As Safir Logo
المصدر:

افتتاح المؤتمر العالمي للتعليم العالي في باريس: 115 وزيرا يطرحون توجهات اكاديمية للقرن المقبل(صورة)

المؤلف: كليب سامي التاريخ: 1998-10-06 رقم العدد:8116

باريس سامي كليب: ثمة وقائع عديدة تجعل من »المؤتمر العالمي للتعليم العالي« الذي افتتحت أعماله في مقر منظمة الأونيسكو في باريس امس، محطة، أقل ما يُقال فيها، انها ضرورة جدا لوضع أسس التوجهات المقبلة للأجيال الراغبة بالعمل بعد التخرج، خصوصا ان التعليم العالي صار عبئا بقدر ما هو وسيلة للوصول الى المراكز المنشودة. من هنا تكمن أهمية المناقشات التي تستمر 3 أيام بمشاركة معظم وزراء التربية والتعليم العالي القادمين من القارات، أي ما مجموعه حوالى 115 وزيرا، إضافة الى عدة مئات من الباحثين من الدول التي تنتمي الى العالم بأسره. ويكفي أن نذكر في هذا السياق مثلا ان التعليم العالي بلغ في النصف الثاني من هذا القرن ضرورة توسعه حيث ازداد عدد الطلبة الملتحقين فيه بمختلف أنحاء العالم ستة أضعاف ما كان عليه سابقا. بحيث ارتفع هذا العدد من 13 مليون طالب عام 1960 الى 82 مليونا عام 1995 وهذا ما شدد عليه خصوصا أمس رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان الذي كان من بين الذين افتتحوا المؤتمر فأشار الى ان العدد ما فتئ يتزايد منذ بدايات القرن وانه لا بد من إيجاد السبل الكفيلة لتأطير الأجيال الجديدة وتوجيهها. وهو ذكر ان الطلاب في العالم قد يصل الى 100 مليون في الربع الأول من القرن المقبل. لكن هل ازدياد العدد يعني ازديادا في النوعية؟ من الاجابة عن هذا السؤال تبدأ فعليا أعمال المؤتمر الحالي للتعليم العالي الذي يتوج خمس مشاورات إقليمية جرت بين عام 1996 و1998 في هافانا وداكار وطوكيو وباليرمو وبيروت. فالواضح من خلال معظم مداخلات الأمس ان تزايد أعداد طالبي التعليم العالي يتزامن مع تزايد الفروقات الاجتماعية التي تؤدي حكما الى حصر التعليم الجيد بالقادرين ماليا على دفع »ثمن« ما يتعلموه بينما يعجز غيرهم من طلاب الدول الفقيرة والعائلات المحرومة من تحقيق الطموحات نفسها وغالبا في الأماكن نفسها. وفي هذا السياق قال جوسبان »إذا كان التعليم العالي يستوجب ضبطه على وقع السوق. فأنا ارفض المفهوم الماركانتيلي الذي يفرض الخضوع للسوق. فالسوق هو وسيلة وليس غاية الديموقراطية. فالجامعة هي ليست فقط مكان المعرفة والتقييم وإنما هي أيضا موقع تعلّم الديموقراطية وتأهيل المواطنين وسعادة الفرد. وبهذا المعنى نحن متعلّقون بالقطاع العام للتربية. وبالتالي بالدور الأساسي للدولة. حارسة المساواة في الفرص وضامنة ذلك.. ومن هنا أيضا ينبغي السهر على مراجعة حقوق التسجيل (في الجامعات) مستندين الى هاجس العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وتحدث جوسبان عن بلاده التي وإن كانت تضم جامعات عريقة إلا أنها عانت هي الأخرى في بعض المراحل من دور سلبي لعبته هذه الجامعات. وأشار الى ان عدد الطلاب في فرنسا تضاعف في خلال السبعين عاما المنصرمة. فكان 300 ألف عام 1900، أصبح مليونين حاليا. وقبل جوسبان تحدث مدير عام الأونيسكو فيديريكو مايور فشدد خصوصا على التغييرات الجوهرية التي طرأت على العالم على الصعد الفكرية الثقافية والتعليمية. بحيث صار ضروريا ان يتم الاهتمام ليس فقط بالجامعات والتعليم العالي كمصدر للتربية والتأهيل الفكري والثقافي والأخلاقي وإنما أيضا كانطلاقة هامة على مشارف القرن المقبل لبنى تحتية جديدة تضمن انتشار التكنولوجيا والمعارف الحديثة، بحيث يصبح مواطن الغد مواطنا متعدد المعارف والثقافات وقادرا على مواجهة التحديات. وفي الاطار نفسه تحدث الأمير طلال بن عبد العزيز الذي يحمل مشروعه للجامعة العربية