As Safir Logo
المصدر:

حوار الغائب جال حمدان والقومية العربية وعروبصة مصر لا بد من الوحدة العربية مهما طال التشتت والسفر

المؤلف: العريس ابراهيم التاريخ: 1998-09-14 رقم العدد:8097

لو أن جمال حمدان لم يضع في حياته كلها سوى كتابه »شخصية مصر« لكان أدى للثقافة العربية واحدة من أكبر الخدمات التي أديت لها في النصف الثاني من القرن العشرين. لكن حمدان وضع عدة كتب أخرى قد لا يصل أي منها الى أهمية »شخصية مصر« لكنها هامة في مضمارها، تزيد تفسيرا في ما قد يكون أغلق على بعض القارئين من مواقفه، ولعل أبرز كتبه الاخرى عدا عن »شخصية مصر« في اجزائه الأربعة، كتابه عن حرب تشرين والآخر عن الصهيونية. وحين رحل جمال حمدان عن عالمنا على ذلك الشكل السخيف الذي نعرف (احترق وحيدا في شقته بسبب انفجار قارورة غاز) كان يحضر لوضع اللمسات النهائية على كتاب جديد له قيل ان مخطوطته وجدت بالفعل لكنها الآن مفقودة عن العالم الاسلامي واستراتيجيات المستقبل. مهما يكن فان علاقة القراء العرب بكتابة جمال حمدان، علاقة فيها شيء من الالتباس، ولا سيما بالنسبة الى الذين »سمعوا« عن »شخصية مصر«، لكنهم وكما يحدث غالبا لم يقرأوه فاستنتجوا بسرعة انه كتاب انعزالي، وحمّلوا جمال حمدان مواقف أقل ما يقال فيها انها تتناقض مع مواقفه الحقيقية اولا من عروبة مصر، ثم من الصلح مع اسرائيل، وبعد ذلك من الوحدة العربية والقومية العربية، وبالتالي من دعوات انعزالية مثل »الفرعونية« والفينيقية« وغيرهما. هنا في رحلتنا مع العقل العربي نصل الى جمال حمدان، الراحل قبل سنوات، لنستنطق كتاباته وآثاره، مواقفه الحقيقية من بعض أهم المواضيع التي بحث فيها وتعمق في بحثه، تاريخيا وجغرافيا وعلميا بشكل عام. وفي اعتقادنا ان هذا الذي تمكنا من استنطاقه، مكتوبا بلغته الخاصة، يكشف عن المواقف الحقيقية لهذا المثقف العروبي المؤمن بالقومية والوحدة العربية، والمؤمن فوق ذلك وقبل ذلك، بأن هذه القومية وهذه الوحدة لا تتناقضان بأي حال من الاحوال مع الخصوصية التي يمكن بل يجب ان تكون لكل قطر عربي على حدة. القومية والوحدة بالنسبة الى جمال حمدان ليستا نسيج العواطف، أو وليدتي الشعارات والكلام الكبير، بل هما ابنتا التاريخ والجغرافيا وهذه الازدواجية نادرة في منظوره من هنا، نراهما ويراهما حتميتين، وجزءا أساسيا من التكوين العضوي للمنطقة. في استخلاصنا لمواقف جمال حمدان التي ننشرها هاهنا، اعتمدنا بشكل أساسي على كتابه الضخم والاستثنائي »شخصية مصر« وعلى كتابات أخرى متفرقة له. تفرد الشخصية الجغرافية والدعوة الانفصالية { .. هل حقا يعني وجود الفروق الجغرافية بين وحدات الوطن العربي التفرقة السياسية، وهل حقا تؤدي الاختلافات الطبيعية الى الاختلافات القومية؟ هل الحديث عن الشخصية الاقليمية لمصر او المغرب او العراق.. الخ، يترادف مع الحديث عن »المصرية« و»المغربية« او »العراقية«... ويتضاد مع العروبة؟ أهي ردة بصورة ما، مباشرة او غير مباشرة، الى الفرعونية والبربرية والآشورية؟ باختصار، هل يتعارض القول بوجود عبقرية مكان خاصة بكل او بأي قطر عربي مع دعوة القومية والوحدة العربية؟ أما ان هناك فروقا طبيعية وجغرافية بين أجزاء الوطن العربي، فتلك حقيقة أولية كالبديهيات لا يمكن لأحد ان ينكرها موضوعيا اكثر مما يمكنه ان ينكر ان هناك مشابهات وأوجه تقارب بين بعضها البعض. فهناك تشابه أسّي بين مصر والعراق كبيئتين فيضيتين، والشام والمغرب الكبير نظائر جغرافية الى حد بعيد بطبيعتهما الجبلية المتوسطية. وبالمثل تكرر الوحدات الصحراوية من العالم العربي كثيرا من الملامح المشتركة. ولكن من الواضح تماما ان البيئة المصرية تختلف عن البيئة المغربية بمثل ما تختلف البيئة العراقية عن السورية، وهكذا. ولسنا نقصد بهذا ان نؤكد الفروق الطبيعية بين أقطارنا العربية لنطمس معالم الشبه بينها، ولكنا نقول ان ثمة فروقا، وليس يجدي في مواجهتها علميا او قوميا ان نتجاهلها في سبيل وحدة جغرافية منمطة او تجانس طبيعي بات موهوما. انما الشخصية الاقليمية أشبه شيء بالشخصية الانسانية. فالشخصية هذه وتلك مركب معقد للغاية من عدد ضخم من العناصر وتوليفة معينة من السمات والصفات والملامح والمعالم. فاذا اشتركت شخصيتان في الغالبية من تلك العناصر والقسمات، ولكن اختلفتا في قلة منها مهما تضاءلت، فليس علينا جناح ان نتكلم عن »التفرد« في شخصية كل منهما برغم التشابه الواسع المدى، ومن دون ان يعني ذلك اي تنافر او تضاد بينهما. ولهذا فان من الخلط ان نظن ان الحديث عن تفرّد الشخصية الجغرافية وعبقرية المكان لهذا القطر العربي او ذاك، يعني تدعيم الدعوة الانفصالية، واننا اذا قلنا شخصية مصر فقد قلنا الفرعونية او اذا قلنا شخصية الشام فقد قلنا الفينيقية... الخ. وان القول بتفرد اي او كل قطر عربي هو تبرير للتجزئة السياسية او سند للانفصال يتعارض مع القومية والوحدة العربية.. الوحدة السياسية والوحدة الطبيعية { حقيقة الأمر ان الوحدة السياسية لا تأتي بالضرورة من الوحدة الطبيعية، وانما من الوحدة البشرية تأتي. فالعبرة في قيام دولة موحدة دستوريا هي وحدة الناس، اي وحدة القومية بمعنى تجانس الناس (القوم) في المقومات الاساسية من لغة مشتركة وتاريخ ملتحم ومصلحة مترابطة وعقيدة سائدة، وهذه جميعا أركان متوافرة في القومية العربية ربما كما لا تتوافر في قومية اخرى معروفة. ولا عبرة بعد هذا بتجانس او تباين الأرض التي يحتلونها. ثم ان الوحدة السياسية وحدة وظيفية، والوحدة الوظيفية في اي مجال لا تأتي من الوحدة التركيبية، بل من النوع التركيبي، فأي جدوى من ان تتحد اقطار متشابهة منمطة في انتاجها ومواردها وإمكانياتها الا ان يكون مجرد تمدد »اميبي« عقيم؟ وهذا بالدقة ما يعرف بمبدأ »التنوع في الوحدة« او »الوحدة في التنوع«. إذاً، فليس مما يضير قضية الوحدة العربية، او يخرب حركة القومية العربية، ان يكون لكل قطر من أقطارها شخصيته الطبيعية المبتورة بدرجة او بأخرى داخل الاطار العام المشترك. وهذا التنوع والتباين في البيئات انما يثريان الشخصية العربية العامة ويجعلانها متعددة الجوانب والأبعاد. وهما في نفس الوقت لا علاقة لهما بالتعدد الدستوري ولا يعنيان التمزيق السياسي او تأكيد الانفصالية الراهنة بحال، ولا يشجعان الولاءات الوطنية في وجه الولاء القومي العربي الكبير او على حسابه. لا، ولا هما يمهدان لنصرة محلية وانعزالية فكرية وسياسية، بقدر ما يضيفان الى العزة القومية الواسعة وينميانها. شخصية مصر وعروبتها { إذا كنا قد جادلنا بأن الكلام عن شخصية مصر لا يعني اقليمية ضيقة فضلا عن شوفينية شعوبية، ولا يضع الوطنية في مواجهة ضد القومية، فإننا نضيف الآن انه لا يؤكد الوطنية من خلال القومية فحسب، بل ويؤكد القومية من خلال الوطنية تأكيدا صحيا بغير تعارض. واذا كانت بعض البلاد مثل الولايات المتحدة الاميركية قد نجحت وحدتها لأنها كما قيل قد تجاهلت عمدا وعن قصد كل الجغرافيا وكل التاريخ، واذا كانت بلاد اخرى مثل كندا تعاني وحدتها لأنها تتذكر الجغرافيا اكثر مما ينبغي وتتذكر التاريخ أقل مما ينبغي، واذا كانت بلاد اخرى مثل غرب اوروبا تتعثر وحدتها لأنها تتذكر كثيرا جدا من التاريخ وقليلا جدا من الجغرافيا، اذا كان هذا فإننا في الوطن العربي يمكن ان تنجح وحدتنا اكثر، كلما تذكرنا الجغرافيا والتاريخ معا، أكثر وأكثر. لأن التاريخ يجمعنا مثل الجغرافيا. والمكان والزمان عاملا وحدة بيننا. بل وربما جاز لنا ان نقول ان الجغرافيا والتاريخ هما »طوب« وحدتنا العربية وبلاطها، او هما لحمتها والسداة. ثورة عن طريق التطور { اذا توقفنا عند المثال المصري، وهو مثال متكامل في ذاته، فسنجد انه اذا كان أرنولد توينبي يقول انه عبثا بحث عن الحضارة الفرعونية في كيان مصر الحديثة، ويعلن لذلك ان الحضارة الفرعونية قد ماتت من قديم، فان هذا صحيح بالتأكيد في الجوانب اللامادية، كما يصدق كذلك على كثير من نواحي الحضارة المادية. ولكن هناك بقايا ورواسب مادية ما زالت تكمن ربما على استحياء وفي خباء في النسيج الحضاري المادي المعاصر. ولعل الزراعة الحوضية أهم هذه الخيوط: نعم هي تحتضر منذ قرن وأكثر، ومع ذلك لم يدفنها نهائيا الا السد العالي. واليوم لم تعد مصر الفرعونية الا مكدسة في المتحف، او معلقة كالحفريات على سفوح الهضبتين، اما في الوادي فقد انقرضت كما انقرضت من قبل تماسيح النيل من النهر. ولهذا فنحن ننتهي الى ان الحضارة الفرعونية قد ماتت في مجموعها، من دون ان ينفي ذلك الاستمرارية المحورية في حضارتنا المادية. ويمكننا ان نخلص من هذا في ما يتعلق بمصر الى ان هناك أربع علامات كبرى في تاريخ مصر الحضاري أثرت تأثيرا هائلا في كيانها: اكتشاف الزراعة وبدء الحضارة نفسها ثم التعريب والاسلام ثم تحول التجارة الى طريق رأس الرجاء الصالح وأخيرا وحديثا الحضارة الغربية. كل واحدة من هذه كانت انقلابا كاملا وانقطاعا جوهريا. هناك إذاً بطريقة ما، تطور عن طريق الثورة.. ولكن شدة ترامي الولاء التاريخي لمصر يجعلها جميعا تبدو غير متعارضة مع الاستمرارية العامة او محطمة لها، وهي إذاً في معنى ما »ثورة عن طريق التطور«. من هذه العلامات يمكننا ان نستبعد اكتشاف الزراعة باعتباره نقطة ابتداء لا تقاس الى ما قبلها. كما ان تحول التجارة لم يكن تغييرا بقدر ما كان هبوطا وانحدارا. وأما الحضارة الغربية فهي طارئ حادث جدا وليس مقصورا على مصر بل هي أول حضارة عالمية في التاريخ. ولهذا لا يتبقى لنا في تاريخ مصر سوى انقلاب التعريب الذي من بعده اصبحت مصر جزءا لا يتجزأ من العالم العربي، وعاشت غالبا اقليما او رأسا في دولته السياسية في ظل وحدته القومية. ولهذا اذا كنا نقول ان انكلترا، مثلا، تمتاز بالاستمرارية السياسية والانقطاع الاجتماعي، بينما تمتاز فرنسا بالاستمرارية الاجتماعية والانقطاع السياسي، فاننا يمكننا ان نقول ان تاريخ مصر يمتاز بالاستمرارية في حضارتها المادية والانقطاع في حضارتها اللامادية. الفرعونية وهم لإبعادنا عن العروبة { مهما يكن فان الاستمرارية المادية التي تسود التاريخ المصري لا ينبغي، إذاً، ان تغفلنا عن ذلك الانقطاع الهام للغاية من الناحية اللامادية، في الحياة الثقافية والروحية: الانقطاع الذي تمثله ثورة التعريب والاسلام. وصحيح ان الانقطاع لم يكن بالمعنى »الجنسي« بقدر ما كان بالمعنى الحضاري، وصحيح ان التعريب اكثر منه التبشير بالاسلام مضى أبطأ وأقل مدى في مصر منه في بلد كالعراق هو أقرب موقعا الى البلد الأم، وأدخل موضعا للبدو والرعاة. ولكن هذا الانقطاع يظل أعظم حقيقة في تاريخ مصر الثقافي والروحي، ويمثل نقطة تحول حاسمة وخط تقسيم في وجودنا اللامادي. ولا بد من ان ندرك ان إهمال هذه الحقيقة او الاهتمام بها، قد أصبح له مغزاه السياسي الخطير. فهناك من يحاول ان يبالغ في جانب الاستمرارية في كياننا لا ليبرز أصالة ما ولكن ليقلل من جانب الانقطاع، وبالتالي ليضخم في البعد الفرعوني في تاريخنا فيبعدنا بذلك عن عروبتنا ويطمس معالمها. هم يفعلون ذلك حين يتساءلون في كلام له خبيء »فرعونية أم عربية؟«، ونود ان نضيف، بين قوسين، انهم قد يخفون نفس السؤال وراء قضية اخرى جديدة هي المقابلة بين الوحدة العربية والوحدة الأفريقية. فهم يرتبون على المقدمات السابقة ان مصر »ليست عربية ولكنها مستعربة«، »ليست عربية ولكنها متكلمة بالعربية«، »ليست عربا ولكن أشباه عرب«. لقد اندثرت كلمة »مستعرَب« MOZARABE في الغرب الاوروبي ومعه، ولكن هناك الآن من يبدو انه يعمل لبعثها في المشرق العربي! والهدف من كل هذه الدعاوى هو دائما تخريجات سياسية واضحة ترمي الى التشكيك في عروبة مصر، وبالتالي الى عزلها عن العالم العربي. ونبدأ فنقول ان مصر لم تكن الوحيدة التي أثير حولها هذا الجدل. فالسودان وصف بأنه افريقي وليس عربيا، والمغرب زعموا انه بربري لا عربي، وقيل عن لبنان حينا والشام حينا آخر انه فينيقي او سوري وليس عربيا، والعراق كذلك لم ينج من الاتهام. بمعنى آخر ان كل اجزاء العالم العربي خارج الجزيرة العربية دمغت بصورة او بأخرى بأنها ليست عربية ولكنها مستعرَبة على أساس ان السكان قبل التعريب لم يكونوا عربا »جنسيا«. ولكن هذا الأساس ينهار من اللحظة التي ينطلب فيها »عروبة جنسية«. فالعروبة مضمون ثقافي لا جنسي أولا. ومع ذلك فكل الغطاء البشري الذي يغطي ما يعتبر الآن العالم العربي، هو أساسا فرشة واحدة من جذر واحد. وعلى الأقل فان الاختلاط والانصهار الدموي بين العرب الوافدين والسكان الأصليين حقيقة تاريخية بعيدة المدى. على ان الذي يكشف خواء المناقشة ويجعلها جوفاء حقا انها تمثل منطق مزايدة وهروب: ففي عقر دار العرب ستظل تجد »العرب العاربة« و»العرب المستعربة«! ولكنا لا نسمع من يقول ان عرب الشمال ليسوا عربا ولكنهم متكلمون بالعربية. ولا ندري الى أي مدى يمكن المضي في تجريد جزء آخر من العرب العاربة بدورها من أصالتها! العروبة هي الأصل { أين الحقيقة، إذاً، في عروبة مصر؟ أين هي من الفرعونية القديمة؟ أهناك حقا فارق بين نوع العروبة شرق السويس وغربها كما يزعم بعض الدعاة؟ ثمة عدة حقائق: فاذا بدأنا من البداية، فان أول ما يجبهنا هو ان الفرشة الجنسية الاساسية التي كانت تغطي نطاق الصحارى في العالم القديم من المحيط الى الخليج كانت تنتمي الى أصل واحد متوسطي، وفي العصر المطير، حين كانت الصحراء سهوبا يسودها الصيد الحجري القديم، كانت كثافة السكان مخلخلة جدا، ولكنها غطائية عالمية بصفة عامة. وفي هذا الاطار كانت الحركة والهجرة والترحل ظاهرة دائمة، ومن ثم كان الاختلاط الجنسي أساسيا ولا محل لعزلة او نقاوة ما. وكل الذي حدث بعد ذلك مع عصر الجفاف ان تجمعت كل مجموعة من السكان في رقعة محدودة، وبذلك تحول الغطاء العالمي الى الارخبيل الجزري الذي نعرفه الآن. ومعنى هذا انه حدث »تقطع« في الغطاء القديم المتجانس جنسيا الى عدة رقع متباعدة جغرافيا ولكنها تظل متجانسة جنسيا. وهذا بالدقة مفتاح انثروبولوجيا عالمنا العربي. فشعوب المنطقة قبل العرب والاسلام هم أساسا وأصلا أقارب انفصلوا جغرافيا، ابتداء من العراق الى الشام الى الجزيرة العربية ومن مصر الى المغرب او السودان. والتوطن المحلي والمؤثرات الداخلية الموضعية والتزاوج الداخلي الذي حدث بعد ذلك، لا يمكن ان تنتج كلها اكثر من ابتعادات محلية ضئيلة لا تغير من وحدة الأصل الدموي وتجانس العرق في كثير، وان تطورت اللغات والألسن بين سامي وحامي. ويظل العالم العربي او بيت العرب الجغرافي الكبير هو »دوار العرب« بمعنى الأسرة الموسعة التي تضم عدة أسر نووية او خلوية. هذه واحدة. اما الثانية فحقيقة تاريخية تؤكد السابقة وان كنا نغفل عنها دائما: نحن نعرف دينيا وتاريخيا ان اسماعيل هو ابو العرب العدنانيين، وكنا نعرف ايضا انه ابن ابراهيم العراقي من هاجر المصرية. وان كان لهذا اي معنى انثروبولوجي فهل يمكن أليس كذلك؟ ان يكون الا شيئا واحدا وهو ان العرب أصلا ايضا من عراقيين/ أنصاف مصريين؟ قد يبدو هذا للوهلة الاولى تخريجا ثوريا، ولكنه منطق أولي للغاية. وكم يبدو غريبا ان يلح من يلح على ان العرب واليهود »أبناء عمومة« لأن اسحق أبا اليهود أخ غير شقيق لاسماعيل أبي العرب، بينما نتغافل عن علاقة الأبوة والبنوة بين المصريين والعرب، فضلا عن العلاقة غير المباشرة بين المصريين والعراقيين على نفس الأساس! وتأسيسا على هذا، فهل يكون تعريب العراق او مصر في ما بعد إلا عملية زواج أقارب مباشرة، ولا نقول نوعا من التلقيح الذاتي او الزواج الداخلي على نطاق جغرافي عريض؟ وثمة بعد هذا حقيقة لغوية تؤكد علاقة القرابة. فالثابت المحقق الآن، ان اللغة المصرية القديمة، وهي حاميّة تصنيفا، كانت تشمل نسبة هامة من المؤثرات والكلمات الساميّة. وقد أثبت البعض اشتراك اكثر من عشرة آلاف كلمة بين المصرية القديمة والعربية، حتى ليعتبرها بعض علماء الفيلولوجيا لغة انتقالية بين الحامية والسامية. وقد كتب في هذا كثير بما لا يدع مجالا لإطناب. ثم يأتي اخيرا عامل الهجرة. فمن الثابت كذلك ان عرب الجزيرة لم يكفوا عن الخروج منها والتدفق إلى مصر او التسلل اليها طوال التاريخ المكتوب وقبله. ومن المتفق عليه بعامة ان ما لم يسجل التاريخ اكثر مما سجل، من موجات سامية قديمة الى مصر. وكانت صحراء سيناء وأطراف الدلتا بالنسبة لهم منطقة انتقال وتأقلم الى ان يتم اندماجهم وتشربهم. ومعنى ذلك بوضوح ان تعريب مصر سبق في بدايته الفتح الاسلامي والعربي، وانه قديم في مصر مثلما كان قديما في السودان، وان كان الفتح نفسه هو الخطوة الحاسمة. فرعونية بالجد، عربية بالأب { لعلنا، على كل حال، بعد المؤشرات والمفاتيح التي قدمناها، قادرون الآن على ان نحدد حقيقة تعريب مصر، فحين التقى العرب بالمصريين وتصاهروا واختلطت دماؤهم، لم يكن ذلك في الحقيقة سوى لقاء أبناء عمومة او أخوة في المهجر، او هو كان لقاء آباء بأبناء او أجداد بأحفاد، وقد يصح ان نقول »اعادة لقاء«، بعد ان باعدت بينهم الصحراء التي استحدثها عصر الجفاف. واذا كانت قد تبلورت بعض ابتعادات ثانوية او تعديلات جسيمة مكتسبة على المدى التاريخي والبعد الجغرافي، فقد جاءت الموجة العربية في مصر كما في غيرها من البلاد العربية أشبه بعملية »خض« او تقليب عميق لجزئيات متماثلة أصلا، تعيد مزجها حتى لا تتخثر او تتحجر. والمد العربي بهذا وبنتائجه يبدو في معنى كما لو كان عودا الى نمط العصر المطير، حيث نشر العرب مؤقتا شبكة غطائية متجانسة على وجه المنطقة جميعا، وصلت ما انقطع وأعادت تأكيد الوحدة الأولية. وانطلاقا من هذا يمكن ان نعني بعض المتناقضات التي تبدو على السطح بين الفرعونية والعروبة. فاذا صحت دلالة السند الديني عن الجانب المصري من أصل العرب، فقد عاد العرب بدورهم ليعطوا مصر جانبا عربيا في أصلها، عادوا ليعطوها أبوة جديدة. فالعلاقة الدموية إذاً علاقة متبادلة على التعاقب والتناوب. انها علاقة دائرية اكثر منها خطية، الكل فيها أب وابن على التوالي، والكل فيها في النهاية مضاف ومضاف إليه أكثر منه فاعلا ومفعولا به. ولكن لما كان العرب هم الأب الاخير في السلسلة، فان القول إن مصر فرعونية أصلا، عربية مصاهرة قد يكون منطقا »جاهليا« منطق ما قبل الاسلام أعني ونوعا من الردة التاريخية تنسب الابن الى الجد من دون أبيه، او قبل ان تنسبه الى أبيه. وانما الصح ان تقول ان مصر الفرعونية بالجد، عربية بالأب، وكل من الجد والأب من أهل جد أعلى واحد مشترك. غير ان العرب هنا، وقد غيروا ثقافة مصر، هم »الأب الاجتماعي« في الدرجة الاولى، وليسوا »الاب البيولوجي« الا في الدرجة الثانية حيث كانوا، بالضرورة، أقل عددية بالقياس الى المصريين. ولنفس هذه الأسباب يمكن ان نفهم لماذا يقال ان العرب، اذا كانوا قد عربوا مصر ثقافيا، فان مصر قد مصّرتهم جنسيا. فأما تعريب مصر ثقافيا فأمر لا يحتاج الى تفسير. واما تمصير العرب جنسيا الذي قد يبدو متناقضا مع الاصيل الجنسي المشترك الواحد بين الطرفين فليس في الحقيقة الا من قبيل تغليب الاغلبية العددية على الاقلية من دون ان يعني فارقا أساسيا في الأصل والنوع بين الطرفين. وعند هذا الحد من المناقشة يمكن ان ننظر الى الفرعونية وغيرها من دعاوى الرجعية التاريخية والوطنيات الضيقة كالفينيقية والآشورية.. الخ، من زاوية جديدة ومنظور علمي. لا شك في ان المقصود بمثل هذه الدعوات نفي القومية العربية وفسخ العروبة ومضاربة القومية الشاملة بالوطنية المنغلقة، ولهذا فهي مرفوضة ابتداء ومن دون مناقشة. ولكن من الناحية العلمية، ينبغي ان ندرك انها انما تقوم على الجهل وحده، وانها في الحقيقة سلاح مغلول يرتد الى صدور اصحابه. فهم لا يدركون انهم اذ يهربون من الحاضر القومي الواحد، ويرتدون الى وطنياتهم الشعوبية القديمة البائدة ليعتصموا بها منه، فهم عبثا يحاولون الافلات، ولا يثورون عليه الا ليقعوا ثانية في دائرته المحيطة.. الغلاّبة. فكل هذه الوطنيات هي أصلا وقبل العرب اجزاء لا تتجزأ من أصل واحد مشترك قديم، وكانوا جميعا أقارب بمثل ما ان اصحابها اليوم وبعد العرب أقارب. وفي النتيجة فان دعاواهم الشعوبية الضيقة فاشلة عمليا في الإفلات بهم من العروبة. أما كل ما تنجح فيه عمليا فهو ان تعميهم بالحضرية والتحجر والردة التاريخية التي تضع الماضي الميت قبل حاضر حي وواقع ينبض ويتفجر بالحيوية، وبهذا تبقى العروبة والتعريب في جوهرهما المنشود مضمونا ثقافيا أساسا. واذا كان لا بد من مقياس مدرج للعروبة، فليس جنسيا هو، ليس كمية الدم العربي التي أضيفت ولكن كمية اللسان العربي التي استعيرت. بمعنى آخر: مقياس العروبة، مثلما هو أساسها، هو اللغة لا الجنس.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة