As Safir Logo
المصدر:

وائل حلاق: من المستحيل الاحاطة بقضايا حديثة بتفسير حرفي للمصادر الالهية ينبغي ان يكون هناك دائما مجال للتطور التاريخي والتنوعات الاقليمية

المؤلف: صلوخ باسل التاريخ: 1998-08-31 رقم العدد:8085

وائل حلاق أستاذ كرسي في معهد الدراسات الاسلامية في جامعة ماك غيل. حلاق المولود في الناصرة، فلسطين، في عام 1955، حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة واشنطن، في سيتل، عام 1983، متخصصا في الفقه الاسلامي. ومع انه أكاديمي شاب نسبيا، يعتبر حلاق واحدا من أبرز الأكاديميين المرموقين في حقل الشريعة الاسلامية و/أصول الفقه/. بالإضافة الى العديد من المقالات المنشورة في الدوريات الدولية الهامة، تتناول منشوراته الكتب التالية: »ابن تيمية ضد علماء المنطق اليونانيين« (مطبوعات جامعة اوكسفورد، 1993)، وكتاب مكون من مقالات منتخبة، عنوانه: »القانون وأصول الفقه في الاسلام القروسطي والكلاسيكي«، (عام 1995)، صدر عن دار فاريوروم، وكتاب آخر بعنوان »تاريخ الأصول الفقهية الاسلامية« الصادر مؤخرا، وهو مقدمة لأصول الفقه السنية (صادر عن طباعة جامعة كامبريدج، عام 1997). لقد اتحد في أعمال وائل حلاق دائما، المعرفة الواسعة مع موقف ثقافي مراجعاتي للمواضيع والمناقشات الأكاديمية الحاضرة والماضية. ولقد أدار الباحث الجامعي باسل صلّوخ هذه المقابلة مع وائل حلاق في مونتريال، كندا، بالانكليزية، آملا ان يلقي الضوء على بعض المواضيع الأساسية في أعمال حلاق الصادرة حتى الآن، وان يقدم أعماله للقارئ العربي المتخصص والمهتم. { صلوخ: إحدى دراساتك المبكرة والتي هي حقا موضوع أطروحتك للدكتوراه تتناول النقاش حول »انسداد باب الاجتهاد« في النظرية الفقهية السنية. هل بإمكانكم ان تعرضوا لنا الأساس الثقافي لهذا الاهتمام الخاص، الاستنتاجات المنهجية والعملية لطروحاتكم؟ حلاق: معالجة باب الاجتهاد حتى نهاية الثمانينيات من هذا القرن، وبداية التسعينيات، هي تحديدا، امتداد للجدل الاستشراقي الذي سيطر على أوروبا خاصة، والغرب عموما، منذ بداية القرن الثامن عشر. ومع ان ظاهرة الاجتهاد، هي، وينبغي عليها ان تكون، اولا، ظاهرة فقهية تشريعية، الا ان المستشرقين حولوها الى محتوى ثقافي وسياسي، ركزوا عليه، باعتباره محور الحوادث، لتشخيص ليس فقط التاريخ الاسلامي الفقهي، بل وايضا، وأساسا، لتشخيص التاريخ الثقافي والسياسي الاسلامي. وهكذا، فانسداد باب الاجتهاد، الذي اعتبر حقيقة لا تحتاج الى دليل او استعراض، استعمل ليدل على الترسب والهمود الثقافي والتقهقر داخل جسد الاسلام. ما وجدته مثيرا للفضول حول هذه المسألة، برمتها، هو ان لا دارس واحدا، لباب الاجتهاد، كان قادرا على عرض دليل واحد صحيح لدعم هذا الانسداد المزعوم. ان دحض وتنفيذ هذا الزعم لا يحتاج لأن يكون ثقافيا او سياسيا. وهذا ما تم فعله تماما وبشكل مناسب من قبل. لقد كانت الحاجة الماسة مخاطبة المسألة تاريخيا، لتعالج خصوصا الجوانب الفقهية لتلك الظاهرة التاريخية (انسداد باب الاجتهاد). لقد كانت تشعبات مقولتي المنادية بتعديل الطرح الاستشراقي مدهشة لي. أولا، كانت استنتاجات بحثي التي نشرت في عام 1984، مقبولة مباشرة، من غير تحديات. ومهما كان النقد الشفوي لها ممكنا، بدأ هذا بالظهور على السطح، فقط، لمدة عقد لاحق، ولكن ليس بشكل مباشر. لكن المثير للاهتمام، في مجمل المسألة، هو ان الاكاديميين بدأوا، جديا، بالتخلي عن الافكار القديمة، المتعلقة بعدم نفع دراسة ما كان يسمى عند احد الأكاديميين »بالشرح الفارغ للشرح«. ان الفترة التي تقع بين التكوين الاول للشرع الاسلامي وفترة الحداثة، اصبحت اليوم حقلا معرفيا مهما للبحث. في الواقع، معظم البحث المفيد والهام، الذي كان يقاد خلال حفنة السنوات الماضيات القليلة، يركز على هذه الفترة. باختصار، ساعدت هذه المقولة التنقيحية على فتح ملفات التاريخ القروسطي الفقهي للاسلام، لدراستها، في الوقت الذي كان فيه هذا التاريخ، معلقا، هاجعا، ساكنا، لعدة قرون. { هل تأثر المثقفون المسلمون والعرب بادعاءات المستشرقين؟ واذا كان الأمر كذلك، فلماذا تعتقد انه حصل هذا؟ من المهم أن نعرف ان الدعوة المناصرة »لانسداد باب الاجتهاد« تنامت ولقيت قبولا ضمن الدوائر الاسلامية (المحافظة)، فقط بعدما أصبحت معتقدا مقبولا، مؤسسا له جيدا، في دوائر الأكاديميين الغربيين. ان مسار التأثر الثقافي هذا ما زال ينبغي البحث فيه، لكن من الواضح، ان الشريعة الاسلامية لا تقبل مثل هذا الطرح. وعلى مستوى اكثر شمولية، كانت العلاقة بين المستشرقين والمثقفين الاسلاميين، أشبه بمحفظة تختلط فيها الأوراق. ففي مثل هذه القضايا الحساسة، مثل علم الحديث وأصالته، شعر المسلمون بان المستشرقين يهاجمون الاسلام. لكن ايضا، خدمت بعض الأفكار الاستشراقية بعض المثقفين الاسلاميين، خدمة جيدة. لقد وجد أولئك المحافظون، الذين سعوا لمقاومة التغيير، في فكرة انسداد باب الاجتهاد، وسيلة لخدمة وتبرير مشروعهم المحافظ. في الحقيقة، اصبح من المتعارف عليه ان أولئك الذين أرادوا التغيير، وكانوا راغبين ومستعدين لتسريع برامج الإصلاح، أصرّوا على ان باب الاجتهاد لم يُسدّ أبدا. ومن السخرية بمكان، ان لا أحد من كلا المعسكرين الاسلاميين (المحافظ والاصلاحي)، ولا حتى المستشرقين، سعوا الى تقديم الدليل التاريخي لصالح او لضد الانسداد. وهكذا، فالمعالجة الاستشراقية جرى استغلالها، لتناسب المشاريع اليومية المختلفة، أيديولوجيا، سياسيا، وتاريخيا، للمثقفين العرب والمسلمين. { لكنك بيّنت انه حتى النظام الاسلامي الفقهي، الما قبل الحداثة، لم يكن جامدا. كيف جرى تلقي هذا الطرح المعاكس لتوجهات بعض المستشرقين؟ ان الدلائل لصالح هذا الفهم للتطور الفقهي مكثف جدا، ومُقنع جدا، لدرجة ان لا صوت ارتفع معارضا. المسألة كما دافعت عنها، ودافع عنها حفنة من الآخرين، جرى تلقيها بشكل جيد، وتم هضمها بسرعة، باعتبارها المحور الاعتقادي في هذا الحقل المعرفي. { لقد ترجمتم الى الانكليزية، وعلقتم على كتاب تقي الدين ابن تيمية وهو بعنوان: »جهد القريحة في تجريد النصيحة«. لماذا اخترتم ابن تيمية وهذا النص بالذات؟ ابن تيمية معروف جيدا في الغرب، بسبب تنوع المواضيع التي كتب عنها دزينات من الكتب. اهتمامه بالمنطق، مهما كان، معروف بدرجة أقل. لقد أردت ان أقدم للقارئ الحديث، شخصية عملاقة، في التاريخ الفكري للاسلام، استبقت نقد العديد من الفلاسفة الأروبيين المحدثين والماقبل محدثين. لقد أظهرت أن ابن تيمية مفكر تجريبي، الذي استهل وبدأ الهجوم الأول المكثف والمدمر والمخرب ضد علماء المنطق اليونان، خصوصا اولئك »الأرسطوطاليسيين«. لكنني أحاول ايضا ان أُظهر نوايا ابن تيمية الخفية في محاولته الرد بالحجة ادعاءات المتصوفين الاتحاديين، من خلال نقده لنظرية الكليات. وأنا لا أعتقد ان الاسلام أنتج في هذا المجال شخصية بهالة وأهمية ابن تيمية. { فلننتقل الى أحدث ما أصدرته من الكتب: »تاريخ الأصول الفقهية الاسلامية«. تعرض في هذا الكتاب عددا من النظريات المنادية بالمراجعة والتعديل المذهبي. في إحدى هذه النظريات، ترفض فكرة أصول الفقه الأحادي، اللاتاريخي، مجادلا في حقيقة انه كان هناك دائما، تنويعات ضمن أصول الفقه. كيف توصلت الى هذا الاستنتاج؟ ولماذا من الضروري التركيز على هذه النقطة؟ انه جزء أساسي لأي تحليل تاريخي سليم، النظر الى التاريخ باعتباره ظاهرة ديناميكية. ومنذ بداية بحثي في هذا الحقل المعرفي، كان واضحا بالنسبة إلي، انه، وعلى الرغم من الطبيعة المحافظة لأي قانون، وفي أي مكان، ينبغي ان يكون هناك دائما، مجال للتطور التاريخي، وللتنوعات الاقليمية. ومع الاحتفاظ بمثل هذه الافتراضات في العقل، كان من السهل تسليط الضوء على تاريخية وتنوع العديد من المواضيع المهمة في المسار الطويل لتطور الشريعة. وبغير مثل هذا الفهم الديناميكي للشريعة، لن نستطيع ابدا ان نفهم تاريخ الفقه الاسلامي. يدعي بعض المستشرقين »الكبار« مثل هاملتون جيب ونويل كولسن انه، بعد الفترة التكوينية الاولى للفقه الاسلامي، لا يوجد شيء في التاريخ الفقهي الاسلامي، جدير بأن يدرس، لأن كل ما نجده، انما هو شرح على شرح مجرد حبر مستهلك على الأوراق. أما أنا، فأعتقد أنني كنت ناجحا في إظهار (وحتى في منشوراتي التي صدرت بعد ان رأى هذا الكتاب النور) أننا، لم نعد قادرين على احتمال مثل هذه الادعاءات (للمستشرق جيب وكولسن)، هذه الادعاءات القديمة والباطلة. { أنتم أيضا ترفضون الطرح الذي يرى ان أصول الفقه كانت نتاج القرن الهجري الثاني (او الثامن ميلادي)، وان ابن إدريس الشافعي، كان مهندسها. ما هي نتائج خطأ هذه الفرضيات في التاريخ الاسلامي؟ دعني أُجِب عن هذا السؤال بالمقلوب. ان دراسة التاريخ من وجهة نظر علمية، ومن اجل التاريخ بذاته، لها فائدة ومبرراتها. ان اعادة ما قدمه الشافعي للتاريخ الاسلامي لحجمه الطبيعي، مهم بالمعنى الذي يرى، ان العديد من المسائل المتنوعة الأخرى، في العملية التاريخية، قبل وبعد زمن الشافعي، سوف تتغير الى حد ان نراها، تلعب دورا في التاريخ الفقهي الاسلامي. اذا لم يكن الشافعي هو أرسطوطاليس أصول الفقه، فمن حينئذ، ذلك الذي يكون؟. لا بد من ان يكون هناك فرد آخر، واستنتاجي انه ليس إلا بعد قرن من أيام الشافعي، ظهر مؤسسو أصول الفقه! إذاً، فالبطل التاريخي ليس الشافعي، ولكن البطل التاريخي عدد من الفقهاء الذين كانوا نتاج تلك العمليات التاريخية، بعد قرن تقريبا من أيام الشافعي. { هل بإمكانكم ان تسمّوا بعض أولئك الفقهاء؟ الاكثر أهمية بينهم، هو ابن سريج، الذي أعتبره المؤسس الحقيقي للمدرسة الشافعية. والخلاّل، مثلا، يمكن اعتباره مؤسس المدرسة الحنبلية. { أنتم تفردون فصلا كاملا في كتاب »تاريخ الأصول الفقهية الاسلامية«، لمناقشة النظرية الفقهية لأبي إسحق الشاطبي. لماذا هذا الاهتمام المتكرر بالشاطبي؟ الشاطبي مثير للاهتمام لعدة أسباب. أولا، انه يمثل تشكيلة معرفية مهمة تعتمد على دمج للفلسفة التشريعية الاسلامية بالمنطق الاستقرائي. ثانيا، انه يمثل في عدة أساليب، نقطة عالية في تطور أصول الفقه. وثالثا، استعان المحدثون بنظريته لصياغة قانون فوائدي متحرر من المحاظير التقليدية للشريعة. كان مهما لي، ان أشرح الشاطبي مطولا، لأنني أعتقد ان المحدثين، أمثال العلامة محمد رشيد رضا، وآخرين عديدين، أساؤوا فهم الشاطبي، وأساؤوا فهم الأسباب التي أملت على الشاطبي كتابة كتاب »الموافقات«. لم يكن الشاطبي معيدا لتكوين أصول الفقه، كما اعتقدوا، ولكنه كان بالأحرى، مصرا على الشكل التقليدي للشريعة، مع أنه كان يحاول تأمين دفاع جديد عنها. { هذا ما يقودنا الى النقاش المعاصر في المجتمعات الاسلامية، في ما يتعلق بما يراه العديدون، توترا بين أصول الفقه الماقبل الحداثة، ومتطلبات وحقائق الحياة الحديثة. في كتابك »تاريخ الأصول الفقهية الاسلامية«، تشخص هذا ب»أزمة الحداثة«، وتحديدا الإصلاح الفقهي، خصوصا باعتبارها بحثا عن منهجية حديثة فقهية، منسجمة ومتساوقة مع متطلبات الحياة الحديثة. كيف تقيمون المحاولات المعاصرة من أجل اعادة صياغة أصول الفقه؟ كان هناك العديد من المحاولات لإعادة صياغة أصول الفقه، في مصطلحات إسلامية، او ببساطة اكثر، لخلق اصول فقه لا يحمل بالضرورة، مديونية للماضي الاسلامي. ومع كل اعتبار، بقي الانجاز هامشيا، وهذا يعود لصعوبة المهمة. فكل الفقهاء المسلمين في الماضي، وأغلب المصلحين الاسلاميين المحدثين، يفكرون بطريقة حرفية أدبية، والتي تقود الى طريق مسدود في محاولتهم صياغة أصول فقه جديدة. ان نصوص الوحي الالهي، تتجاوز مثل هذا الأسلوب، لأنه من المستحيل تقريبا، الاحاطة بأغلب القضايا الحديثة، ومتطلباتها، بتفسير حرفي أدبي، للمصادر الالهية. المطلوب أسلوب اكثر إبداعا ابتكاريا، يتعالى عن النظرة الضيقة للتفسير النصي. لقد مشى فضل الرحمن في الباكستان، خطوات مهمة في هذا الاتجاه. لكن ما زلنا بحاجة لمزيد من الجهد في هذا المجال. ولكن، وحتى إذا ثبت ان مثل هذه المجازفة كانت ناجحة على المستوى النظري، يبقى على المصلحين ان يتعاملوا مع حقيقة فقهية ستضاعف من الصعوبات التي يواجهونها. ولكن، تلك مشكلة اخرى، بكل ما في الكلمة من معنى. ترجمة: صفوان حيدر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة