بدأ الحديث عن استخدام »سلاح النفط«، من أجل المساعدة في تحقيق الأهداف القومية للعرب منذ أوائل الخمسينيات، إلا أن السعودية بالأخص الملك الراحل فيصل عارضت الفكرة على أساس المخاطر التي يمكن أن تنجم عنها، وعلى أساس ان هذا السلاح لن يكون فاعلا في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، التي كان من المتوقع أنها ستظل بعيدة عن الاعتماد بقوة على النفط الخارجي حتى العام 1985، بسبب احتياطيها المرتفع من النفط. وعلى الرغم مما كان معروفا عن فيصل من عداء وكراهية لإسرائيل والصهيونية، إلا انه كان يرى في استخدام النفط كسلاح من الأضرار أكثر بكثير من الفوائد. وعندما دعا الرئيس المصري الراحل أنور السادات في العام 1972 الى استخدام سلاح النفط، سارع فيصل الى المعارضة، قائلا ان هذا ليس فقط من دون فائدة »بل أيضا من الخطر حتى التفكير فيه«. مؤكدا على ضرورة عدم دمج السياسة والنفط. وكانت السعودية قد اكتشفت في أعقاب حرب العام 1967 ان وقف ضخ النفط لم يؤد سوى الى إلحاق الخسائر بها وبأسواقها. كما أن نشوء دولة اشتراكية في جنوب اليمن والخوف من تنامي المد الراديكالي في المنطقة جعلا الرياض مترددة في القيام بخطوة توتر علاقتها بالولايات المتحدة. إلا أن تغييرا أساسيا حصل في العام 1973 في نظرة السعودية الى موضوع استخدام سلاح النفط، وكان السبب الأساسي شعورها بقوة موقعها النفطي، إذ ان ما كان متوقعا من اعتماد الولايات المتحدة على النفط الخليجي في العام 1985، حصل في العام 1973، ففي تلك السنة باتت حصة السعودية من سوق التصدير العالمي 21 في المئة بعد أن كانت في العام 1970، 13 في المئة. ووصل الانتاج اليومي من النفط السعودي الى 4،8 ملايين برميل بعد أن كان في العام 1972، 4،5 ملايين برميل يوميا. وبرزت وجهات نظر عربية، وبالأخص من جانب الكويت، تعارض الزيادات الكبيرة في إنتاج النفط لبيعه في مقابل عملات ورقية تنخفض قيمتها في العام الذي سيلي. ولاقت وجهات النظر هذه قبولا من جانب السعودية. يضاف الى ذلك حقيقة ان الملك فيصل كان يميل الى السادات، خصوصا وانه سعى إلى إلغاء عهد عبد الناصر، والتوجه بمصر بعيدا عن الاتحاد السوفياتي. وكان فيصل يرى انه من الضروري مساعدة السادات حتى لا يعود الى الارتماء تماما في أحضان السوفيات. وكان السادات قد أقام علاقات وثيقة مع السعوديين من خلال موقعه (قبل أن يصبح رئيسا) كأمين عام لمنظمة المؤتمر الاسلامي. وإضافة الى الضغوط التي بذلها السادات لإقناع فيصل باستخدام سلاح النفط، فإن الجو العربي، حتى في داخل السعودية، كان ضاغطا من أجل مشاركة دول المواجهة في عبء مواجهة إسرائيل. ولعبت حركة المقاومة الفلسطينية وتأثيرها في أنحاء الوطن العربي دورا رئيسيا في هذا الضغط. وبالتالي فقد اجتمعت عوامل اقتصادية وسياسية قوية، لإقناع الملك السعودي بتغيير موقفه من مسألة استخدام سلاح النفط، ليترجم ذلك الى واقع استخدام النفط كسلاح للمرة الأولى في التاريخ، وتحديدا التاريخ العربي. الشعور بالخطر وبدأت شركات النفط الأميركية، تكساكو وشيفرون وموبيل، تستشعر الخطر من احتمال لجوء العرب وتحديدا السعودية الى حظر نفطي، الى درجة ان هذه الشركات الكبرى، طالبت الادارة الأميركية بتغيير مواقفها تجاه القضية العربية. وفي مقابلات مع »الواشنطن بوست« و»الكريستيان سينس مونيتر« و»النيوزويك« وشبكة تلفزيون »ان. بي. سي« اتخذ فيصل موقفا معلنا: »ليست لدينا أي رغبة في تقييد صادراتنا النفطية الى الولايات المتحدة.. إلا أن دعم أميركا الكامل للصهيونية ووقوفها ضد العرب، يجعل من الصعوبة بمكان، بالنسبة إلينا، استمرار تزويد الولايات المتحدة بالنفط، أو حتى الإبقاء على صداقتنا للولايات المتحدة«. وفي 23 آب 1973، قام الرئيس المصري بزيارة الى السعودية أبلغ في خلالها الملك السعودي بالنية في شن حرب على إسرائيل، وطالب بتأييد ودعم السعودية لقراره هذا. ووعد فيصل بتقديم نصف مليار دولار كمساهمة في المجهود الحربي المصري. وردا على طلب السادات استخدم سلاح النفط، استمهل فيصل بعض الوقت وقال »لا نريد استخدام نفطنا كسلاح في معركة لا تدوم سوى ليومين أو ثلاثة نريد أن نرى معركة تستمر لوقت كاف، يمكن من خلاله التأثير في الرأي العام العالمي«. وكان اللافت ان حرب تشرين اندلعت في وقت كانت فيه الدول النفطية تتفاوض مع شركات النفط الكبرى على رفع الأسعار بنسبة مئة في المئة، وهو ما رفضته الشركات بشكل قاطع. ووجهت الشركات الأميركية الكبرى آنذاك رسالة مشتركة الى الرئيس ريتشارد نيكسون تطالبه بتدخل الادارة الأميركية في هذا المجال. وعلى الرغم من أجواء الحرب التي سادت المنطقة قبل اندلاعها، وبرغم معرفة السعودية المسبقة بنوايا مصر وسوريا، إلا أن اندلاع الحرب في السادس من تشرين الأول أخذ الجميع على حين غرة. حرب النفط وسارعت الدول النفطية الى عقد اجتماع في الكويت في الثامن من تشرين لبحث سبل استخدام سلاح النفط. وطالب العراق في الاجتماع بتأميم الشركات الأميركية وسحب الودائع العربية من الدول المؤيدة لإسرائيل ووقف تصدير النفط الى الولايات المتحدة بالكامل. إلا أن الجانب الجزائري اعتبر الطرح العراقي غير مقبول وغير عملي. وردت السعودية بالقول ان الطرح العراقي يعني إعلان حرب اقتصادية شاملة على أميركا، وهو أمر غير عملي وغير مفيد ونتج عن التباين في وجهات النظر انسحاب العراق من الاجتماع. واستمرت النقاشات والاتصالات حتى السابع عشر من تشرين الأول عندما اتفقت الدول النفطية العربية على خفض إنتاج النفط بنسبة خمسة في المئة، على أن يخفض بالنسبة نفسها كل شهر، حتى تحقيق المطالب العربية. وباشرت الدول العربية بالخفض في اليوم الذي تلاه، وعمدت بعضها الى خفض الانتاج بنسبة 10 في المئة. وفي التاسع عشر من تشرين الأول قررت إدارة نيكسون تقديم مساعدات لإسرائيل بقيمة 2،2 مليار دولار، فردت ليبيا على ذلك في اليوم نفسه بوقف كل شحنات النفط الى أميركا. واتخذت السعودية قرارا مماثلا في 20 تشرين الأول، فكان قرار استخدام النفط كسلاح مفاجئا بنفس درجة قرار شن الحرب. ثم تبعت الدول العربية الأخرى ليبيا والسعودية. وشمل قرار الحظر بالكامل كلاً من الولايات المتحدة وهولندا، ثم وسع ليشمل البرتغال وجنوب افريقيا وروديسيا، في حين تعرضت الدول الغربية الأخرى واليابان الى نسب خفض أقل. وبلغ مقدار الخفض في إنتاج النفط العربي في النصف الثاني من تشرين الأول حوالى 8،20 مليون برميل يوميا، ما أصاب العالم بهزة قلّ مثيلها. وساعد في تأثير القرار ان الخفض جاء في أوائل أيام الشتاء ما جعل تأثيره مضاعفا، وشهدت عواصم العالم أزمات وقود خانقة، وحتى انه في بعضها عاد الناس الى استخدام وسائل النقل البدائية كالدواب والعربات. إلا أن