»أبا منذرٍ أفنَيْت فاسْتَبقِ بعضَنَا حنانَيْك بعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ« (طرفة بن العبد) قبل عهد ليس ببعيد، غرق العديد من كتّابنا الأفاضل وأغرقونا معهم في سيل عارم من الدراسات المتبحِّرة عن »الحداثة«، وما قبلها، وما بعدها! وفجأة، خف الدفق »الحداثوي«... ونضب! لكن »شيطان« السياسة والمصطلحات سرعان ما فجَّر لنا بركاناً آخر، فتدفقت علينا حمم التحليلات المتعمِّقة لظاهرة »العولمة«، أو »الكوننة«، أو »الكوكبة«! من أحدث ما اطلعتُ عليه في هذه... »الكركبة« اللغوية الاصطلاحية مقال (أو بحث تحليلي »منهجي«) يستهله كاتبه، الأستاذ معن النقري، بالقول: »منذ البداية نريد التعبير عن عدم تفضيل أو تحبيذ تعبير »العولمة« في العربية مقابلاً لمصطلح Globalization الإنكليزي أو »غلوباليزاتصيا« ]الروسي![ اللذين يتفقان في الإرجاعية، إلى جذر »غلوب« Globe، و»غلوبوس« ]اليوناني[ على التوالي، الذي يعني بدوره الهيكل الجغرافي الكروي لكوكب الأرض، وإذا انتبهنا الى استخدام مصطلح آخر بهذا المعنى أيضا هو Planetarization... صار أسهل علينا اختيار مفهوم ومصطلح آخر بالعربية بدلاً من »العولمة« هو مفهوم ومصطلح »الكوكبة« انطلاقا من الجذر »كوكب« Planete ]ربما أضيف حرف E الأخير سهواً[. وبعد إقرار هذا المصطلح سنستخدم كل مشتقاته الممكنة مثل: »الكوكبية«... لوصف المذهب أو العقيدة أو الاتجاه الإيديولوجي...« (»السفير الثقافي«، 31/7/98، ص 14)! قبل ذلك بفترة قصيرة نسبياً، قرأت دراسة للدكتور إسماعيل صبري عبد الله، وزير التخطيط المصري الأسبق ومدير منتدى العالم الثالث، يقول فيها: »... تمهيدا لما سنقدمه من محاولة تحليلية ]ل»أبرز معالم الجدة في نهاية القرن العشرين«[ لا بد من أن نصحح في إيجاز الظاهرة وأسبابها ومن حركها. ونبدأ بالترجمة الصحيحة ]كذا[ للاسم الانجليزي للظاهرة وهو Globalization وهو مشتق من Globe بمعنى الكرة، والمقصود به هنا الكرة الأرضية، الكوكب الذي نعيش على سطحه. ومقابل »العالم« هو World، ومقابل »الكون« هو Universe. وكلمة العالم تعني البشرية، وبالنسبة إليها توحي بمشاركة الناس جميعا ]كذا[ في انتشار الظاهرة محل الدراسة، كما أن هذا الاسم ليس من مفردات جذر في اللغة العربية. وقد وجدت في المعاجم فعل »كوكب« بمعنى أحجار وُضع بعضها على بعض في غير شكل محدد. وهو يقابل »كوَّم« في تجميع التراب. ورأيت الاحتذاء بسلفنا القريب حين نقلوا فعل »ثقف« من صقل السيف الى صقل العقل، وأدخلوا في لغة العرب »الثقافة« بالمعنى المتداول عندنا حالياً. ومهما يكن من أمر، فلا بد من تحديد المسمى في ما وراء الخلاف حول الاسم. والمقصود بالكوكبة هو...« (من ندوة »الفكر العربي المعاصر، تقييم واستشراف« في أواخر العام الماضي. راجع العدد الخاص من مجلة »عالم الفكر«، المجلد السادس والعشرين، العددين الثالث والرابع، كانون الثاني آذار ونيسان حزيران 1998، ص 453). في الندوة عينها، استعمل الدكتور جابر عصفور، الأمين العام للمجلس المصري الأعلى للثقافة، كلمة »الكونية« مقابل Globalism؛ و»العولمة« مقابل Universalism (المرجع السابق، ص 438). الكلمات المعنيّة... في الإنكليزية لنطَّلع في البدء على معاني بعض هذه المصطلحات المتداولة، كما تعرِّفه معاجم اللغة التي ننقل منها وعنها. ومصدري، هنا، هو المعجم المرجع: »وبسترز كوليجييت« (1995). 1 Planet كانت تشير في الماضي إلى الهائم أو المتطوِّف أو التائه (Wanderer)؛ ومعناها: أيّ من الأجسام أو الأجرام، أو الكواكب السماوية (Celestial Bodies) »السبعة«، أو أي من الكواكب الكبرى التي تدور حول الشمس. هي أيضا: كوكب سيار (أضاف صاحب »المغني الأكبر« إلى السيار صفة »المتحيِّر«)؛ وخاصة هذه الأرض التي نعيش عليها. 2 Universe معنى هذه الكلمة: الجسم الكلي للأشياء، »كوزموس« (Cosmos)؛ ومن معاني هذه الأخيرة: الكون كنظام متكامل متناسق؛ العالم بأسره، البشر، الوجود (الدنيا). وتعني أيضاً المنظومة السماوية كلها. 3 Globe شيء كروي أو مستدير، مثل الأرض؛ أو جرم سماوي كروي، على نحو خاص؛ وكذلك... الأرض، أو الكرة الأرضية. 4 Globalism وGlobalization ارتأيت »فصل« هاتين الكلمتين عن الجذر الذي اشتُقَّتا منه، لأنهما محور هذا البحث ويستحقان فقرة خاصة بهما. ولنبدأ بالصفة Global (دخلت الإنكليزية في أواخر القرن السابع عشر): أ دائري، كروي (Spherical)؛ ب تتعلق بالعالم كله: Worldwide؛ كالقول: نظام عالمي شامل للاتصالات، أو نظام للاتصالات ذو نطاق عالمي؛ وكذلك في ما يتعلق بِجُرم (كوكب) سماوي، كالقمر (وبسترز كوليجييت). ويشرح قاموس كايمبريدج الدولي للغة الإنكليزية (1995) هذه الكلمة الصفة بالقول: إذا كان شيء ما... Global، فهو ذو علاقة بالعالم كله. من هنا تعبير Global Village: »إنها كل دول العالم عندما يُنظر إليها كأنها مرتبطة على نحو وثيق عبر وسائل الاتصال العصرية؛ ولذا فهي معتمدة، بعضها على بعض، اقتصاديا، وسياسيا، واجتماعيا، وبيئيا« (قاموس كايمبريدج). ويشرح »وبسترز« هذا المصطلح؛ الذي دخل الانكليزية، كاسم، في 1960؛ بأنه يعني »العالم يُنظر إليه كمجتمع (Community) تعمل وسائل الاتصال الألكترونية مثل التلفزة على تخفيف المسافة والعزلة فيه، على نحو مثير، دراماتيكي. في 1944، دخل فعل Globalize الانكليزية؛ بنتيجة الاسم الذي سبقه بعام كامل: Globalism. يقول معجم كايمبريدج الدولي في معنى هذا الاسم: »الفكرة بأن من غير الممكن فصل الأحداث في بلد واحد عنها في بلد آخر؛ وبأن على الحكومة أي حكومة أن تأخذ في الاعتبار تالياً تأثيرات أعمالها في بلاد أخرى، مثلما في بلادها هي«. هنا، يقترب الدكتور إسماعيل صبري عبد الله من المعنى الصحيح لفعل هذه العقيدة، أو الفكروية الحديثة العهد نسبيا؛ وأعني به الGlobalization (وهي اسم يدل على فعل)؛ بقوله: إن المقصود بالكوكبة (العولمة) هو »التداخل الواضح لأمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة دون اعتداد يذكر بالدول ذات السيادة أو انتماء إلى وطن محدد أو لدولة معينة، ودون حاجة الى إجراءات حكومية« (التنصيص موجود في الأصل ويوحي بأن الجملة بين المزدوجين مستعارة من مرجع آخر، رغم عدم الاشارة إلى المصدر)! أقول »يقترب«، لأن معجم »وبسترز كوليجييت« ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير؛ وكان، في رأيي، الأكثر دقة و... صراحة في وصف هذه النزعة أو العقيدة: »سياسة قومية لمعاملة العالم بأسره كمنطقة (Sphere) مناسبة للنفوذ السياسي. قارن ]بينها وبين[ Imperliasm (الامبريالية) وInternationalism« وهذه الأخيرة، الرائجة منذ 1861، معناها »الدُّوَليّة«: أي المصالح الدولية؛ أو ما يفترض بأنه تعاون بين الدول، وخاصة على الصعيدين السياسي والاقتصادي. لكن عملها يعني إخضاع شيء أو أمر ما لسيطرة دولية، بمعنى »تدويل«! يتضح من كل ما سبق ذكره أن أصحاب اللغة التي ننقل منها وعنها يركزون على كلمة »عالم«؛ وهذه، في نظري، هي لبّ الموضوع وجوهره. المرادفات العربية المقترحة أرى من المستحسن في هذا المجال أن نطلع على معاني المرادفات المقترحة، كما تشرحها معاجمنا القديمة والحديثة على السواء؛ ومن ثم نخلص إلى استنتاجات معقولة أو، على الأقل، الى مقترحات (والمرجعان المعتمدان هنا هما »لسان العرب« و»المعجم الوسيط«). 1 العالَم الخلق كله، وقيل: كل ما حواه بطنُ الفلك. والعالم: كل صنف من أصناف الخَلْق كعالم الحيوان وعالم النبات جمعُها: عوالم وعالمون. وفي »لسان العرب«: »... لا واحد للعالم من لفظه لأن عالما جمعُ أشياء مختلفة، فإن جُعل عالم اسماً لواحد منها صار جمعا لأشياء متفقة، والجمع عالمون، ولا يُجمع شيء على فاعَل بالواو والنون إلا هذا« (و»فاعَل« على وزن خاتَم، وطابَع). وينقل ابن منظور عن ابن عباس شرحه »الحمد لله ربِّ العالمين« بالقول: »ربِّ الجنّ والإنس«. 2 الكون الوجود المطلق العام. الكونان: الدنيا والآخرة. 3 الكوكب في »لسان العرب«: الأصل وَكَب أو كَوَب. وقال: الكوكب معروف من كواكب السماء، ويُشبّه به النور فيُسمى كوكباً. وعن ابن سيده وغيره أن الكوكب والكوكبة: النجم. قال الأزهري: وسمعت غير واحد يقول للزُّهَرة، من بين النجوم. في المعجم الوسيط، أن الأصل... كَكَبَ. »كَوْكَبَ الحديدُ: برق وتوقَّد. كَوْكَبَ الحصى: توقَّد في الضحى«. هنا، لا أدري أي معاجم أشار إليها الدكتور عبد الله بالنسبة إلى فعل »كوكب« بمعنى أحجار وُضع بعضها على بعض في غير شكل محدد. لا أدري أيضاً إن كان هذا المعنى بالذات ملائماً للمقصود ب»الكوكبة«؛ إذ هو أقرب إلى فعل »كَبْكَب«. كبكبَ فلاناً: قَلَبه وصَرَعه. كبكب الشيءَ: قَلَب بعضه على بعضه؛ أو رماه في الهوّة كما في الآية الكريمة: »فَكُبْكِبوا فيها همُ والغاوون« (ولو أراد أحدنا اللجوء إلى النقد الساخر اللاذع، لقال إن سياسة »الكوكبة« هذه ما هي إلا »كَبْكَبَة« للدول والأنظمة التي لا ترضخ لما يُسمَّى »النظام العالمي الجديد« ولم يُسمِّه أحد النظام »الكوكبيّ«). وإذا صدَّقنا قول الوزير المصري الأسبق بأن معظم الكتّاب العرب »يتفق... على النظرة الايجابية لهذا الذي يجري في عالم اليوم«، فإنني أقترح عليه إبدال »الكوكبة« ب»الكَبْكَبة« الآنفة الذكر، على أساس أن »الكَبْكَب: الجماعة من الناس المتضام بعضها إلى بعض«. استنتاج Globaloney! صحيحٌ أن سيدة العالم الكبرى الكوبرا، وفارضة »النظام العالمي الجديد«، وصلت إلى »كواكب« أخرى؛ وتمكنت عبر أقمارها الصناعية ومركباتها الفضائية من تحجيم »الكون« الى مجرد »قرية«؛ لكن المعلومات التي أوردتها أقنعتني وآمل أن تُقنع الآخرين، و»العالمين« المهتمين بالشؤون »العالمية« واللغوية بوجوب إقرار »العولمة« مرادفا لمصطلح Globalization؛ والابتعاد عن »كَرْكَبة« الكوكبة وما تحمله من معانٍ لا علاقة لها البتة بالمقصود و»بعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ«. ولسوف أكون من الدعاة الأوائل إلى استعمال »الكوكبة«، بمجرد معرفتي أن ثمة عوالم وبشرا في كواكب غير كوكبنا. وألفت الانتباه إلى أهمية حرف الجرِّ هنا، في العربية والانكليزية على السواء. فنحن نعيش... في هذا العالم، أي... في بطن الفلك؛ لكننا نعيش... على سطح الكرة الأرضية، أو هذا الكوكب المسمى: الأرض. فلماذا ننسب أنفسَنا إلى السطح، ما دمنا قادرين على الانتساب إلى داخل البيت؛ إلى القلب؟ ختاما، وعلى سبيل التسلية ليس إلا، أذكر أن إحدى النائبات الأميركيات (Clare Boothe Luce) نحتت في 1943 مصطلحا للإشارة، بازدراء، إلى بعض برامج المساعدات لدول كانت إبان الحرب هل أقول »الكوكبيّة«؟ حليفة للولايات المتحدة. فقد جمعت بين كلمتَي Global (عالميّ أو شامل) وBaloney، التي دخلت الإنكليزية في 1926 (معناها: هراء، هَذَر، كلام فارغ)، وخرجت ب»كلمة« لم تعمِّر طويلاً: Globaloney، أي هراء عالمي. وذكر »معجم مورِس لأصول الكلمات والتعابير« (1977) أن تلك »الكلمة« المنحوتة مثال على ما يسميه اللغويون Nonce Words، أي كلمات تُبتكر لمناسبة خاصة، ثم... تُنسى! لكن الصحفي الأميركي الشهير »جايمس رستون« (Reston) لم ينس ال»غلوبالوني«؛ وقال في أحد تعليقاته في »النيويورك تايمز« (1964): »إن ابتلاع ]بمعنى أن يصدِّق المرءُ بسذاجة[ الهراء السياسي الشامل في هذه البلاد أشد إيذاءً من ابتلاع الزرنيخ وتدخين الرِّيفَرْز ]سجائر مصنوعة من... القنَّب الهندي[«. في 1998، يستعيد كاتب هذه السطور تلك »الكلمة« من عالم النسيان (و»النسوان«) ليقول، شبهَ مُمازح: إن الكثير مما يُحكى ويقال هذه الأيام عن ال»غلوبَلايزايشن« ليس أكثر من مجرد... »غلوبالوني«!