجاء التي تنفثها العقائد الكلامية، من قومية شوفينية وسلفية غيبية ويسارية تقليدية. كما ان دحض هذه الأضاليل أمر تعجز عنه تلك الأقلام التي تحاول استبدال الرعب الهستيري ازاء الصهيونية، بتحجيم تعسّفي لخطر هذه الأخيرة، ما يقتضي بطبيعة الحال الموافقة الضمنية على مرتكزات أساسية في الفكر الصهيوني! بعد نصف قرن من اكتشاف واقع هزيمتنا، لا نزال عرضة لأضاليل تماهي بين الحاضر والماضي، فتنحر كل طموح مستقبلي حين تقر بميثولوجية المعركة، وحين تبحث عن حكاية مونيكا لوينسكي في ذاكرة العهد القديم، او حين تختزل التاريخ لصراع ثنائي بين يهود وغوييم وكأننا نؤكد بذلك صفاء اليهود كعنصر وتفوقهم كمخطط مهول نفسر به الاقتصاد والسياسة والثقافة في عصرنا. المرجعية العامة لعملية التضليل الذاتي هي اسطورة السرطان اليهودي العابر للتاريخ، ثعبان يهوذا مخرب الحضارات. وسند هذه المرجعية قراءة غيبية للنص التوراتي تختزل النص لنزعة اصطفائية عنصرية، ولنسق اجتماعي فاسد أساسه الغدر والعهر في السماء وعلى الأرض، وتتوهم ان القبائل العبرية هي الوحيدة التي ادعت أنها مختارة وان أرضها موعودة. هكذا تغزو مكتبتنا العربية سنويا عناوين تعرض النص التوراتي وكأنه كتاب داعر ليس الا، ما يذكرنا بموقف بعض الأقلام من أديان اخرى، تماما كأدبيات مصطفى جحا وأبو موسى الحريري وأمثالهما مع الدعوة المحمدية! التوراة هي ملحمة انسانية لنحت فكرة الإله على ضوء مسيرة اسطورية قامت بها جماعة بشرية عبر تاريخنا السحيق، وعلى قاعدة الغرف من التراث المشرقي القديم. وتبرز اهمية هذه الملحمة من خلال تطور فكرة الإله الواحد داخلها، باتجاه التحرر من الرواسب الوثنية والأنتروبومورفية (إسقاط صفات البشر على الآلهة)، وباتجاه الانتقال الى مفاهيم الحلول الإلهي في الانسان، ما سيؤمن الأرضية الثقافية الأخلاقية للجدلية العضوية التي أقامتها المسيحية بين الإله والإنسان. والعلاقة بين النص التوراتي والتشكل الديني اليهودي ليست علاقة مباشرة، وعلاقة الدين اليهودي بما سيعرف لاحقا بالمسألة اليهودية ليست علاقة ميكانيكية مقفلة: يقول ماركس »يجب ألا نبحث عن سر اليهودي في دينه، بل لنبحث عن سر الدين في اليهودي«. فالمسألة اليهودية طرحها سياق ثقافي مسيحي اوروبي ولم ترد منعزلة في مملكة داود. ويشير ماركس الى ان »المسيحية متحدرة من اليهودية. وقد ذوّبت مجددا في اليهودية«. فالمجتمع المسيحي القروسطي سيشهد تراكما رأسماليا بدائيا، مترافقا مع تطور الاقتصاد السلعي داخله، وقد ارتبط هذا التراكم بالأقليات اليهودية فغدا »المال اله اسرائيل الجشع« بالنسبة لماركس الذي أوضح انه »إله لا يمكن ان يصمد اي إله أمامه« وان »المال يحط من قدر آلهة الانسان، ويحولها لسلع«. لذا فقد طرح ماركس الشاب اشكاليات ثلاث تتجاوز المسألة اليهودية التقليدية. بادئ ذي بدئ كشف محدودية مقولة المجتمع المدني (واستطرادا العلمانية التقليدية)، فالخلافات الثقافية التاريخية لا تلغى بنقل الشأن الديني من القانون العام الى الخاص (وهذه الاشكالية يتبناها هرتسل حين يقول »ان خطأ الليبراليين العقائديين يكمن في ظنهم انه بالإمكان جعل الناس متساوين بموجب مرسوم«). اما ثانية الاشكاليات فتتعلق بمدى ارتباط تحرير اليهود بالتحرير العام للمجتمع، ففي حين كان برونو باور يقول بضرورة تلافي اي خصوصية يهودية في النضال العام من اجل التحرر السياسي، طرح ماركس فكرة مميزة »الانعتاق المجتمعي لليهود، هو انعتاق المجتمع ازاء اليهودية«، وهذه العبارة توضحها الإشكالية الثالثة المتعلقة بالعلاقة العضوية بين اليهودي والرأسمال، وهذه اشكالية أساسية لتحليل ظاهرة العداء للسامية ولدراسة نشأة وماهية الصهيونية، ولكنها ليست اشكالية يختزل التاريخ الاقتصادي العالمي اليها. يعتبر ابراهام ليون ان »اليهودية كانت عنصرا لا غنى عنه في المجتمع ما قبل الرأسمالي. لقد كانت تنظيما أساسيا داخله. وهذا ما يفسر ألفي عام من وجود اليهودية في الشتات. اليهودي كان سمة خاصة، شخصية في المجتمع الاقطاعي مثله مثل اللورد والقن« (ابراهام ليون، المسألة اليهودية تحليل ماركسي، باثفايندر نيويورك، صفحة 247). فالعوامل الثقافية والاقتصادية قد منعت على اليهود الشؤون الادارية والعسكرية وقطاعات الانتاج الزراعي والحرفي في العصر الاقطاعي، والكنيسة حظرت تعامل رعاياها بالربى في عهد كان الاقتراض بفوائد مرتفعة قد بات حاجة اقتصادية، فاندفع اليهود للمجال التجاري بعامة، والمالي المصرفي بخاصة. لم يكن الرأسمال عنصرا اقتصاديا مهيمنا مرتبطا مباشرة بالانتاج الاجتماعي، وبالتالي لم يكن المصرفيون اليهود فئة مسيطرة في مجتمعهم. وكانت النتيجة ان تضاعف السخط الشعبي ضد اليهود، واستثمر الحكام هذا السخط لمصادرة أموالهم، ما شبهه هرتسل بعملية »جباية نوع من الضرائب غير المباشرة«، ومما دفع العنصر الرأسمالي الوليد لتطوير نوعي لآليته النقدية (اي باتجاه الاستثمار في القطاع المالي نفسه) وبشكل يسمح بسرعة انتقال الأموال. وقد اوضح ذلك هرتسل بقوله »كان يجب علينا ان نستعد للهرب في اي وقت، فكيف نخبئ ممتلكاتنا ونتفادئ سلبها، هكذا ولدت علاقتنا مع المال«. ومع الرأسمالية تركز دور البرجوازيين اليهود في القطاع المصرفي، ثم كان لهم دور بارز مع نشأة الرأسمال المالي، المستقل نسبيا عن ميادين الانتاج. وفيما كانت أسوار الغيتو في اوروبا القروسطية تقيم توازنا بين اضطهاد اليهود وبين وظيفتهم الاقتصادية، انوجدت »المسألة اليهودية« الحديثة مع هدم الثورات الديموقراطية لهذه الأسوار وإقرار الحريات المدنية والسياسية، فكان النزاع بين اندماج اليهود في مجتمعهم او انعزالهم داخله او على تخومه، وكان الانتقال من العداء الديني لليهود الى »معاداة السامية« على أساس اجتماعي، ثقافي وسياسي. وقد انعكس تفاوت التطور الحضاري في اوروبا من خلال المسألة اليهودية، ففي حين شرع يهود غرب