لم يفكر خالد علوان كثيرا بالمعايير التي حددها الفلاسفة لمفهوم السعادة ولم يكن من الطراز الذي يتحرك بذهنية الأوامر الحزبية الصارمة، غير انه كان يناضل لأجل سعادة من نوع خاص وكان يخطط انطلاقا من غضب دفين غلّفه بهدوء ندر أن يفارق قامة الشاب الأشقر، الملتحي صاحب النظارات السوداء. قال خالد لزوجة أخيه عندما وصل الى المنزل في زقاق البلاط: »حابب اشرب قهوة ونسمع أخبار سوا«، فتحت رندة الراديو ووضعت طفلها ابن الشهرين في حضن عمه وراحت تسكب القهوة. الخبر الأول يتحدث عن هجوم شنته المقاومة ضد جنود إسرائيليين كانوا يرتادون مقهى »الويمبي« في شارع الحمراء. تبادل خالد ورندة النظرات بسرعة وقالت له بسرعة »أين ال»تي شرت« التي لبستها صباحا« أجابها ضاحكا: »إحرقيها« واستدرجته الى حيث قال: »عملتها«. يتحدث كبير الموظفين وأعتقهم في مقهى »الويمبي« عادل أبي خزام عن »حكاية خالد« التي »لن تُمحى من الذاكرة« ويقول: كانت الساعة حوالى الثانية إلا ربعا من بعد ظهر الرابع والعشرين من أيلول 1982. شارع الحمراء يضج بالناس والمقهى كذلك. كنت أقف كالمعتاد في مدخل الاستقبال. اقترب مني أحد عمال المقهى وقال: »ميتر« خالد، لا يريد الإسرائيليون الجالسون في الخارج الدفع إلا بعملتهم (الشيكل). تدخلت بسرعة لأنني كنت صاحب الأمر بعدم القبض إلا بالليرة اللبنانية. كانوا ثلاثة على طاولة واحدة، جندي وضابطان برتبة كبيرة. مدَّ أحدهم فورا ورقة نقد إسرائيلية. ردة فعلي السريعة عدم استلامها منهم. كررت الطلب لهم بالدفع بالعملة اللبنانية. راح أحدهم يتحدث معي بلغة غاضبة واستفزازية لكنني قلت له بهدوء: لن أقبل منك الحساب حتى بالدولار الأميركي، الليرة أو لا نقبض منكم. في هذه اللحظة تقدم شاب من الطاولة وهو من زبائن المقهى الدائمين، قال لي: »اتركهم، اتركهم، حسابهم عندي أنا«، رحّب بهم بعبارة »أهلا وسهلاً بضيوفنا« وانطلقت 6 رصاصات متتالية، نال كل واحد من الثلاثة رصاصتين بالتساوي. اثنان ماتا فورا والثالث جُرح. غادر الشاب المكان بهدوء واتجه نحو سينما »البيكاديللي« وعندما وصلت قوة إسرائيلية للتحقيق ونقل القتلى والجرحى شاهده عمال المقهى يقف قرب محل ال»رد شو« يتفرج على ما يحصل ويضحك من بعيد ثم اختفى فجأة بين الحشد الذي تسمّر في المكان. يتابع عادل روايته بالحديث عن ردة فعل الإسرائيليين: وضعونا كلنا الى الحائط، طلبوا منا رفع أيدينا وراحوا يستجوبوننا الواحد تلو الآخر مع عدد من المارة والزبائن. هاجسهم الأساسي معرفة هوية الفاعل ومواصفاته ولم يدركوا أنه ربما كان ما زال موجودا في المكان يراقب ما يجري ويخطط لشيء جديد، طلبوا منا إقفال المقهى بالشمع الأحمر. كان ردنا عليهم ان القانون الدولي لا ينص على ذلك فهو يستثني المطعم والفرن والصيدلية. بعد ذلك أبقوا المقهى والعاملين فيه تحت المراقبة المستمرة حتى انسحبوا في 26 أيلول. في حياة خالد علوان، القصيرة، الغنية، صفحات مشرقة تجعله موضوع افتخار أهله. طفولته مثل طفولة ابن أية عائلة بيروتية ميسورة اجتماعيا. والده عثمان علوان من القبضايات المشهودة وقفاتهم في عين المريسة مسقط رأس العائلة الأساسي قبل أن تنتقل للسكن في محلة قصقص في الطريق الجديدة. خالد المتولد في العام 1962 أحد أفراد أسرة مؤلفة من ثمانية شبان وفتاتين. دراسته الأساسية حتى البكالوريا كانت مقاصدية (ثانوية الحرج). عندما اندلعت حرب السنتين راح يبحث عن هوية مبدئية تنسجم والمبادئ التي طالما تشرّبها في المنزل. جذبته أفكار القوميين السوريين وأغرته سهولة الاندماج في وسط لا طائفي والانتماء الى حزب مبدئي في الموقف القومي من إسرائيل. شعر أن عائلته البيروتية التي لم تعرف طعم »التحزب« من قبله تمارس حالة ممانعة لدخوله ساحة العمل الحزبي، فقرر العمل بكتمان شديد. زاد هدوءه مع الوقت هدوءا وصار أكثر غموضا ونهما للمطالعة. في أحد الأيام أخرج إنجيلا مقدسا من بين كتبه وقال لأخوته: »اقرأوه كما تقرأون القرآن. صحيح ان البعض يريد الحرب طائفية ولكن علينا أن نكون أكبر من هؤلاء الطائفيين«. لحظة دخول الإسرائيليين للبنان في العام 1982 ومع بدء قصف الطيران على المدينة الرياضية قال لأحد المقرّبين منه في الحزب: »عندي شعور كبير بأن إسرائيل ستدخل الى بيروت، هذه فرصة يجب أن لا نفوّتها. كنا دائما نقول بأننا نريد تحرير القدس والذهاب الى فلسطين لمحاربة الإسرائيليين. ها هم يأتون إلينا وإذا وصلوا الى بيروت يجب أن لا نفوّت لحظة اللقاء معهم«. صحت توقعاته نسبيا ووصل الاسرائيليون الى المتحف. وجد خالد نفسه منذ اللحظات الأولى للحصار مقاتلا في الخنادق الأمامية لمحور المتحف يدشم مع غيره من المقاتلين ويزرع الألغام استعدادا للحظة اللقاء الموعودة وجها لوجه. يتذكر رفاق خالد كيف تسلل في أحد أيام الاجتياح الى إحدى الدشم الإسرائيلية في المتحف وقام بإنزال العلم الإسرائيلي عنها ورفع علم الحزب السوري القومي الاجتماعي مكانه، الواقعة تذكرها أيضا قريبته رندة وتقول: جاء في ذلك اليوم الى البيت في قصقص مصابا بجرح رصاصة في كتفه، رفض التوجه الى المستشفى وداوى جرحه بنفسه وعاد الى المحور. وتضيف: علمنا في ما بعد أن الحزب طلب منه ومن أحد رفاقه التسلل الى تجمع إسرائيلي في المتحف ونسف إحدى الدبابات، نفّذ خالد ورفيقه المهمة بدقة وجاءت لحظة اقتحام بيروت في منتصف أيلول مثل »الشحمة على الفطيرة«. يومها تقول رندة حصلت مواجهة عنيفة في زقاق البلاط وتكبد الإسرائيليون على يد خالد ورفاقه خسائر باهظة. طلب من زوجة أخيه المساعدة في أعمال التمويه اللازمة. حمل طفلها ابن الشهرين وخرج به يتنقل بين التجمعات الاسرائيلية والمسدس من عيار 5 ملليمترات لا يفارق جسمه أبدا. ناقش ورفاقه كثيرا كيفية تنفيذ سلسلة عمليات ضد قوات الاحتلال استقر الرأي على »أن التلقائية والعفوية لا تتناقض مع مبدأ التخطيط«. كان خالد يخطط في قرارة نفسه لأمر ما. أصيب باستفزاز شديد عندما شاهد عشرات الجنود الاسرائيليين يحتلون مقاعد مقهى »الويمبي« تاركين المدى لأقدامهم تحتل الطاولات وتهزأ بالقادمين وألسنتهم لا ترحم الفتيات العابرات من أمامهم أو الجالسات بالقرب منهم في المقهى نفسه. قال خالد لأحد اخوته: لم أشعر بإهانة أكبر من تلك التي شعرت بها اليوم. إحدى الفتيات راق لها »تلطيش« الاسرائيليين فراحت تشاركهم الكلام والضحك وكأنها بحاجة الى استرضائهم. استفاد من معرفته الوثيقة بشارع الحمراء كونه كان يتواجد يوميا في مركز »الأتوال«. أصحاب المحلات يعرفونه جيدا والكثيرون من رواد الشارع. راقب جيدا المكان وتأكد ان الوقت المناسب لتنفيذ الفكرة هو موعد الغداء مستفيدا من عجقة الشارع في هذا الوقت بالذات. اختمرت الفكرة. خرج من المنزل مبكرا وحمل مسدسين واقترب الى أقرب نقطة من مقهى »الويمبي«. راقب الجدال الدائر بين العامل في المقهى عباس قنبر وبين الجنود الثلاثة. لاحظ ان الضابطين يجلسان في حالة استرخاء بلغت حد رمي سلاحهما في حضنيهما ورفع أقدامهم على الطاولة التي كانوا يحتلونها. الثالث حمل سلاحه وتوجه الى الداخل لقضاء حاجته. قال خالد ل»الشيف« عادل: »اتركهم، حسابهم عندي أنا« وأخرج مسدسه وأطلق النار على الجنديين الجالسين قبل أن »يروكب« سلاحه فيخرج المسدس الثاني ويعاجل الثالث الحامل رشاشه بطلقين لم يعطياه فرصة الضغط على زناد رشاشه. توجّه خالد الى أحد المحلات المجاورة للمقهى. خلع ال»تي شرت« و»استعار« قميصا جديدا ساعده في التمويه قبل أن يقف في الزاوية المقابلة ل»الويمبي« يراقب الهستيريا الإسرائيلية وتأثر الناس ورعب بعضهم الآخر وشهادة عمال المقهى المتكررة: »لا نعرف الذي أطلق النار«. عندما روى الحكاية لرندة وعدها بأن »الآتي أعظم«. لكن مشوار الاحتلال في بيروت لم يدم طويلاً. فبعد سلسلة العمليات المتتالية للمقاومة بدءا من صيدلية بسترس وصولا الى مقر منظمة التحرير مرورا بمحطة أيوب وبرج أبي حيدر وعائشة بكار وغيرها راح جنود الاحتلال يستغيثون بمكبرات الصوت قائلين: »يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار علينا نحن منسحبون الآن«. وانسحبوا فعلا في السادس والعشرين من أيلول من بيروت. لم تنته مهمة خالد علوان بانتهاء الاحتلال في العاصمة. أكمل دربه صعودا نحو الجبل وضواحي العاصمة وصولا الى الجنوب والبقاع الغربي وكان له شرف المشاركة في أكثر من عملية تولى التخطيط لها كعملية الباص في عاليه في أواخر 1982 وأدت الى سقوط عشرات القتلى والجرحى الاسرائيليين. شارك خالد في تنفيذ عملية الجمهور (تظاهر بأن سيارته مقطوعة بسبب تنفيس أحد الدواليب وراح يجهز دولابا كان موضوعا في الصندوق الخلفي. أخرجه وتركه يتدحرج بصورة عفوية حتى وصل الى نقطة قريبة من إحدى الدوريات فأقدم على تفجير وغادر المنطقة بسرعة. اعتُقل خالد في العام 83 من قبل أجهزة الدولة اللبنانية بتهمة محاولة قتل أحد الدبلوماسيين العرب في فندق »نابليون« في بيروت. المفاجأة كانت لحظة اطلاع هذا الدبلوماسي على محاضر التحقيق مع خالد علوان وفيها سرد للعمليات التي قام بها ضد الاحتلال ولا سيما تفاصيل عملية »الويمبي«. أسقط الدبلوماسي حقه الشخصي من الدعوى وتمنى إطلاق سراح »البطل خالد علوان«. أُفرج عن خالد في 10 تموز 1984 وبعد شهرين وُجد مقتولاً بالرصاص والسكاكين ومرميا مع رفيقيه محمود التقي وكمال صالح في إحدى الأودية الجبلية في منطقة عاليه (»طريق الكرامة«) داخل السيارة التي كانت تقلهم وهي من طراز »فيات«. اليوم هو موعد الذكرى السادسة عشرة لعملية »الويمبي« وموعد لتذكر حكاية استشهاده المؤلمة. أهل خالد يحزّ في نفوسهم كثيرا، كما رفاقه في قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي، ان مدينة مثل بيروت لا تجد أسلوبا أو طريقة لتكريم شاب بيروتي مناضل، زاد لبيروت رصيدها الوطني والقومي بفضل رصاصات قليلة زرعها في رؤوس من يستحقونها. هل يستجيب المجلس البلدي لمدينة بيروت الغارق في كومة الاقتراحات المقدمة إليه، فيبادر الى إطلاق اسم الشهيد خالد علوان على أحد شوارع العاصمة، أو على الزاوية التي نفّذ فيها عمليته التي زادت سيدة العواصم تألقا. حسين أيوب