التأثير السياسي الرئيسي كان توجه الأوروبيين الى انتهاج سياسة في الشرق الأوسط، متميزة عن السياسة الأميركية. ومنذ ذلك الوقت باتت أوروبا بعيدة نوعا ما عن سياق السياسات الأميركية. أما اليابان فقد عمدت الى اتخاذ مواقف ودية تجاه العرب، على الرغم من قيام وزير الخارجية الأميركية آنذاك هنري كيسنجر بزيارة اليها محاولا إقناعها، بعدم تغيير سياساتها. وشكل ذلك أول انقسام في السياسة الخارجية عن الولايات المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. نتائج سياسية واستمر الحظر النفطي العربي شديدا حتى أواخر كانون الأول، برغم تراجعه قليلا وبصورة تدريجية بعد وقف إطلاق النار في الرابع والعشرين من تشرين الأول وبعد الاتفاق على بدء مفاوضات فك الارتباط. ولعب سلاح النفط دورا رئيسيا في إجبار الولايات المتحدة وبالتالي إسرائيل على القيام بالخطوات نفسها على الجبهة السورية، في ما يتعلق بفك الارتباط والانسحاب من أراض سورية محتلة. وكان للسعودية دور أساسي في فتح الخطوط بين واشنطن ودمشق، إذ أعلنت الرياض أن الحظر لن يتوقف من دون حصول تحرك على الجبهة السورية، خصوصا وان سوريا بدت وحيدة آنذاك بعد توجه السادات المتسارع نحو فتح الخطوط مع واشنطن وتسوية مع إسرائيل. وكان نجاح كيسنجر في تأمين حدوث فك ارتباط على الجبهة السورية في أيار 1974، وظهور إمكانية بدء عملية تسوية وزيارة ريتشارد نيكسون الى إسرائيل ومصر وسوريا والسعودية، بمثابة التطورات الحاسمة التي أنهت حظر النفط، الذي بات في حزيران 1974 واحدا من أهم التطورات في القرن على صعيدي السياسة والاقتصاد. وبصرف النظر عن كل النتائج فإن الدول العربية أثبتت، ما كان مستبعدا للغاية، ان إمكانية استخدام النفط كسلاح، ونجحت الى حد كبير من استثماره سياسيا، بالمقابل فإن استخدام سلاح النفط حول منظمة »أوبك« الى قوة رئيسية في الاقتصاد العالمي قادرة على التحكم بالأسعار والسياسات. وكان من النتائج العملية رفع أسعار النفط من حوالى الخمسة دولارات قبل الحرب الى ما يزيد عن العشرين دولارا بعد الحرب. إلا أن أميركا لم تكن بين الخاسرين في ما جرى، إذ أظهرت النتائج ان الحظر انعكس إيجابا على الشركات الأميركية التي ازدادت عائداتها بقوة، في حين أن حظر النفط هز بقوة اقتصاديات أوروبا واليابان، وأثبت قدرة واشنطن التي تمتلك احتياطيات داخلية هائلة على مواجهة الموقف، بل والاستمرار بلعب دور القوة الرئيسية المتحكمة بالسوق العالمية. وكان الموقف العراقي متميزا في تلك الفترة، إذ اعتبرت بغداد ان الحظر كان لمصلحة واشنطن، وانه بالصيغة التي تم فيها استهدف تقوية الاقتصاد الأميركي في مواجهة اقتصاديات أوروبا واليابان. وصدرت مواقف مماثلة عن باحثين في الولايات المتحدة وأوروبا. ورأى محللون آنذاك أن كيسنجر كان وراء الحظر لتعزيز موقف واشنطن الاقتصادي، في حين رأى محللون ان نيكسون أراد الحظر لصرف النظر عن فضيحة »ووترغيت«، وقال محللون ان ما جرى كانت الشركات وراءه من أجل رفع الأسعار. لكن بالمقابل فإن استخدام سلاح النفط كان واقعا نقطة قوة أساسية ساعدت في التقليل من حجم الانهيار العربي في أعقاب تراجع السادات، وتركه سوريا وحيدة في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. يضاف الى هذا حقيقة ان حرب تشرين أتاحت للعرب للمرة الأولى إظهار سيادتهم على نفطهم..