اوروبا بالمشاركة في الشأن العام، ظل يهود شرق اوروبا اسرى سلطاتهم الدينية من جهة، وضحايا اضطهاد مضاعف من قبل الأنظمة الأوتوقراطية مع نمو الحركات الثورية وانخراط يهود ضمنها، فكانت المجازر القيصرية من جهة، وكانت الكراهية لليهود تتضاعف بتنامي هجرتهم من الشرق الى الغرب، لتطال المقيمين والوافدين: من هنا نشأت الاشكالية المركزية في الفكر الصهيوني والتي عبر عنها هرتسل بالقول »اللاسامية هي نتيجة انعتاق اليهود« وبالتالي الجزم بعجز خيار الاندماج وخيار الاستقلال الثقافي غير الجغرافي، والتأكيد على احادية الحل: تجميع يهود العالم أجمع ما يؤمن ليس فقط تحررهم من أشكال الاضطهاد بل ايضا مما وصفه هرتسل »سماتنا غير الاجتماعية«. لم تولد الحركة الصهيونية اذاً كمؤامرة للسيطرة على الكون، كمخطط غالبا ما يشار اليه، من قبل قوميين وإسلاميين وشيوعيين، بالعودة الى نص صاغه جهاز الأوخرانا القيصري الروسي، في إطار قمع الحركة الشعبية الروسية. لقد حاولت الأوخرانا اظهار النص وكأنه محاضر مؤتمر بازل الصهيوني الأول. ان معتمدي »بروتوكولات حكماء صهيون« كمرجعية معرفية يتجاهلون حقيقة ان هذه الدعاية العنصرية القيصرية قد أمنت تغطية سافرة لبوغرومات المئة السود بحق الكادحين من يهود وغير يهود، وان هذه الدعاية العنصرية قد لعبت دورا أساسيا في نشأة الصهيونية ونموها. وأغرب ما في الأمر ان يستمر الايمان بحقيقة البروتوكولات عند »شيوعيين« بارزين، متناسين ان البروتوكول الثالث يزعم بالحرف: »نحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال طبقا لمبدأ الأخوة والمصلحة العامة الانسانية«. والحركة الصهيونية لم تنشأ كحركة انبعاث قومي غير عنصري كما يدّعي من يقصر عنصريتها على ممارستها الاسرائيلية: ان مجرد اقامة مشروع قومي على أساس إقرار عدم انتماء طوائف دينية لمجتمعاتهم القومية هو مشروع عنصري يعتبر ان اضطهاد اليهود حاجة لانبعاثهم القومي! وقد تضاعفت هذه العنصرية بعدما وكّلت الصهيونية برأس حربة »الحضارة« من أجل حماية »الهمجية« من مخاطر انبثاق حضاري عصري في ربوعنا العربية. اما رواد التضليل الذاتي المحلي ممن يمجدون اضطهاد السامية في أوروبا فيعبّرون عن سادومازوشية المهزوم العاجز، المتجاهل ارتباط مأساتنا القومية بنتائج العداء للسامية، وهذا الجهل يبدو أشد فظاظة حين نتطوع كمحامي دفاع عن النازية، وعن روجيه غارودي الذي واصل مساعي اليمين المتطرف وأعاد صياغة معظم أفكار كتاب موريس بارديش (الفيشي الصميم)، المنشور عام 1948 تحت عنوان »نورمبورغ وأرض الميعاد«. ان انتقال النازية من اعتماد القمع الرجعي لليهود في الثلاثينيات الى إقرار »الحل النهائي« (محو العنصر اليهودي من الوجود) غداة سيطرتهم على معظم أوروبا، قد أمّن هيمنة »الحل النهائي« الصهيوني المعادي لكل منجزات »الهسكالاه« (الاستنارة اليهودية منذ مندلسون)، وبالتالي رفض ثنائية انعزال او اندماج داخل المجتمعات الأوروبية، للدعوة لتجميع الغيتوات في دولة قومية على أرض فلسطين. ومع »الشووا« النازية طوّعت المرجعية الدينية لتقبّل مبدأ العودة كمهمة بشرية، وتأمنت الامكانية الديموغرافية لتحوّل نواة الاستيطان »الييشوف« الى كيان سياسي. وخلافا للرأي السطحي المستفهم عما يخصنا من إثارة موضوع »الشووا« فان هذه الجريمة الهمجية تضع موضع الرفض مسألة تمتع الصهيونية بتفويض شهداء المحرقة لحمل قضيتهم: بمعزل عن مزاعم كوشفينيكوف والعنصريين المقنعين ممن اعتبر ايخمان ومعسكرات الإبادة من صنع الصهيونية، وبصرف النظر عن ضلوع عصابات الصهيونية »التنقيحية« في المحرقة، فان مسؤولية الصهيونية تتحدد على ضوء التعامل الايجابي مع الاضطهاد النازي في مرحلته »القروسطية الجديدة« في الثلاثينيات (اي اعادة الغيتوات والقيام بمجازر موسمية). وهذا التعامل يمليه المبدأ الصهيوني الذي يربط خلاص اليهود بتصاعد اللاسامية. كذلك طرحت حنة ارندت ما سيعرف بنظرية »مسؤولية الضحية« اي الدور الانهزامي للمجالس الدينية (المعادية للنظريتين الصهيونية والاندماجية) التي نصبها النازيون لإدارة الغيتوات الجديدة في الثلاثينيات، والتي شلت اي مواجهة لعمليات الإبادة »النهائية« في الأربعينيات. لكن قيام اسرائيل لم يكن نتيجة لاضطهاد السامية فقط، او حتى للإبادة النازية، بل هو أساسا نتيجة الارتباط العضوي بين أزمة أقليات ثقافية دينية في أوروبا، وبين الذهنية الاستيطانية في الاستعمار الاوروبي، حيث جسّدت اسرائيل بالنسبة لهذه الذهنية »روبنسون كروزوه« من نمط جديد يمارس العمل »العبري« المنتج، ويبقي على »اوروبيته« عملا بقول هرتسل »لدى خروجنا من مصر مرة اخرى، لن ننسى خلفنا قدر اللحم«، بل ويمارس »اوروبيته« على »السكان الأصليين« على »جمعة« الفلسطيني، وعلى الموسويين العرب ممن تعاونت الأنظمة الرجعية والوكالة اليهودية على ترحيلهم الى »اسرائيل«، وهذه الدولة قائمة على أساس هذا التناقض بين كونها تجميعا للغيتوات وبين مشروع الدولة القومية. لكن هذا التناقض لا يعني تمزقا كاريكاتوريا كما يحاول ان يظهره رواد التضليل الذاتي عند كل ازمة بين وزير اسرائيلي ومعاونه. فالتضليل الذاتي يحاول شل قدرات النضال ضد اسرائيل والصهيونية، عن طريق تصوير الأولى كثكنة عسكرية في داخلها مجتمع ممزق وعلى حافة الانهيار، وعبر إظهار معاكس للحركة الصهيونية كمؤامرة كونية، او كما يعبر عنه أيتام الدوغما الشعبوية بالزعم »ان الصهيونية هي أعلى مراحل الامبريالية« فتصبح الهزيمة القومية حصيلتنا من قدر يرضخ له العالم بأسره، ولا شأن لنا بها انظمة وشعوبا. فمن يرجع كل مآسي الدنيا للصهيونية يحوّل الاخيرة الى يد خفية لا مجال لمقارعتها وهزيمتها، ومن يعتبر الخزر الأشكيناز من نسل خيبر يمكنه غدا اعتبار كل يهودي، صهيونيا كان او لم يكن، نموذجا لمروءة ونخوة السموأل بن عادياء!

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة