عندما يقول الرئيس التركي، بكل وضوح، انه يستقبل الرئيس المصري »كصديق« وليس »كوسيط« بين تركيا وسوريا... فإنه يوضح بذلك نية المؤسسة العسكرية التركية العدوانية تجاه العرب وقضاياهم بعدما استقوى جنرالات اتاتورك باتفاقياهم العسكرية والامنية مع »اسرائيل«؛ لأن هذا الحلف الجديد بين العنصرية الصهيونية اليهودية والقومية الطورانية التركية موجه اساسا ضد العرب. ويوضح كلام رئيس الوزراء التركي »مسعود يلماظ« اساس المشكلة التي كنا نتمنى ان نسمعها من المسؤولين العرب الرسميين او من الاحزاب القومية العربية عندما طالب سوريا الاعتراف رسميا وعلنيا بشرعية ضم تركيا لواء الاسكندرون العربي اليها بالقوة بعدما تواطأت تركيا وفرنسا قبل قيام دولة »اسرائيل« على دفن الحلم العربي بإقامة امبراطورية عربية، لأن قيام دولة عربية واحدة على الأرض العربية كلها يجعل تركيا دولة صغيرة جدا امام المارد العربي... لذلك عملا، يومها، على حبس هذا المارد الجبار في قمقم الدول القطرية، او في قمقم الدولة العشائرية، او في قمقم التخلف والجهل والفقر والأمية والتبعية، ما يعني ان الطفل الصغير يستطيع ان يتصرف بمصير هذا القمقم... لأن تركيا و»اسرائيل« واميركا وبريطانيا تعرف معرفة اكيدة ان هذا المارد اذا ما تحرر من قمقمه وانتصب فإن العالم كله سيشهد تحولا في مجرى التاريخ... وطالما لم ينبت ريش هذا الفرخ فإن صغار الفئران تستطيع التغلب عليه، وافتراسه، وأكله... ولو كان الفرخ فرخ نسر... لكن هذا الفرخ اذا ما استكمل شروط نموه انقض على الذئب وافترسه (1)، سواء أكان هذا الذئب »اسرائيل« أم »حكم جنرالات اتاتورك« ام حصار اميركيا وبريطانيا واليهود الصهاينة لكل الاقطار العربية. إن محاولة تركيا، اليوم، انتزاع شرعية ضمها لواء الاسكندرون السليب من سوريا ناتجة عن خوفها من انبعاث الحلم العربي، ومن عودة اللواء الى حضن الامة العربية الخالدة لتشكل جبال طوروس الحدود الطبيعية في الشمال بيننا وبين العنصر الطوراني التركي... على الرغم من ان اعداء امتنا يرون هذا الحلم العربي بعيدا ونراه قريبا؟ لأنه لم يمت يوما في نفوس العرب بشكل عام وفي نفوس عرب لواء الاسكندرون بشكل خاص كما لم يمت حلم عودة فلسطين الينا ... هذا الحلم الذي تفجر سنة 1956 في وجه الاتراك عندما دخل مفتش المعارف التركي الى مدرسة في قرية عربية في اللواء السليب، وألقى على التلاميذ العرب بعدما ظن الاتراك ان ابناءنا في اللواء قد شربوا التتريك ونسوا عروبتهم ألقى على التلاميذ هذا السؤال: من منكم يعرف اسم رئيس الجمهورية؟ رفع الطلاب جميعهم أصابعهم... فقال لهم: من هو؟ فقالوا بصوت واحد: جمال عبد الناصر! (2). ألا يشبه صوت هؤلاء التلاميذ صوت ذلك الرجل العربي الطاعن في السن، عندما تحدى »نتن ياهو«، سنة 1968، وعلّمه درسا في الانتماء لم يستطع ان ينساه، فرواه بحسرة، قائلا: »التقيتُ عربياً طاعنا في السن، وأجريت معه الحديث التالي: س: من اين انت؟ ج: من المجدل (مجدل هو الاسم العربي لمستوطنة اشكلون). س: ومن اين اولادك؟ ج: من المجدل (توقعت ان يكون اولاده من ابناء جيلي، لذلك من المحتمل ان يكونوا من مواليد المجدل حقا، لكن شيئا ما دفعني للسؤال ثانية). س: ومن اين احفادك؟ ج: من المجدل. س: هل ستعود الى المجدل؟ ج: إن شاء الله (يحل السلام ونعود الى المجدل). وقلت أنا ايضا: إن شاء الله تزور المجدل، ونحن نزور جباليا... لكن ابتسامته تلاشت دفعة واحدة، وقال: »نحن نعود الى المجدل، وأنتم تعودون الى بولندا« (3). نعم... سيعود العرب يوما الى المجدل والى كل فلسطين... وسىعودون الى لواء الاسكندرون السليب، طالما بقيت »اسرائيل« غير قادرة على تحقيق حلمها بانتزاع موافقة العرب على احتلالها ارضنا وهضمها شرعيا... وطالما بقيت تركيا غير قادرة على ضم لواء الاسكندرون وتتريكه شرعيا على الرغم من احتلالها له منذ سنة 1938، اي قبل قيام الكيان الصهيوني اليهودي الغاصب على أرض فلسطين المحتلة.. واذا كانت تركيا قد استعانت سنة 1915 بفرنسا للحيلولة دون عودة العرب الى مسرح التاريخ دولة عظيمة تنكسف فرنسا وتركيا في ظلها... فتبدوان دولتين صغيرتين... فإن تركيا تستعين، اليوم، ب »اسرائيل« شريكتها في العنصرية وفي كره العرب، وفي احتلال أرضهم، ومصادرة مياههم وتستعينان بأميركا، التي تعلن عن »تفهمها« للموقف التركي، وتؤكد انها »لن تعارض تركيا« في حربها ضد سوريا... ولن تعارضها في »الدفاع عن نفسها«... وكأن سوريا هي التي احتلت الأرض التركية وضمتها اليها لا العكس! إن حل مشكلة لواء الاسكندرون كحل مشكلة فلسطين المحتلة لا يكون الا بإقامة الوحدة العربية الشاملة... او بالتنسيق تنسيقا قوميا وفعالا، وخصوصا بين جيوش كل من سوريا، ومصر، والعراق، والمملكة العربية السعودية، وليبيا، واليمن، على الأقل... وبتوحيد قيادة هذه الجيوش، والاستفادة من خبراتها، ومعداتها، وتنوعها، وتوزعها الجغرافي، الذي يكسبها ميزة استراتيجية لا تمتلكها »اسرائيل« او تركيا... ثم بالتنسيق مع ايران، واليونان... ويجب ان يصاحب ذلك التنسيق ويسبقه تكوين رأي عام عربي متجانس وموحد، يحفز العرب جميعا على الاشتراك في الدفاع عن حياض الوطن العربي الكبير، ويبقي قضية فلسطين المحتلة، وقضية اللواء السليب، وقضية جنوب السودان، وقضية حصار ليبيا والعراق... يبقيها قضايا حية في عقول اطفالنا وقلوبهم وأفئدتهم... حتى يقول جميع ابناء العرب من المحيط الى الخليج ما قاله اطفال اللواء السليب للاتراك محتلي أرضنا: إن جمال عبد الناصر... او حافظ الاسد... او يعرب بن قحطان هو رئيس الجمهورية... وحتى يقولون جميعا ما قال ذلك العربي الطاعن في السن لنتن ياهو: »نحن نعود الى المجدل، وأنتم تعودون الى بولندا«... عندها تستكمل هذه الامة شروط شخصيتها ببناء الدولة العربية الواحدة من المحيط الى الخليج... لتحل كل القضايا من موقع الحق والقوة، لا من موقع الضعف والاستعطاف. فهل تستجيب الانظمة العربية، والاحزاب العربية القومية، لهذا التحدي الذي يطاولها جميعا... ويطاول الوجود العربي في الاساس ام انها ستستكين امام التهديدات اليهودية »الاسرائيلية« والتهديدات التركية الطورانية المستقويتين على العرب بأميركا وبضعف العرب وتشتتهم في دول قطرية، لا يستقبل رئيس اكبر دولها في تركيا الا بفتور يستوجب لو كنا كما يجب ان نكون إعلان الحرب ووطء انقرة واستنبول بسنابك خيولنا كما فعلنا أول مرة؟ وهل نكرر ما بدأنا به من ان قضية لواء الاسكندرون السليب هي مسؤولية قومية عربية قبل ان تكون مسؤولية سورية قطرية؟ مصادر 1) الأرسوزي (زكي)، صوت العروبة في لواء الاسكندرون، انظر (المؤلفات الكاملة)، دمشق: مطابع الادارة السياسية للجيش والقوات المسلحة (1974 م 1394 ه)، ص: 3/306. 2) الأرسوزي، المصدر نفسه، ص؛ 3/303. 3) نتنياهو (بنيامين)، مكان تحت الشمس، ترجمة محمد عودة الدويري، وراجعه وصوبه: كلثوم السعدي، عمان: دار الجليل للنشر والدراسات والابحاث الفلسطينية، الطبعة الأولى (1995)، ص: 256.