المفتوحة الى كل هذه المؤتمرات ويأمل أن تتحقق قبل العام ألفين، فرأى ان »العولمة وبالرغم من تباين وجهات النظر حولها، أصبحت حقيقة لا مفر منها. »داعيا الى تطبيق المقولة« علّموا أبناءكم ما تريدون قبل أن يأتي من يعلمهم ما يريد. وأكد ان »البشرية اليوم هي أحوج ما تكون لتوسيع مساحات المصالح المشتركة بين الأمم والشعوب وترسيخ قيم العدالة والحرية والتضامن وفتح قنوات الحوار والتواصل. لأن هذه هي القيم التي تشكّل أساس الديموقراطية وبناء ثقافة السلام«. وكانت الجلسة الصباحية مجرد كلمات افتتاحية أعقبها عرض لدينامية المؤتمر العالمي الذي استغرقت الجهود لعقده عامين كاملين، ولنتائج المؤتمرات الاقليمية السابقة. ثم انتخاب رئيس للمؤتمر. فاعتماد النظام الداخلي وانتخاب نواب الرئيس والمقرر العام ورؤساء وأمناء فريق الصياغة واللجان. واعتماد جدول أعمال. أما الجلسات التي استهلت بعد الظهر فهي ناقشت وتناقش مهام التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين والتفاعل مع المجتمع بأسره والاستقلال المؤسسي وواجب المساءلة والحريات الأكاديمية الموضوعية والصرامة الفكرية والتغيير والالتحاق بالتعليم العالي. وحدّد المؤتمرون في مشاوراتهم التي سبقت المؤتمر الحالي وثيقة العمل بعدة مهام تتعلق بالتعليم العالي جاء فيها ان المطلوب من التعليم العالي هو ان يقوم من خلال أعماله البحثية والفكرية وبرامجه التعليمية والتدريبية وأنشطته التعاوني وشركائه مع شتى الأطراف الاجتماعية بالاسهام على نحو حاسم في فتح سبل جديدة لمستقبل أفضل للمجتمع والانسان عبر مهمة مزدوجة هي المشاركة النشطة في المشكلات الكبرى والعمل لتعزيز التنمية المستديمة والحفاظ على المعرفة عن طريق البحوث والابداع الفكري وفي تعليم المعارض ونشرها، إضافة الى مهمته الثقافية والأخلاقية في الحفاظ على الذاتية الثقافية وتأكيدها وتحقيق التعليم المستمر. ودعت الى تكريس العلاقات الفعالة مع الدولة وإقامة شراكة بناءة معها وتطوير التفاعل البناء بين الأطراف الاجتماعية وتزويد التعليم بالموارد الملائمة، والتفاعل مع الأطراف الرئيسية في المجتمع وعالم العمل والقطاع الانتاجي. وتطرق المؤتمرون ضرورة تحديث المعارف وتجديد التكنولوجيا التي تحدث انقلابات في بنية العمالة، ورأوا ان نسبة الأعمال باتت تتطلب معارض ومهارات عالية باتت الدراسات العليا ضرورية لممارستها، وأكدوا ان هذه ستقود الى تغيير عميق في مجال النشاط التعليمي على الصعيدين الكمي والنوعي، ودعوا الى إعادة النظر في مجمل النشاط التعليمي العالي لاستباق الاحتياجات والتطلعات والى التنويع والمرونة، والى إتاحته للجميع تبعا لكفاءاتهم كما تنص اتفاقية اليونسكو وتوسيع إطار التعليم العالي والى اجراء تغييرات في مستوياته وأشكاله وتحقيق الديموقراطية فيه وزيادة نسبة المشاركين. وتطرّقوا الى التعليم المفتوح والتعليم عن بعد والتكنولوجيات الجديدة التي توسع نطاق الانتفاع بالتعليم العالي لتشمل فئات اجتماعية جديدة، وهو ما يندرج في منظور التعليم المستمر للجميع. وأكدوا على أهمية الاتصال الانساني المباشر بين الطالب والمدرّس وبين الطلاب أنفسهم، داعيا المجتمعات الى إيلاء الأهمية القصوى للطلاب تعليما وإعدادا وتطلعات واحتياجات وحريات أكاديمية وهو ما يتحقق عبر الاستقلال الذاتي للمؤسسات التي عليها واجب الخضوع لمساءلة المجتمع. كما تناولوا أهمية البحوث باعتبارها وظيفة رئيسية للتعليم العالي بما تعنيه من إبداع لتأمين تعليم على مستوى عالٍ من الجودة والكمال، مع ما يتطلبه من تعاون على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية عبر إنشاء الشبكات وتطويرها. وشددوا على زيادة المهارات التربوية للمدرسين والطلاب وسيلة لإعدادهم وإثراء شخصياتهم وتشاطر المعارف بينهم، ولتقدير أفضل لشتى الثقافات وللتضامن الفكري والأخلاقي ولتحقيق التقارب بين الشعوب. وأكدوا على توقع احتياجات ومتطلبات المستقبل وألا يقتصر الأمر على احتياجات ومتطلبات الحاضر. ووزّع المؤتمرون أيضا الاعلان العالمي بشأن التعليم العالي للقرن الحادي والعشرين، وذلك بناء على تعليقات واقتراحات مستمدة من المشاورة الثانية للدول الأعضاء والمنظمات غير الحكومية المعنية. ويتألف الاعلان من 17 صفحة فولسكاب تتناول مهام التعليم العالي ووظائفه والدور الأخلاقي والاستقلال ومسؤوليته ووظيفته الاستباقية وتكوين رؤية جديدة له وزيادة مشاركة النساء وتعزيز دورهن واجراء البحوث والملاءمة مع الواقع والتنسيق مع عالم العمل وتحليل احتياجات المجتمع وتعزيز الانصاف في إتاحة الفرص والمناهج التربوية التجديدية والعاملون فيه بوصفهم عناصر فاعلة رئيسية والتقييم الدولي لجودته وإمكانات التكنولوجيا وتحدياتها وتدعيم إدارته وتمويله وبوصفه كخدمة عامة واستعادة الكفاءات المهاجرة والشراكة والتحالفات. حبيش وألقى الوزير حبيش مساء كلمة لبنان بعنوان »التعليم العالي في لبنان: أي واقع لأي غد؟« وحمّلها ثلاثة محاور حول آفاق مستقبل هذا التعليم: نمو كمّي يضبط إيقاعه هاجس النوعية، تلبية لحاجات المجتمع من دون تفريط باستقلالية المعرفة، وتواصل في خدمة نشر المعرفة عبر التعليم من دون تفريط بإنتاج المعرفة وتجديدها عبر البحث العلمي. ففي المحور الأول أشار حبيش الى وجود 21 مؤسسة للتعليم العالي في لبنان، تسع جامعات واثنا عشر معهدا تضم 82446 طالبا، ومؤسسة واحدة للتعليم العالي الرسمي هي الجامعة اللبنانية تؤمن التعليم المجاني ل56 في المئة من الطلاب. وحول المحور الثاني (تلبية حاجات المجتمع) أوضح ان مؤسسات التعليم العالي أمنت لسوق العمل خلال السنوات الخمس الماضية 31052 خريجا من مختلف الاختصاصات، إلا أن هذا العدد الذي يمكن أن يكون عصب التنمية الشاملة يصطدم بمشكلة بطالة المتعلمين. وعدد أبرز أسباب البطالة بالتالي: فقدان التنسيق بين حاجات سوق العمل وتقديمات التعليم العالي، عدم الملاءمة بين مناهج التعليم العالي ومتطلبات الوظائف في سوق العمل. ورأى في المحور الثالث ان البحث العلمي يحتاج الى تنشيط وتطوير في الموضوعات والمنهجيات والتجهيزات الانتاجية. واعتبر ان الهاجس يكمن في التوازن عند الأستاذ الجامعي بين مهامه البحثية ومهامه التعليمية، فبعض الأساتذة يهتمون بالبحث ويهملون التعليم والهاجس الآخر هو التوأمة بين المعرفة والخير عبر التجذر في القيم الإنسانية. الحريري وعند السابعة مساء، ألقت النائبة بهية الحريري كلمة عرّفت فيها المفاهيم التعريفية للتنمية والتعليم العالي والوظائف الرئيسية للجامعة. وأشارت الى ان الخطط التربوية اللبنانية تطمح الى التجاوب مع الاستراتيجيات التربوية والحضارية التي يفرضها القرن المقبل لجهة إلزامية التعليم، محوا نهائيا للأمية، ولجهة التعليم مدى الحياة، وهو المبدأ الذي يربط الإنسان بآلية دائمة للتحصيل الثقافي المستمر، بما يؤمن تطوره العلمي والعملي والاقتصادي في مختلف مراحل حياته المهنية والاجتماعية. ولم تخف صعوبة المهمة وتشعباتها، مشيرة الى ان لبنان يتطلع الى مزيد من الدعم الدولي لخططه التربوية والتعليمية على المستويين المادي والعلمي، وهو ما يشكل الهدف الأساسي للمؤتمر، ولا سيما ان التعليم العالي في لبنان يعتبر جزءا لا يتجزأ من خططنا الطويلة المدى للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في ضوء التكامل الحتمي بين التعليم العالي وخطط التنمية الوطنية واحتياجات سوق العمل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة