مضت ليلة »الحلم العربي« على خير وحقق مخرج العمل أحمد العريان حلمه برؤية مئات الألوف يزحفون لمشاهدة حالميه ال 23 الذين تغيّب بعضهم لأسباب متعددة وحلّ محلهم آخرون. تعدّدت دوافع المتدافعين الى ساحة الشهداء في قلب بيروت وجنسياتهم: حزبيون بأعلام وصور، طلاب مدارس، كشافة وهيئات شبابية، مواطنون عاديون، شبان وصبايا ونساء ورجال من كل الأعمار، فلسطينيون وأردنيون ومصريون وسوريون وسودانيون وعراقيون ولبنانيون... كان مشهد الساحة عند غروب الشمس يشي بالحشد الآتي الذي يفوق بالتأكيد تقديرات الاجهزة الرسمية التي أرسلت عددا محدودا من القوى الامنية لضبط إيقاع الساحة الفسيحة الارجاء فيما أُنيطت مهمة تنظيم الدخول بفرق الكشافة التي كانت أعجز من أن تنظم نفسها. فضّل المدعوون ببطاقات الى باحة »الكراسي« امام المسرح عدم الحضور مبكرا باعتبار ان أمكنتهم محجوزة، لكن مشهد الكراسي المنتظرة أغوى الجموع باحتلالها والاقتراب أكثر فأكثر من مسرح الحلم، وبدأت الفوضى تعمّ. موجات، موجات من المتقدمين من الصفوف الخلفية وعن اليمين وعن اليسار والكل يريد ان يكون في الصفوف الامامية. تحطمت الكراسي وامتلأت الساحة بالواقفين الزاحفين باتجاه المسرح المخصّص للضيوف من الفنانين العرب. ثم امتد الزحف »الحالم« الى المسرح واحتله حتى لم يبق مكان ليقف فيه الفنانون. وعبثا حاول احمد العريان »استجداء« النظام فمَن وصل الى مرمى العين من خشبة المسرح يستحيل ان يقبل بالعودة. وهي أصبحت غير ممكنة عمليا. وكذلك لم تفلح محاولات الوزيرين باسم السبع وبشارة مرهج وبعض الفنانين المشاركين. وعندما تدخلت فرقة مكافحة الشغب كان الامر الواقع فرض نفسه بخيارين لا ثالث لهما: اما البدء بالحفل في ظل الوضع السائد واما وقف الحفل وكان الخيار الأول أهون الشرّين. وهكذا بدأت ليلة الحلم العربي المزدحمة بمشاهد وأحداث هي من صميم حياة العرب لا أحلامهم. وحبذا لو أضيف الى »الأوبريت« ما يوحي بأن التزام النظام هو من احلامنا أيضاً. المهم ان الحفلة بدأت ولو متأخرة ومع الفوضى. وحسم العمل الفني الذي لاقى انتقادات، قاسية احيانا، الجدل حول شعبيته والتصاقه بالجمهور وتأثيره. حتى ان بعض الفنانين رأى في ما حصل ظاهرة ايجابية فسّرها بحب الناس للعمل وتعلقهم به وبمضامينه وبفكرة الوحدة العربية. واعتبر احمد العريان ان حقه قد وصله مع هذه الحشود التي فاقت كل التوقعات. مضت الليلة على خير، والكلام مبرر، لأنها كان من الممكن ان لا تمضي هكذا، وعاش اللبنانيون والعرب، سواء في ساحة الشهداء، او عبر شاشة التلفزيون، حلمهم المسجّل بأصوات الفنانين الحاضرين والغائبين. كالحلم مرت »أوبريت الحلم العربي«. دقائق معدودة وعاد كل حالم الى هموم واقعه. ر. ج. الوقائع استطاع »الحلم العربي« ان يجمع نصف مليون عربي حسب التقديرات، في ساحة الشهداء في بيروت امس الاول في مهرجان »صوت المليون عربي« أنشدوا معا، وغنوا أحلامهم »أحلام العرب«. الكل كان منفعلا، ومتأثرا برغم الاشكالات التي حصلت. وتحول صمت الجدران الخاوية الى قلب يضج بالحياة وينبض في قلوب الحاضرين الذين لبوا نداء احمد العريان بالحضور »بصوتك فقط استكمل صوت المليون عربي«. الدعوة كانت للجميع ومَن لم يلبها بحضوره اختار المشاركة من خلف الشاشة ليتابع وقائع النقل المباشر الذي بثته المؤسسة اللبنانية للارسال. ومَن اختار المشاركة حضر الى ساحة الشهداء بدءا من الساعة الثالثة بعد الظهر. وبرغم ان الحلم كان عربيا لكن الازدحام كان لبنانياً، فالطرق المحيطة بساحة الشهداء وبرغم التدابير التي اتخذتها القوى الامنية ازدحمت بالسيارات في حين قامت مئات الحافلات بنقل الناس من اماكن كثيرة: من الجنوب والبقاع وطرابلس والجبل.. وعند الساعة الثامنة كانت الحركة ما تزال ناشطة انما باتجاهين: اتجاه الساحة والاتجاه المعاكس. المشاركون تدافعوا للوصول الى اقرب نقطة من المنصّة. الكل يريد ان يشارك عن قرب، حملوا أولادهم وحشروا أنفسهم مع الآخرين ليحققوا جزءا من »الحلم العربي«. فكان ان حصلت موجة عارمة من الفوضى وتفاقم الامر بسبب عدم قدرة المنظمين على ضبط الأعداد الهائلة من الناس الذين احتشدوا أمام المنصة. وكان احمد العريان يعتلي المسرح من وقت لآخر ليدعو الناس للابتعاد قليلا لكي يتسنى للفنانين الدخول والجلوس في اماكنهم. لكن جهوده كانت تبوء بالفشل وعند السابعة والنصف تدخلت فرقة مكافحة الشغب لإبعاد المواطنين عن المسرح. واحتلّ عدد كبير من الحاضرين الكراسي الموضوعة على المسرح للفنانين المشاركين، وعبثا حاول منظمو الاحتفال انزالهم، وتدخل الوزير باسم السبع (ممثل رئيس الحكومة رفيق الحريري في الاحتفال) داعيا الناس للابتعاد عن المسرح، ثم الوزير بشارة مرهج الذي حاول تهدئة الناس فأعلن عن النشيد الوطني اللبناني، لكن دون جدوى. ولم تكن الظروف التقنية تسمح ببدء الاحتفال في موعده، فتأخر ساعة ونصف تقريبا، وبدل ان يعتلي الفنانون المسرح، انتشرت عليه عناصر قوى الامن في محاولة لإخراج الناس وعندما يئس المنظمون من الوضع، أخلى الوزيران السبع ومرهج مكانيهما ليشجعا الناس على ترك المنصة لكن البعض وجدها فرصة ليجد كرسيّا له مكانيهما. واستمر الوزير مرهج في جهوده لضبط الجمهور، واختار البقاء حتى انتهاء المهرجان علّهم يحترمون وجوده، ولم تفلح دعواته للناس بإنجاح المهرجان. حالات إغماء عديدة سُجلت وخلقت جوا من الذعر بين الناس مما دفع البعض لترك الساحة والعودة الى منزله خوفا من الاختناق، واهتم الصليب الاحمر اللبناني والدفاع المدني المقاصدي بإسعاف المصابين خاصة بعد حصول تقاذف بالحجارة أدى لوقوع حوالى العشرة جرحى. بدأ المهرجان بداية أولى عند الثامنة والنصف تقريبا، وسط حالة »معمعة« شديدة فانطلقت أغنية »لسه فاكر« وسط تصفيق شديد وآهات من ناحية، وكانت الناحية الثانية تشرع عراكا بين قوات مكافحة الشغب وعدد من المشاغبين. وتدخل أحمد العريان مخاطبا الناس »إنتو بتضيّعوا حاجة حلوة جميلة«، لينطلق النشيد الوطني اللبناني من جديد معلنا بدء الاحتفال للمرة الثانية، ثم كان تقديم لمارسيل غانم حيّا فيه الشهداء في لبنان والعالم العربي. وكان للفنان السوري دريد لحام كلمة قال فيها: »كثيرون ممن التقيتهم قالوا انهم بكوا كثيرا عندما شاهدوا الحلم العربي.. الانجازات الرائعة في تاريخ الامم تبدأ بحلم، ولكن ولكي لا يبقى الحلم حلما فقد آن لنا ان نحوّل الدمعة الى فعل، أن نحوّل الدمعة الى موقف، الى حجر إيمان، الى رصاصة حق، الى دعم فعلي للمقاومة والمقاومين شعلة النور الوحيدة في ظلام خريف عمرنا«. واعتبر ان »الحلم العربي« هو نبضة حب ووفاء لهذه الامة. وتعاقب الفنانون على الغناء: المطربة صباح، وفردوس عبد الحميد وعلي الحجار وصولا الى ذكرى ولطيفة التي غنت للقدس. واشتعلت الساحة بالصراخ عند الإعلان عن وصول المطرب العراقي كاظم الساهر الذي حضر خصيصا للمشاركة في المهرجان وغنى أغنية عن أطفال العراق، فتدافع الناس لرؤيته وتحيته. كما غنى المطرب وليد توفيق أغنية لقانا بعد ان أشار الى انه حضر المهرجان برغم مرضه وبرغم انه مُنع من تأدية الأغنية قرر الغناء لأن احدا لن يمنعه من القيام بأي شيء. وشهد المهرجان حالة فوضى عارمة، عندما بدأ الفنانون ينشدون »الحلم العربي« فارتفعت معهم أصوات الناس غناءً وصراخا كما علت الأيدي بإشارات النصر وبالصور، وأراد الجميع الاقتراب أكثر من المسرح. في حين كانت هناك مجموعة كبيرة من الصبايا والشبان غير عابئين بشيء سوى بالحصول على توقيع مطربهم المفضّل او مطربتهم المفضلة. انطلق »الحلم« وسط تصفيق الحضور لكل مطرب ونالت الفنانة السودانية سمية حسن النصيب الأوفر حيث ارتفع التصفيق لها بشكل لافت وكذلك كان نصيب الفنانة التونسية ذكرى والفنانين ايهاب توفيق ووليد توفيق. ولوحظ ان الفنان نبيل شعيل الذي كان غائبا انطلق صوته في بداية الأوبريت التي كانت مسجّلة سابقاً. »أجيال وراء اجيال« غنت الاجيال كلها، امس الاول في ساحة الشهداء امام الشاشات، وفي كل المناطق. الفوضى وسوء التنظيم كانتا السمتين البارزتين، لكن الحب والحنين كانا الأبرز وظهرا جليا في رغبة الجميع بالمشاركة في »صوت المليون عربي«. الحق لم يكن عليهم كما انه لم يكن على المنظمين الذين أربكهم هذا الحضور الحاشد. وبعد ان كانت البدايات توحي بفشل المهرجان انتصر الحلم في النهاية وحقق احمد العريان حلما مهما عجز عنه الكثيرون فجمع العرب من الأقطار كافة، من لبنان وسوريا، من فلسطين والاردن، من مصر والامارات والسعودية والسودان والعراق، الكل أتى ليغني الحلم. »لو كان العرب يحسنون تنظيم أمورهم لما كانوا بحاجة للحلم« بهذه الكلمات يختصر أحد المغادرين ساحة الشهداء ما يجري بعد ان نال نصيبه من التدفيش واللكمات. لكن برغم ذلك يبقى الحلم موجودا بأن نصل لمرحلة لا نحتاج فيها للحلم. عبير جابر