توفي، صباح امس الأحد، »امبراطور السينما اليابانية« المخرج كيرا كوروساوا، عن ثمانية وثمانين عاما، أمضى منها نصف قرن وهو يرفد الفن السابع العالمي بلوحات جمالية متنوعة، تستند غالبا الى التاريخ لتروي بعض الجاهز، وتعود الى الماضي لتنتقد الواقع، مع كل ما في الذاكرة من غنى ثقافي وحضاري موغل في القدم. كان يدرك سلفا انه لن يستطيع قول شيء »عن اليابان المعاصرة في فيلم معاصر«، خصوصا وان لديه الكثير ليقوله في هذا المجال. وأعطى مثلا على ذلك، فيلمه "IKIRUس (بالفرنسية "VIVREس 1952)، الذي يروي حكاية موظف في البلدية، يكتشف انه مصاب بمرض السرطان، في مرحلة متقدمة. فإذا به يواجه كل زملائه، كي ينهي مشروع بناء ملعب للأولاد قبل وفاته: »اذا أردت إنجاز مثل هذا الفيلم، اليوم، فإن وزير التربية سيرفض. هؤلاء البيروقراطيين، ذوو القلوب المتحجرة، لا يريدون الاقتناع بأنهم، في الحقيقة، يشبهون هذه الصورة«. نصف قرن من العمل السينمائي، اي خمسون سنة مرت بين أول شريط أنجزه كوراساوا في العام 1943 بعنوان »اسطورة جودو الكبير« (جودو: طريقة في التدريب الرياضي، يابانية الأصل)، وبين آخر فيلم حققه في العام 1993 بعنوان »مادادايو«، الذي روى فيه علاقة أستاذ جامعي متقاعد، بطلابه القدامى: هل هي مجرد صدفة، ام منحى إبداعي متكامل اكتسبه هذا الفنان »العملاق«، او ربما كان محتما عليه ان يبدأ حياته الفنية بفيلم مأخوذ من تقليد ياباني لوجه من وجوه الحياة هناك، وان ينهيها بما يشبه »رسالة وداع«، حين روى علاقة هذا الاستاذ الجامعي المتقاعد (هل هو السينمائي نفسه، الراغب في التقاعد)، بطلابه القدامى، أي بأفلامه وتاريخه وحكاياته وعوالمه، او لنقل باختصار، حياته كلها؟ التاريخ، الذاكرة، الثقافة، المرأة، العادات... عناوين قد تصلح لقراءة اكيرا كوراساوا، صاحب »الأسلوب الامبراطوري« و»المتطلبات القاسية« و»الشخصية الصعبة«. وعلى الرغم من كل ذلك لم يكن متحمسا أبدا لكتابة سيرته الذاتية، فهو يدرك ان الكتابة عن الذات تشبه »الجلوس بين اربعة جدران بيضاء مغطاة بالمرايا، محدقا فيها«، مضيفا انه بذلك يصبح »مضطرا للنظر الى نفسه من مختلف الزوايا، وعلى مدى سنوات، أأعجبني هذا المشهد ام لا«. ومع هذا كتب ما يشبه السيرة الذاتية، وتوقف عند العام 1950 بعد تنفيذ »راشومون«، لأنه كان يعتقد ان إنهاء سيرة ذاتية يعني مراجعة الحياة كلها »حتى اللحظة الاخيرة«، في حين انه لم يستقل من حضوره كمخرج، وانه أنجز تسعة عشر فيلما بعد العام 1950. وفي تلك السيرة، روى أشياء كثيرة عن طفولته وشبابه، عن أفلامه وثقافته، عن اكيرا كوراساوا، الذي أعطى للفن السابع سلسلة اعمال لا تزال تبهر المشاهدين: »يوجيمبو«، »بين السماء والجحيم«، »دوديسكادن«، »كوغيموشو«، »ران«، »احلام« وغيرها. وهو ولد في الثالث والعشرين من آذار 1910، في طوكيو، ودرس في إحدى مدارس »كييك« بين العامين 1923 و1927، كاتبا في مجلات ادبية. لكنه فشل في اجتياز امتحانات القبول في أكاديمية الفنون (1928)، فيبدأ برسم لوحات، قبل ان يصبح في العام التالي عضوا في اتحاد الفنانيين، مصمما ملصقات له (للاتحاد). كان العام 1933 قاسيا عليه، ففي العاشر من تموز انتحر شقيقه هينو، وفي تشرين الثاني مات شقيقه الأكبر اثر مرض عضال. وبدءا من العام 1936، انخرط كوروساوا في المجال السينمائي: مخرجا مساعدا في شركة انتاج سينمائية، قبل ان ينتقل الى العمل مع المخرج كادجيرو ياما موتو، ثم مع ايسكي تاكيدزافا. في العام 1938 كتب أول سيناريو له، مقتبسا إياه من رواية لسينكيتشي فودجي موري، قبل ان يعود الى وظيفة مخرج مساعد لياماموتو، مجددا، ثم يدير فريق التصوير الاحتياطي لفيلم »المهر« للمخرج نفسه. في واحد من التحاليل النقدية الغربية، جاء ان »راشومون« كشف للعالم وجود سينما في هذا البلد البعيد، الخارج من الحرب. كما انه أطلق صاحبه في مسار مهني وشخصي، ومنحه سلسلة من النجاحات المؤكدة. على مدى سنوات »راشومون« نال جائزة »الأسد الذهبي« في مهرجان البندقية. تخطى كوروساوا بعد ذلك بعدد آخر من الجوائز القيمة، نالها على بعض أبرز أفلامه، أكانت أفلاما تاريخية أم معاصرة؟ في مقال اودي بوك، جاء ان الافلام الاثني عشر التي حققها كوروساوا بين العامين 1950 و1965 (مثل »الساموراي السبع« و»قصر العنكبوت« و»لو ان العصافير تعرف«...) »عرفت كلها نجاهات كبيرة في اليابان«، كما ان بعضها »اثر في السينما التجارية العالمية«: الايطالي سيرجيو ليوني »اقتبس« فيلم »يوجيمو« في شريط وسترن سباغيتي بعنوان »من أجل حفنة من الدولارات« (1964)، بعد »اقتباس« هوليوود لاثنين من افلامه التاريخية: »راشومون« اوحى لمارتن ريت فيلم "The Outrageس (1964) و»الساموراي السبعة« نُقل الى »السبعة الكبار« لجون ستورجس (1960). بعد "Barberousseس (1965)، بدا ان مساره المهني سيؤول الى الزوال فجأة. اكتشاف هوليوود لموهبته، دفعته الى توقيع عقد عمل معه، من خلال شركة »فوكس للقرن العشرين«. لإنجاز الجزء الياباني من »تورا! تورا! تورا!« (الذي حققه في العام 1970 الثلاثي ريتشارد فلاشير وتوشيو ماسودا وكينجي فاكاساكو، بعد اعتزال كوروساوا) عن حرب الباسيفيك: لم يمض وقت طويل حتى برزت مشاكل عدة، منها الصعوبة في التواصل والميزانية وتواريخ التصوير. لكن المشكلة الأكبر كمنت في إصرار كوروساوا على مراقبة المونتاج وشغله الخاص، مما أدى الى تركه المشروع. هذه الأزمة، أثرت على مستقبله كمخرج، فهو لم يعد يستطيع الحصول على تمويل لمشاريعه، ولولا مساعدة بعض الاصدقاء المخرجين، لما استطاعت تحقيق »دودسكادن« (1970)، الذي فشل تجاريا: خيبة امل وإصابته بحص في المرارة دفعتاه الى الاقدام على أول محاولة انتحار. لكنه استعاد حضوره مع عرض من شركة »موسفيلم« السوفياتية، فسافر الى سيبيريا حيث أمضى عامين، لتصوير »ديرزون دوزالا«، الذي حصل بفضله على جائزة »اوسكار« أفضل فيلم اجنبي، في العام 1979. وعلى الرغم من هذا النجاح العالمي، واجهت مشاريع كوروساوا العديد من المشاكل، بسبب مرور الصناعة السينمائية اليابانية، مع نهاية الستينيات وعلى مدى سنوات طويلة، في مرحلة من الانهيار والمآزق. ولم يعد يستطيع كوروساوا إنجاز شريط الى ان ساهم اثنان من كبار السينمائيين الأميركيين، فرنسيس فورد كوبولا وجورج موكاش، في اقناع شركة »فوكس« شراء حقوق توزيع فيلم »كوغيموشو« العالمية: هذا الفيلم نال »السعفة الذهبية« من مهرجان »كان« الدولي في العام 1980، وفيه يجمع المخرج »الحس الدرامي الشكسبيري والاهتمام الكبير بتاريخ اليابان«. استمر كوروساوا في إنجاز مزيد من الاعمال المميزة (رات، احلام...)، الى العام 1993 و»مادادايو«، ثم اعتزاله شبه الكامل الذي انتهى بموته في منزله في طوكيو. إعداد: نديم جرجوره