As Safir Logo
المصدر:

تقاسم الصلاحيات بين المحافظ وبلدية بيروت: تكامل ام تنافر؟ الحدود الوهمية بين العاصمة والضواحي تطرح اشكالية العلاقة(صور)

المؤلف: الساحلي عدنان التاريخ: 1998-09-02 رقم العدد:8087

كتب عدنان الساحلي حفلت السنوات الماضية بسجالات عن تداخل الصلاحيات بين محافظ مدينة بيروت ورئيس بلديتها، وسرعان ما كان الجدل القانوني يتوقف مذعورا عندما يصطدم بالفخ الطائفي المنصوب دائما لتعطيل اية عملية تغيير او تصحيح او تصويب للمسار في مختلف القضايا اللبنانية. قانونيا، يستثني قانون البلديات رقم 118 الصادر في 30 حزيران سنة 1977 بلدية بيروت، ورئيسها بالذات من السلطة المعطاة لكل رؤساء البلديات في لبنان، حيث يمارس رؤساء البلديات السلطة التنفيذية، فيما تشكل المجالس البلدية، سلطة تقريرية، اما في بيروت فقط، اعطي محافظ المدينة منذ العام 1962 السلطة التنفيذية في بلدية العاصمة، وبقي رئيس البلدية رئيسا للسلطة التقريرية. كان ذلك، تسوية للمواقع والحصص الطائفية في البلاد، فالمحافظ في بيروت بدوره محروم من الصلاحيات التي يتمتع بها أنداده محافظو باقي المناطق اللبنانية، فهؤلاء هم ممثلو كل الوزارات في مناطقهم ما عدا العدلية والدفاع، في حين ان هذه الوزارات تمارس دورها مباشرة في العاصمة، وتستغني بذلك عن خدمات المحافظ. هذا الامر شكل ازمة مفتوحة بين المحافظ والبلدية، كان يتم السكوت عنها حينا ومنع تفاقمها حينا آخر، وذلك بترتيب امور التعايش بين الموقعين على خلفية عدم اثارة نزاع طائفي لان موقع المحافظ في بيروت هو لطائفة الروم الارثوذكس، فيما رئاسة البلدية للمسلمين السنة. ما هي وجهة نظر المعنيين في هذه الاشكالية، وهل القضية موضع خلاف حقا ام ان الامور على أحسن ما يرام؟ وهل هناك مخارج او اقتراحات للوصول الى الافضل؟ »السفير« سجلت رأي المحافظ نقولا سابا ورئيس البلدية عبد المنعم العريس وعضو البلدية عبد الحميد فاخوري وهو رئيس اللائحة المنافسة للعريس، اضافة الى نقيب المهندسين عاصم سلام الذي كان على قاب قوسين من الترشح ورئاسة اللائحة المنافسة للائحة المهندس العريس التي فازت بجميع اعضائها باستثناء خرق واحد شكله فاخوري. الصلاحيات ينفي المحافظ سابا من الاساس فكرة وجود تعارض بين البلدية والمحافظة، ويقول: »لا يوجد تعارض ابدا، بل ان هناك تكاملا... تكاملا بوجوهه الايجابية التي ليس فيها اي وجه سلبي، فلا تعارض بين المجلس البلدي ورئيس المجلس ومحافظ بيروت«. يتابع: نحن في دولة ديموقراطية برلمانية يرعاها الدستور والقانون، وقانون البلديات واضح ولا تشوبه شائبة، ان لجهة بلدية بيروت، او تجاه باقي البلديات، وصلاحيات المجلس البلدي والمحافظ يستمدها كلاهما من القانون المرسوم الاشتراعي رقم 118/77 الذي ينظم كل هذه القضايا. وكل كلام آخر حول هذه العلاقة استغرب تداوله، واعتبر ان سببه عدم الالمام بالقانون الذي ينظم الصلاحيات، وهو بعيد عن اية خلفية ادارية. يضيف: ارجعوا الى القانون، ومن المستغرب الحديث عن قضية الصلاحيات في حين ان المشكلة غير موجودة. اما اختلاق المشاكل فإن له أهدافاً اخرى، وأنا اؤكد على وجود تكامل في الصلاحيات وأرى ان هذه هي الطريقة الامثل لادارة المدينة. واشار سابا، الى ان المحافظ عملا بقانون التنظيم الاداري، يدير شؤون الوزارات في محافظته، ما عدا وزارتي العدل والدفاع، وهو بالتالي رئيس الهرم الاداري في محافظته ويرأس جميع الموظفين، كما انه سلطة وصاية على البلديات، لان قرارات المجالس البلدية في المحافظات تخضع لتصديق القائمقام والمحافظ. اما في مدينة بيروت، فليس للمحافظ هاتان الصلاحيتان، فلا هو يدير شؤون الوزارات لانها تدار مباشرة من قبل الوزراء المعنيين، ولا يصدق قرارات المجلس البلدي في بيروت لان وزير البلديات هو سلطة الوصاية عليها. اذاً الصلاحية الوحيدة المتبقية لمحافظ بيروت هي رئاسة السلطة التنفيذية في البلدية، في حين ان سلطة رئيس بلدية بيروت هي سلطة تقريرية. رئيس البلدية المهندس العريس قال ان »قانون البلديات الخاص لبيروت يختلف عن قانون البلديات الخاص لباقي بلديات لبنان، ذلك ان المجلس البلدي في بيروت بما فيه رئيس المجلس هو سلطة تقريرية فقط، والمحافظ هو السلطة التنفيذية، بينما في باقي البلديات المجلس البلدي هو السلطة التقريرية ورئيس البلدية هو السلطة التنفيذية«. اضاف: »نحن كسلطة تقريرية نعقد اجتماعات متواصلة ويومية على صعيد اللجان، واسبوعيا للمجلس للبلدي، كحد ادنى، وكل ما نتخذه من قرارات نحوله الى المحافظ للتنفيذ«. وتابع: »لم يكن وضع بلدية بيروت يختلف عن اوضاع البلديات الاخرى بالنسبة للصلاحيات، لكن سنة 1962 صدر مرسوم اعطيت بموجبه صلاحيات بلدية بيروت الى المحافظ، ومنذ ذلك الوقت ما يزال العمل جاريا وفق هذا المرسوم«. عن الاشكالات التي يثيرها هذا الواقع قال: »نحن تسلمنا مهامنا منذ شهرين ونعمل منذ حوالى ستة اسابيع، والمحافظ متعاون معنا وسوف يصار الى عقد اجتماعات دورية بين السلطة التشريعية في البلدية والسلطة التنفيذية لاتخاذ قرارات مشتركة، علما ان المجلس البلدي ما زال في طور دراسة الملفات البلدية المتراكمة لاتخاذ القرارات المناسبة في شأنها، لذلك فإن من المبكر الحديث عن اشكالات«. فاخوري رأى ان حجم المشكلة يرتبط بمدى التعاون بين المحافظ والبلدية، ورأى ان هذا التعاون يخضع دائما للاجتهاد الشخصي ولا يكون على اساس مبادئ وثوابت. واعتبر انه ما لم يعالج هذا الموضوع معالجة جذرية وهادئة فإن المشكلة ستبقى تواجه المجلس البلدي. ويقول النقيب سلام انه »من المؤكد ان هذه الصلاحيات تتضارب بشكل واضح، فبيروت هي المدينة الوحيدة المستثناة من نظام البلديات في لبنان، بما يتعلق بالصلاحيات التنفيذية المناطة عادة برئيس البلدية، في حين أن مجلس بلدية بيروت هو سلطة تقريرية فقط، في حين أن سلطة التنفيذ مناطة بالمحافظ، وهذا الأمر انتج مشكلات عديدة بين رئيس البلدية والمحافظ، أيام رئيس البلدية السابق شفيق السردوك وأيام من سبق السردوك، عندما كان متري النمّار هو محافظ بيروت، مما يجعل السؤال مطروحا بشكل دائم: ما هو دور المجلس البلدي ومسؤوليته تجاه قضايا العاصمة؟«. أضاف: أنا اعتقد ان اول عمل يجب انجازه لحل مشكلات العاصمة هو ان يعطى المجلس البلدي صلاحيات ليكون مسؤولا، فلا تضيع الصلاحيات بين المحافظ والمجلس. وبالتالي يجب تحديد من هو الجهاز المسؤول عن إدارة المدينة، في طرابلس المجلس البلدي يدير البلدية من اصغر قرار حتى أهم قضية. ولا يقاسمها السلطة التنفيذية المحافظ. لا اعرف لماذا ميزت بيروت عن غيرها، ربما لانها محافظة قائمة بذاتها. لكن من الضروي عدم حصول هذا الالتباس القائم، والحل في تغيير الواقع ونزع صلاحيات المحافظ عن العمل البلدي في بيروت كليا، حتى تسير العملية بشكل ديموقراطي لأن المجلس البلدي منتخب فيما المحافظ موظف. كذلك فإن المحافظ ليس من أهل المدينة حسب الانظمة المتبعة. وبالتالي فإن ابن زحلة لا يستطيع ان يلم بمشاكل العاصمة ولا في تركيبة عائلاتها واوضاعها ولا علاقة له لا بتراثها ولا بذاكرتها. هذا موظف وضعته الدولة ليدير امورها، لا ليدير امور البلدية«. الحلول عن الحلول لهذا الاستثناء غير الطبيعي، هل هي بالاستفادة من قانون اللامركزية الإدارية او بتقطيع بلدية العاصمة الى بلديات صغيرة، وجمعها في اتحاد بلديات. لعل المسافة تحل المشكلة مع المحافظ، او الأخذ باقتراح استبدال منصب المحافظ ب»أمين العاصمة« الذي قدم اوائل السنة الماضية. عن ذلك قال سابا: »لا اعتقد ان لقانون اللامركزية الإدارية علاقة بمدينة بيروت، كما ان هذا القانون لم يصدّق بعد، وما يزال قيد التداول. لكن نائب رئيس مجلس الوزراء ملم بهذه المواضيع وارى ان ما يقوم به على مستوى تحديث القوانين واقتراحها لافت للنظر في عمقه وبعد نظره«. أضاف: اما بشأن اقتراح تعيين أمين للعاصمة، فهذه قضايا لها علاقة بالقوانين ولا علاقة لها بالصلاحيات، ونحن كبلد ديموقراطي، البرلمان هو الذي يشرّع القوانين وليس أنا«. وتابع: »في بيروت بلدية واحدة، ولا اعتقد ان تقسيمها الى بلديات صغيرة هو الحل الامثل، لأن هذه البلدية تستطيع ان تقوم بواجباتها، والمشاكل التي تواجهها ناتجة عن بعض القوانين المتعلقة بالروتين الإداري وببعض الآداء السلبي. المهندس العريس اعتبر ان البلديات الكبرى في العالم تضم بلديات فرعية، لكن بالنسبة لبلدية بيروت فان مساحة بيروت الجغرافية ليست كبيرة مثل الكثافة السكانية فيها، ورأى ان من الأفضل بقاء بلدية بيروت بلدية واحدة وعدم تجزئتها الى بلديات محلية. وقال: البلدية تضم أربعة وعشرين عضوا ناشطين يقومون بعملهم على أحسن وجه، ولا نستطيع ان نقارن بين بلديتي بيروت وباريس او بلدية الرياض، فالحدود الجغرافية لمدينة الرياض تقارب نصف مساحة لبنان، وهي بطول يفوق ال130 كيلومترا وعرض يفوق 7060 كيلومترا، هذه المنطقة تم تقسيم بعضها الى بلديات محلية بصلاحيات محلية، مرجعها كلها أمانة مدينة الرياض، فيما بلدية العاصمة في الوسط التجاري. والأمر نفسه في باريس لجهة فارق المساحة عن بيروت. لذلك أنا أرى ان بلدية مركزية في بيروت تفي بالغرض. عن حاجة العاصمة أكثر للبلدية أم المحافظ قال العريس: »تحتاج الى سلطات وقرارات الجهتين معا ولا نستطيع القول ان البيروتيين يحتاجون الى بلدية أكثر او الى المحافظ، او ان هذه أهم من تلك، الموقعان يتممان بعضهما البعض«. عن اللامركزية الإدارية وامكان استفادة العاصمة من القوانين التي ستصدر بشأنها، قال: »اننا مع كل الأمور التي تسهل حياة المواطنين وتخفف الاعباء عن المؤسسات المركزية وتعزز دور البلدية«. المهندس فاخوري رفض فكرة إلغاء منصب المحافظ، وقال ان هناك محافظين في جميع المناطق اللبنانية، »ولنعترف بصراحة ان للمشكلة طابعين، الاول ان المحافظ نفسه في بيروت مسلوب الصلاحيات كمحافظ، لصالح الوزارات والادارات المركزية. وعندما يستعيد المحافظ صلاحياته لا يبقى لديه وقت للتعاطي في شؤون البلدية. اما الطابع الثاني، فهو ان اي قضية في لبنان تأخذ طابعا طائفيا، حيث ينتمي المحافظ الى طائفة ورئيس البلدية الى طائفة ثانية، فيصبح الانتقاص هنا من صلاحيات احدهما انتقاصا من حقوق طائفته، وهذا امر غير مقبول، ولا يصح التعامل معه بخفة، بل يجب درسه بعمق بين المجلس البلدي والمحافظ والوزراء المعنيين لإيجاد حل. أضاف: لا أوافق على تقسيم بيروت الى بلديات صغيرة وتجميعها في اتحاد بلديات. انا مع وجود مجلس بلدي واحد، لكن لا يصح ان لا يكون لهذا المجلس وجود وحضور في مختلف مناطق العاصمة. وتابع: أنا ضد مركزية المجلس البلدي في المدينة، حيث له مركز واحد يتواجد فيه ويقصده اليه كل الناس، والمطلوب ايجاد مراكز عدة في انحاء العاصمة. اما لناحية انتخاب هذا المجلس فأعتقد ان من الافضل الرجوع الى طريقة الانتخابات على اساس المناطق على ان يتشكل بالنتيجة مجلس بلدي واحد. اما لجهة اللامركزية الادارية، فحتى الآن لم نتطرق الى هذا الموضوع. لأنني غير مطلع على تفاصيل ما سيعتمد في مشاريع اللامركزية الادارية الجاري الحديث عنها. النقيب سلام بدوره، قال: »لا مانع من ايجاد منصب امين العاصمة، لكن اذا أردت ايجاد امين للعاصمة لربطه بمرجع سياسي معين فهذا غير مقبول. لماذا يراد ربط امين العاصمة برئيس الوزراء؟ امين العاصمة موقع اداري يمكن ربطه بوزير الداخلية او اي موقع مماثل، لكن لا يمكن ربطه بمركز يشرف على كل امور الدولة كلها لأنه يصبح موقعا سياسيا. ضمن هذه الضوابط وجود امين للعاصمة أفضل من بقاء الصلاحيات ضائعة بين المجلس البلدي والمحافظ، ومن انقطاع العلاقة بين بلدية بيروت وبلديات الضواحي«. وتابع: »من الناحية التنظيمية، اصبح من الضروري ايجاد علاقات دائمة بين بلدية بيروت وبلديات الضواحي، فلم تعد تستطيع ان تنظر الى بيروت في حدودها البلدية العقارية، اذا اردت ان تنظم المدينة، فإن الخط الموجود على الخريطة والذي يفصل العاصمة عن الضواحي هو خط وهمي، لأن العاصمة تتوسع وتكبر بشكل متواصل، لذا يجب دراسة بيروت وضواحيها كوحدة مدينية متكاملة. وهذا الامر سبق واخذ به سنة 1965 عندما انشئت بيروت الكبرى، التي تمتد حدودها من خلدة الناعمة جنوبا حتى نهر الكلب شمالا والى ارتفاع 150 مترا شرقا، اي الى حدود المنصورية الحازمية. وقد ادخلت فيها الضاحية الجنوبية بالنسبة لتحديد عوامل الاستثمار فيها وهذا ما أطلق عليه مشروع »ايكوشار«. الا ان »ايكوشار« تنصل من هذا المشروع عندما وضع المسؤولون اقتراحاته على الرف، وعملوا على هواهم، بعد ذلك جاءت الحرب الاهلية التي فقدت فيها العاصمة قلبها، اي الوسط، وانقسمت شطرين ووقع فيها فرز سكاني وهجرة من منطقة الى اخرى ومن باقي المحافظات، مما أوجد اقطابا مدينية خارج العاصمة في خلدة والضاحية وجونية وانطلياس، وهذا يحتم ان تتم دراسة تنظيم العاصمة مع الاقطاب المدينية الجديدة التي برزت خلال العشرين سنة الاخيرة لترى كيف تربطها بعضها البعض، علما ان بروز هذه الاقطاب الجديدة له حسنات حتى لا يتم التركيز على مركزية بيروت، لأن المطلوب ان تستمر الناس في العيش في مدنها وقراها، لكن هذا يتطلب تنظيما ايضا حتى تسهل عملية التواصل بينها. أضاف: سنة 1986 وضعت دراسة لبيروت الكبرى انجزتها شركة فرنسية مع مديرية التنظيم المدني حتى الآن لم تنفذ ولم يتخذ قرار بشأنها. لكن لا بد من العمل لوصل البنية التحتية، فلم يعد ممكنا ان تنعزل كل بلدية ضمن النطاق الجغرافي التابع لها والذي هو خط على الورق فقط، لأنك تنتقل من الجناح الى بيروت من دون ان تشعر، وكذلك من الشياح والغبيري. المطلوب توحيد هذه البلديات تنظيميا. كذلك مطلوب الاهتمام بعمليات النزوح من الريف الى المدينة ومعالجة اسبابها على النطاق الوطني لأنها تنعكس سلبا على تنظيم بيروت. اما التركيز والاسراف على تجهيز بيروت فإنه لن يحل مشاكل البلد السكانية وسيبقى لذلك انعكاس مباشر على اوضاع العاصمة، لأن التركيز على توسيع الطرقات الى الوسط التجاري، وعلى نظافة بيروت، وعلى ارادة بيروت وعلى المدينة الرياضية في بيروت وعلى سباق الخيل فيها وعلى الفنادق والمطار. كل ذلك يعطي ردة فعل عكسية، الطرقات لن تحل مشاكل المناطق بل ستسهل اكثر الانتقال منها الى العاصمة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة