As Safir Logo
المصدر:

هينر موللر: يوميات الذهاب الى الموت

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1998-08-28 رقم العدد:8083

صدرت مؤخرا عن دار »بورغوا« في باريس الترجمة الفرنسية للجزء الأول من أعمال هينر موللر، الشاعر والمسرحي الألماني، الذي غيبه الموت في العام 1995. مع هذا الجزء، نكتشف موللر شاعرا.. إنه الوجه الذي أخفته أعماله المسرحية، التي جعلته أحد أبرز مسرحيي العالم. حول تلك القصائد، هذه المقاربة.. في 30 كانون الأول من العام 1995، رحل هينر موللر من جراء سرطان فتك به، بعد أن فتكت به أيضا أشياء عديدة أخرى، كمثل ثبوت تعاطيه مع »الستازي«، إذ عمل مخبرا وواشيا لفترة طويلة من الزمن، لحساب الشرطة السرية في ألمانيا الديموقراطية. لكن قبل رحيله في 12 كانون الأول من الشهر ذاته، أي قبل أسبوعين، كتب قصيدة عن موته، الذي أحس أنه أصبح قريبا جدا منه. بالأحرى، وبتعبير أدق، كتب قصيدة حول حياته التي أحالها السرطان، ورماً خبيثاً، كان يقتله، رويدا رويدا.. كان الشاعر المريض يرى نفسه وهي تموت في عيون الأطباء، غير القادرين على إيجاد العلاج المناسب له... »كنت أثير الشفقة غمّ الخبراء، تقريباً كنت فخوراً بورمي الذي لا يقهر...« متناقضات اضطراب ويقين. حزن وسخرية. ربما، منذ رحيل هاينريش هايني، لم نعد نجد نصوصا، في الأدب الألماني، على هذه الدرجة العالية، من المزاوجة بين المتضادات، كما نجدها اليوم في قصائد هينر موللر الأخيرة. فخلف هذه النظرة التي تقف على مسافة بعيدة والتي تلعب دور العدسة المكبرة التي يصوبها على داخله، وخلف هذا الانسلاخ الرهيب المؤثر، نجد في كتابات الشاعر والمسرحي الألماني، تأكيدات قاسية للذات يعبّر من خلالها عن نفسه، بشكل متكامل، وبلا رنين، بخفية وقوة. عملية التوكيد هذه لا تقود هينر موللر إلى التعلق بعملية الكتابة فقط، وإنما أيضا، نجدها أمرا يفرض عليه الكتابة، حتى أقاصي الأشياء، وبدقة لا متناهية. فلكي يعمل ضد غيابه الخاص، لا يقدم موللر إلينا الملاحظات أو الوثائق، وإنما ينادي ربة الفن والشعر. فمن دون أي احترازات، كما من دون أي مجاملة أو مراعاة، تتحدث النصوص عن كاتبها. نصوص، مجردة، بالكامل، من أي حساسية زائفة أو من أي عملية استعرائية. ففي هذه الأسطر، التي تشكل قصائده، لا نجد الحياة والموت من يتشابك بعضهما ببعض، وإنما نجد الموت والكتابة. لم يعد باستطاعة هينر موللر، في لحظات حياته الأخيرة، الإمساك بقلمه ليكتب. إلا أنه كان يتصدى لهذه الخطوة الأولى التي تقوده نحو الصمت، عبر اعتبارها موضوعة شعرية، إذ كان الرأس يستعيد تفوقه على اليد التي تثور »ضد هذه الحاجة الملحة للكتابة«. فهو، ما ان يقترب من هذا الصمت، حتى نجد أنه كان يؤخر دخوله الى خشبة المسرح. فعلى حافة النزع، نجد الشاعر يطوّع الأساليب المتعددة، بمنتهى الدقة والحرفة، عبر إمساكه وتقطيره الوسائل والأساليب المتناقضة، إذ هناك رهافة كبرى في إيقاع نثره كما في ترتيب صوره.. كتب هينر موللر القصائد طيلة أكثر من أربعين عاماً. ونحن لو بدأنا بقراءة قصائده الأخيرة، لوجدنا انها تشكل سردا لغروب يتقدم نحوه، ليصل، تقريبا، حتى لحظاته الأخيرة. ففي النهاية، وبين مقاطع قصيدته الأخيرة، تصبح الظلمات مرئية تحت أشكال البقع البيضاء. ظلمات تجتاح، أكثر فأكثر، الورقة المطبوعة. »الأنا« المترجرجة يشكل الكتاب الحالي الجزء الأول من سلسلة الأعمال الكاملة، التي ستصدر تباعا، وتقع في 7 أجزاء. يتضمن 250 قصيدة، منها 121 غير منشورة سابقا، كذلك هناك العديد من القصائد التي كانت سقطت في النسيان، منذ ان نشرت للمرة الأولى. يبدو العرف الذي يجعل الأعمال الكاملة، بأن تبدأ بنشر قصائد المؤلف، ذا تأثير أفضل، إذ انها تعيد وضع مجموعة من النصوص، تحت نور الضوء الساطع. فهذه النصوص لم تكن لغاية اليوم معروفة أو مقدرة، إلا من قبل حفنة قليلة من الضالعين في أدب موللر، على الرغم من أنه في العام 1992، وبمبادرة موللر نفسه، صدرت مختارات صغيرة من أعماله الشعرية، إضافة الى قصيدة طويلة، صدرت بعد عام (1993) بعنوان »البلوك مومسين«، ربما لأن الجميع يجهلون ان المسرحي موللر، على غرار زميله برتولت بريشت، كان شاعرا كبيرا بدوره. لذلك، وبما انه تم »كشف« الأمر اليوم، ربما سينصرف الجميع الى ذلك. ان »الأنا« التي تتأكد بقوة كبيرة في آخر قصائد هينر موللر، عرفت قصة رجراجة. ففي الفترات الأولى، لم يكن من الممكن إدراك ذلك أبدا ما دام الرواة يتكاثرون، إذ كانت عبارته تضيع بين أدغال النصوص. من هنا، نجد ان الجزء الأول من أعمال موللر الكاملة هذه، يسلط الضوء على تعددية كائن، بوضوح تام، لدرجة نعتقد معها بأنها تتضمن تطبيقا ما، لبرنامج ما بعد حداثي.. إذ إن موللر كتب الأبيات الحرة والسونيتات، القصائد السداسية المقاطع و»الديستيك« (بيتان متكاملا المعنى)، كتب الأبيات البيضاء والأغاني الشعبية، وقصائد الهايكو والقوافي السهلة والموشح والرومانس واليوميات الحميمة. تقدم القصائد نفسها على أنها نصوص منقحة عن نصوص »ديغو« وقصائد الصين القديمة والحديثة، عن دانتي وآنا سيغرس، عن غوته ويوربيدس. انها تشرح أساطير الأزمنة القديمة والشعر الوعظي الشرقي. بالتأكيد، هناك شكسبير. انه موجود دائما. فمثلما يلاحظ هينر موللر نفسه في السبعينيات، ان دربه يمتد من »ستراتدفورد الى ستراتدفورد«، من هاملت والملك لير (الحاضرين في نصوصه الأولى) وحتى آخر استشهاداته من مسرحية »العاصفة« في آخر قصائده. أما هولدرلين، الذي يرد اسمه في قصيدة التلفزيون، فإن قواعده النحوية تسم نصوص موللر. كذلك نجد المراجع الخاصة بكتابات موللر، وخاصة في ما يتعلق بمسرحياته. فمن »ميديا سبيل« الى »تعليق أوديب« وحتى »نصوص الكترا« مرورا ب»الآلة هاملت«، غالبا، ما يعالج هينر موللر، في قصائده، مشاريع »درامياته« التي تظهر بوضوح، تحت أشكال التخطيطات والتعليقات والتنويعات، كأنه يذكرنا بما كتبه في العام 1975: »اقرأ ما كتبته منذ ثلاث سنوات، منذ خمس أو عشرين سنة، كما لو أنني أقرأ عمل كاتب ميت«. درجة الكتابة هذه المسافة، المعلنة، التي يصوبها نحو الذات، تسم أيضا درجة الكتابة. فالنظرة الغريبة لأدواته الخاصة والالتجاء دوماً الى الاستشهادات المستلة من أعماله، تساهم في جعل القصائد بمثابة »ورشة عمل« دائمة. فبالرغم من كون هذه القصائد متنافرة في شكلها، إلا أنها تشكل أمرا متناغما في المحصلة النهائية، التي تعطي شعورا بأننا أمام كولاج من النصوص المكتوبة من قبل الكاتب كما من قبل الآخرين. فحتى قبل أن يصبح هذا الكاتب، أحد أبطال مسرحياته، في نهاية حياته، كان موللر قريبا جدا من تيارات ما بعد الحداثة بالرغم من قربه الشديد من الحزب الشيوعي الألماني الديموقراطي، الذي انتسب إليه بحماسة شديدة. على كل، ففي الكتابات التي تعود إلى الخمسينيات، وما بين الطقطقات الأولى وتفتت اليقينات الايديولوجية، تظهر استعارات الزهو والخيلاء.. إذ كأننا أمام بريشت آخر، لكنه بريشت باروكي. ان المظهر الهادئ والوقح الذي كان يظهره هينر موللر في نهاية حياته، والذي كان السبب في لفت أنظار المعجبين والنقاد إليه، يبدو بمثابة متراس ضد أي عاطفية. لقد سمح له ذلك، خاصة بكتابة أبيات جميلة، حزينة، ناعمة، دقيقة، حيث ان التعظيم والانفصال يتوازنان بشكل مطلق. صحيح انه أحيانا يصل بالاستعارات الى نوع من الكليشيهات والتسطيحات، كما لو اننا امام أقنعة محطمة امام المرآة، أو كما الظل المشتعل تحت الشمس، بيد انه في القصائد القصيرة، تظهر بعض الأبيات قادرة على جعله إنساناً غير منسي. انها أبيات حول الطفولة أو »الفرح الذي يسبب الكآبة«، حول الموت والنسيان، أو حول هبوط الليل... إذا وجدنا بعض الوقاحة في هذه المصادفة ما بين موت المؤلف ونهاية عصر أو نهاية طوباوية ما، فإن ذلك مرده الى وقاحة التاريخ الذي يعاند الكاتب في وصفه. على كل، ومهما يكن من أمر، فإن القصائد موجودة هنا، وهذا هو الأهم. اننا أمام أعمال فنية تتحرك بشكل مستمر، انها دفاتر يوميات للسير صوب الظلمات، من هنا، لنقرأ هذه القصائد، كي نستعيد بعض ضوء تبقى لنا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة