As Safir Logo
المصدر:

الحكومة الاستبدادية

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1998-08-29 رقم العدد:8084

إن طول مكث الشرقيين تحت نير استبداد المستبدين، الذين كان اختلاف أهوائهم الناشئ عن تضاد طبائعهم، وسوء تربيتهم، مع عدم وجود رادع يردعهم، ومانع يمنعهم، وقوة خارجية تصادمهم في سيرهم، سببا أوجب التطاول على رعاياهم وسلب حقوقهم، بل اقتضى التصرف في غرائزهم وسجاياهم، والتغير في فطرتهم الانسانية، حتى كادوا ان لا يميزا بين الحسن والقبيح، والضار والنافع، وأوشكوا ان لا يعرفوا أنفسهم، وما انطوت عليه من القوى المقدسة، والقدرة الكاملة، والسلطة المطلقة على عالم الطبيعة والعقل الفعال الذي تخضع لديه البسائط والمركبات، ويطيع أمره النافذ جميع المواليد من الحيوان والنبات. وان امتداد زمن توغلهم في الخرافات التي تزيل البصيرة وتستوجب المحو التام والذهول المستغرق، بل تستدعي التنزل الى المرتبة الحيوانية، ومداومتهم من أحقاب متتالية على معارضة العلوم الحقيقية التي تكشف عن حقيقة الانسان، وتعلمه بواجباته وما يلزمه في معاشه، وتبين له الأسباب الموجبة للخلل في الهيئة الاجتماعية، وتمكنه من دفعها، والسعي في إطفاء نورها بما ورثوه عن آبائهم من سفه القول وسخف الرأي والجدل في اضمحلال كتبها وضياع آثارها واستبدالها بما أوقعهم في ظلمات لا يهتدون الى الخروج منها أبدا. كل هذه الأسباب تمنع القلم عن أن يجري على قرطاس بيد شرقي في البلاد الشرقية بذكر الحكومة الجمهورية وبيان حقيقتها ومزاياها وسعادة ذويها الفائزين بها. وان المسوسين بها أعلى شأنا وأرفع مكانة من سائر أفراد الانسان. بل هم الذين يليق بهم ان يدخلوا تحت هذا الاسم دون من عداهم، فان الانسان الحقيقي هو الذي لا يحكم عليه الا القانون الحق المؤسس على دعائم العدل، الذي رضيه لنفسه يحدد به حركاته وسكناته ومعاملاته مع غيره، على وجه يصعد به الى أوج السعادة الحقيقية، وتصده عن ان يرقم على صفحات الأوراق ما يكشف عن ماهية الحكومة المقيدة، ويوضح عن فوائدها وثمراتها، ويبين ان المحكومين بها قد هزتهم الفطرة الانسانية فنبهتهم للخروج من حضيض البهيمية، والترقي الى أولى درجات الكمال، وإلقاء أوزار ما تكلفهم به الحكومة المطلقة، وتطلّب مشاركة أولي أمرهم في آرائهم وكبح شره النهمين منهم الطالبين للاستئثار بالسعادة دون غيرهم. جمال الدين الأفغاني نشرت في جريدة »مصر« 1879

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة