As Safir Logo
المصدر:

لماذا لا تطرح تعديلات حول انتخاب رئيس الجمهورية ويقتصر الحديث على تعديلات اخرى/ المادة 49 فيها ما يوجب الالغاء وما يمكن تعدله والابقاء عليه

المؤلف: زين احمد التاريخ: 1998-09-12 رقم العدد:8096

يبدو استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية في هذه المرة وكأنه يسير »عكس السير«. فكلما اقترب موعد الاستحقاق اختفت الاحاديث عن المواد والاحكام الدستورية التي يتم الانتخاب على اساسها وذلك لمصلحة الحديث عن مواد واحكام أخرى لا ترتبط بانتخاب الرئيس لا من قريب ولا من بعيد وكأن »مسألة الرئيس« محسومة والكلام فيها وقت ضائع وكأن المادة 49 دستور لا يشوبها شائبة خصوصا في فقرتها الثالثة التي كانت قد تسللت الى تعديل سنة 1990 في محاولة لتحصين »قصر بعبدا« من رياح الاحداث التي كانت سائدة قبل تلك الفترة بقليل. وترى مصادر سياسية ان الحديث في الدستور يستحق دائما الطرح والنقاش حوله إلا ان هذا لا يمكن ان يكون موضوعيا وطبيعيا إذا ما حجب الانتخاب الرئاسي عن الانظار لأن انتخاب رئيس للبلاد يستحق بدوره التفرغ للنقاش حوله مرة في كل ست سنوات كما ان مثل هذا الحديث هو نقاش في احكام دستورية أيضا وليس منفصلا عنها. لذلك تقول المصادر ان الاستجابة للرغبة في تعديل الدستور يجب ان تنحصر حتى اجراء انتخاب رئيس الجمهورية المقبل في المادة 49 على ان تترك المواد الأخرى الذي يرى البعض تعديلها الى ما بعد الانتخاب لأن الحديث عن المواد المتعلقة بحلّ المجلس وولاية رئيسه وتلك المتعلقة بالمشاريع ومقارنة صلاحيات رئيس الجمهورية بصلاحية الوزير في اصدار القوانين وغير ذلك في الوقت الذي يسبق انتخاب رئيس الجمهورية سيؤدي حكما وربما يكون من اهدافه ان ينشغل السياسيون في الحديث عن المادة 49 دستور والمواد التي تحكم انتخاب رئيس الجمهورية بعد اجراء الانتخاب. والمادة 49 دسور يمكن ان تراعي كل »الاذواق« التي يشتغل اصحابها بانتخاب رئيس الجمهورية. فهي تتشكل من ثلاث فقرات: واحدة غير قابلة للالغاء. وواحدة قابلة للتعديل وأخرى يجب ان تلغى. فالفقرة الأولى التي تحدد من هو رئيس الجمهورية في الدولة والنظام لا يمكن مسّها مما يجعل مطالبة البعض بإلغاء كامل للمادة 49 فيه كثير من »الهرطقة« او الجهل. ويكفي التذكير بنص هذه الفقرة لتأكيد ذلك إذ جاء فيها ان »رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقا لاحكام الدستور، يرئس المجلس الأعلى للدفاع وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء«. فماذا يبقى لرئيس الجمهورية إذا ما تم إلغاء هذا النص؟ أما الفقرة الثانية التي تحدد الأكثرية المطلوبة للفوز في انتخاب الرئيس ومدة ولايته وشروط إعادة انتخابه والشروط الواجب توافرها لانتخاب الرئيس فيمكن ان تتعدل فاذا ما اصبحت ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات مثلا قابلة للتجديد او لثلاث سنوات كما كانت قبل تعديل الدستور سنة 1929 فهذا لا يمسّ بصلاحيات ودور رئيس الجمهورية في الدستور كما يمكن ان ينهي مسلسل الاختراقات ومحاولات اختراق هذا النص التي حصلت عبر التعديلات الاستثنائية او لمرة واحدة للوصول الى تجديد او تمديد ولاية الرئيس. وما يلفت في هذه الفقرة نصها على ان تتوافر في رئيس الجمهورية الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح. وإذا كانت »أهلية الترشيح« غير واضحة إذا ما كانت تعود للانتخابات النيابية أم للانتخاب الرئاسي إلا انها تطرح في الاحتمال الثاني ضرورة حصول »الترشيح« للانتخاب الرئاسي وتطرح في الاحتمال الأول ضرورة تأكد الناخبين المباشرين، أي النواب، من أن من يختارونه للرئاسة يجب أن تتوافر فيه الشروط التي تؤهله للنيابة ومنها ان يكون قد اتم الخامسة والعشرين من عمره وان يكون متمتعا بحقوقه المدنية والسياسية ومتعلما ولبنانيا منذ أكثر من عشر سنوات وهكذا.. فكيف يمكن للنواب ان يتأكدوا من توافر مثل هذه الشروط في الاسم الذي يقترعون له وهل على كل واحد منهم ان يحضر سجلا عدليا واخراج قيد لمن سيختاره؟ ان هذا الواقع المعتمد في نص هذه الفقرة من المادة 49 يجب ان ينتهي باجراء من اثنين: إما ان يتم تعديل هذه الفقرة لجهة وجوب تقديم طلب الترشيح يثبت الشروط المطلوبة. وإما ان يعمد المجلس النيابي الى الأخذ بالتفسير الثاني بعبارة »أهلية الترشيح« أي ان يعتمد الترشيح استنادا لهذه العبارة من دون تعديلها وعندها تتم تلاوة اسماء المرشحين الذين تقدموا بطلبات ترشيح مع اوراق ثبوتية ولا يجوز انتخاب من لم يرد اسمه بين هؤلاء. واعتماد هذا الاجراء لا يتطلب إلا اضافة مادة الى مواد النظام الداخلي لمجلس النواب إذ لا يُعقل ان يكون هذا النظام خاليا من احكام خاصة تتعلق بانتخاب رئيس البلاد. أما الفقرة الثالثة التي ترى المصادر وجوب الاسراع في إلغائها و»تنظيف« الدستور منها نهائيا فهي المتعلقة بعدم جواز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الأولى وما يعادلها في جميع الإدارات مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعليا عن وظيفتهم او تاريخ احالتهم على التقاعد. وبصرف النظر عن الاسباب التي ادت الى ادخال هذه الفقرة في الدستور واستثنائيتها التي انتهت فان بقاءها هو أمر مخالف لمبادئ الدستور نفسه خصوصا المادة السابعة التي تنص على ان اللبنانيين سواء لدى القانون و»هم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية« والمادة 12 وغيرها. كما ان استمرار نفاذ هذه الفقرة هو ضد الاسباب الموجبة الاستثنائية التي فرضتها. فإقحام هذه الفقرة، كما هو معروف، جاء لمنع بعض الاشخاص من الوصول الى سدة الرئاسة الأولى »استنادا لممارساتهم وماضيهم« في تحمل المسؤولية العامة. وهذا يعني بشكل مباشر ان الماضي قد تمّ اخذه بعين الاعتبار فلو لم يكن هناك ماضٍ اعتقده المشترع يومها انه سيء لما وضعت هذه الفقرة. وهذا يستوجب طرح التساؤل الآتي: لماذا يؤخذ الماضي إذا ما اعتبر سيئا بعين الاعتبار ويوضع نص دستوري في شأنه ولا يؤخذ »الماضي الجيد« بعين الاعتبار ويمنع صاحب هذا الماضي الجيد من الوصول الى الرئاسة الأولى. واضافة الى ذلك يمكن القول ان النظام البرلماني الديموقراطي المماثل للنظام اللبناني لا يتطلب برنامجا يتم انتخاب رئيس الجمهورية على اساسه لأن الرئيس غير مسؤول والسياسة العامة تقررها الحكومات. وبهذا المعنى لا يمكن ان يكون منطقيا ان يُنتخب شخص لسدة الرئاسة الأولى »غير مجرّب« ولا برنامج له حتى ولو كان له برنامج عمل فلا سلطة له للالتزام بتنفيذه وكيف يمكن التأكد من التنفيذ اصلا بعد الوصول في ظل بقاء الانتخابات النيابية على ما هي عليه لجهة قدرتها على ايصال أكثرية نيابية ملتزمة وموحدة؟ من هنا يصبح »الماضي الوظيفي« وتاريخ الشخص في العمل العام هو البرنامج الاساسي والصادق وهذا ما تحول الفقرة الثالثة من المادة 49 دستور من الافادة منه في الانتخاب الرئاسي الأمر الذي يتوجب استعجال إلغائها فورا. لذلك ترى المصادر ان استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية يطرح ما يكفي من احكام دستورية قابلة للتعديل فلماذا »التسلية« في مواد واحكام أخرى تخرج عن الاستحقاق في الوقت الذي يكون فيه التداول والنقاش في الاحكام الدستورية مطلوبا لا بل ملحّا في بعضه على الأقل؟ انه سؤال لا يلقى اجابة في الدستور أما في قاموس السياسة اللبنانية فتبقى الاجابة عنه ممكنة وهي كذلك حتما.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة