من الأفلام المسلية التي بات يمكن للجمهور اللبناني مشاهدتها حاليا، »الدكتور دوليتل«، آخر أعمال الممثل الأميركي ادي مورفي، الذي لا يزال يسعى الى احتلال مكانة مرموقة في السينما الكوميدية المحضة، بعد نجاحات معروفة في أفلام التشويق والحركة (مجمّع »امبير« السينمائي). الى جانبه، بدأت العروض المحلية لشريط آخر بعنوان »نجمة الشمال« للمخرج نيلز غوب، بطولة جيمس كاين وكريستوفر لامبرت وكاثرين مكورماك: حكاية التسلط والقمع ضد سكان أصليين ومهاجرين أوروبيين، في الاسكا، واستغلال مراكز النفوذ، قبل »نجاح« المظلومين في التمرد على واقعهم والانتصار لحقهم (صالات »امباساد« جونيه و»امبير سوديكو« و»سانت ايلي« انطلياس و»لاس ساليناس« انفه و»ايليت« الجناح). في »عروض« اليوم، نكتفي بتقديم »لغز ماركوري« لهارولد بيكر، أحد الافلام الجديدة التي يؤدي فيها بروس ويليس أدوار البطولة، بانتظار »هرمجدّون« لمايكل باي، الذي يفترض عرضه لبنانيا خلال أسابيع قليلة. »لغز ماركوري« يروي حكاية صداقة تنشأ بين عميل فيدرالي وصبي انطوائي يواجهان معا مخططات استخباراتية بوليسية خطرة. في الأشهر القليلة الماضية، احتل الممثل الاميركي بروس ويليس (مواليد نيوجيرسي، 19 أيار 1955) المشهد السينمائي العالمي، عبر ثلاثة أفلام أدّى فيها أدوار البطولة، تمّ إنجازها في العام 1998: »هرمجدّون« لمايكل باي، »فطور الأبطال« لآلن رودولف و»لغز ماركوري« لهارولد بيكر. وكان ويليس مثّل في ثلاثة أفلام أُنتجت العام الماضي، أحدها تعثر إنجازه لأسباب لم تُعرف (BROADWAY BRAWLER)، في حين أن الشريطين الآخرين هما: »العنصر الخامس«، أحد أبرز وأهم انتاجات المخرج الفرنسي العالمي لوك بوسون، و»ابن آوى« لمايكل كاتون جونز. محليا، شاهد اللبنانيون أعمال بوسون وكاتون جونز ووالتر هيل، المخرج الذي حقّق في العام 1996 »آخر الرجال الصامدين« (LAST MAN STANDING)؛ وهم ينتظرون »هرمجدّون«، الذي يفترض إطلاق عروضه اللبنانية قريبا. أما »لغز ماركوري«، أو"MERCURY RISING"، فقد انطلقت عروضه الجماهيرية أول أمس الخميس، في صالات »كونكورد« (فردان) ومجمّع »بلانيت« في »أبراج« (فرن الشباك) والكسليك و»بلازا« (جل الديب) و»سيتي كومبلاكس« (طرابلس)، بالإضافة الى »لاسيتيه« (جونيه) و»فريواي« (سن الفيل) و»لاساجيس« (الأشرفية) و»ستار غاريت« (زحلة). يؤدي بروس ويليس، في »لغز ماركوري« (الترجمة الحرفية للعنوان الفرنسي)، دور عميل لمكتب التحقيقات الفيدرالي، يدعى آرت جيفريس، الذي يصطدم بأحد رؤسائه بعد عملية تصفية طالت عصابة تضم ولدين صغيرين الى جانب والدهما، كان جيفريس المشهور ببراعته في اختراق العصابات والعائلات المافياوية، تمهيدا للايقاع بها يسعى في اللحظات الاخيرة الى إلقاء القبض عليهم، بدل... قتلهم. فاذا به يجد نفسه مجرّد متنصّت على أجهزة هاتف تخص مشبوهين أو مطلوبين للعدالة. شخصية جيفريس عدائية بعض الشيء، يرفضه محيطه فيزداد عنفا صامتا. لكنه يُستدعى مجددا للبحث عن صبي مفقود، وُجد والداه مقتولين في منزلهما. الصبي الضائع يدعى سيمون لينش (ميكو هيوغز)، انطوائي ومنعزل كليا عن محيطه، علما ان مرض الانطوائية، النفسي العصبي، لا يقلّل من الذكاء البشري، أو من القدرة على التنبّه لأشياء وأشياء، من دون التوصّل الى فهم ما يجري. سيمون لينش محصّن في عالم غامض، وآرت جيفريس منقطع عن عامله: انها العلاقة الغريبة التي ستؤدي الى صداقة ما بينهما، بعد أن تجمعهما تلك الظروف الدرامية، بل هي علاقة ثقة (أيضا) ستنشأ ببطء، وستنمو تدريجا بينهما، وستسمح لهما بالانفتاح على العالم. حبكة درامية لفيلم ينتمي الى »الثريلر« البوليسي الاستخباراتي، الغني بمَشاهد الحركة والأكشن، وصفه تعليق نقدي بأنه »حكاية الانتصار على الوحدة« الخاصة بشخصين يعانيان سلسلة مآزق خطرة وصعبة. مقتل والدي سيمون لينش يقع بعد »نجاح« الصبي الانطوائي بحل لغز عجزت أبرع أجهزة الكمبيوتر عن حله. هذه حكاية أخرى تؤدي بنا الى لقاء آرت بسيمون: الملازم كودرو (ألك بالدوين) مكلّف، منذ عهد الرئيس رونالد ريغان، بالعمل ضمن »وكالة الامن القومي« على تطوير شبكة معلوماتية لحماية العملاء والجواسيس الأميركيين والحلفاء. بلغت تكاليف المشروع مئات الملايين من الدولارات الأميركية، وخضع لسلسلة امتحانات قاسية، بهدف التأكد من »استحالة« حل ألغازه. لكن اثنين من العاملين فيه، رغبا في إخضاع العقل البشري لهذه التجربة، فنشرا اللغز في مجلة شعبية متخصصة بالإلغاز، لتصل الى سيمون لينش الذي يتوصل الى فك تفاصيلها... مما يثير غضب كودرو وبدء المطاردات العنفية والتصفيات الجسدية والملاحقات الاستخباراتية. طاقة درامية في الكرّاس الصحافي الخاص بالفيلم، قال هارولد بيكر ان الفيلم يمتلك »طاقة درامية متميزة، تجذب بسرعة«، مضيفا انه فكّر مليا بقدرته على إنجاز فيلم آسر »اذا توصّلتُ الى تقديم تجارب انطوائي (علاقته مقطوعة بالعالم)، وارتباطه بعميل »اف. بي. آي.« سمج (...)«. في حين أن السيناريست مارك روزنتال الذي اقتبس الحكاية عن كتاب »سيمون، ليس بسيطا للغاية« لرين دوغلاس بيرسون، متعاونا مع لورنس كونّير في كتابة السيناريو رأى ان الفيلم يرتكز »على العلاقة، المؤثرة وغير المنتظرة، التي تجمع رجل حركة واكشن وصبي في خطر. انه (الأول) يواجه حالة متطرفة، لم تسمح له لا القوة ولا المكابرة بالتغلب عليها. كان على جيفريس ان يبتكر لغة جديدة، موسومة باللطف والعذوبة، كي يكسب ثقة سيمون«. المنتج بريان غرايزر اعتبر ان جيفريس »عبر هذه العلاقة، يعثر على سبب جديد للحياة. انها وجهة نظر جوهرية ومهمة، لكي نقترب من فيلم حركة، ومن حبكة مشوقة«. يجمع »لغز ماركوري«، للمرة الاولى، بروس ويليس والك بالدوين، بادارة هارولد بيكر، المخرج الذي يوقع هنا خامس فيلم »ثريلر« له، بعد ارتباط اسمه بعدد من الأعمال، مثل "THE ONION FIELD" (1979) و"TAPS" (1981) و»بحر الحب« (1989) و»مدينة واسعة« (CITY HALL) 1996). أفلام تميزت بكثافتها الدرامية، بواقعيتها وبقيمة الأداء التمثيلي فيها. وجاء في الكرّاس المذكور، انه بعد النجاح العالمي لفيلم »العنصر الخامس« للوك بوسون، وظهوره »الأخير« في »ابن آوى«، »يكشف بروس ويليس جانبا جديدا من موهبته في دور آرت جيفريس«. يقول ويليس ان شخصيته في الفيلم تقع في طريق مسدودة، ولم يعد لديه (جيفريس) »أدنى ثقة بالعدالة«. يضيف انه دائما ما انجذب »الى الشخصيات التي عليها ان تتجاوز مشاكلها كي تتقدم. انه عصب كل دراما: التصادم مع العقبات، تجاوزها والسعي الى نصرة الخير على الشر«. الك بالدوين، الذي يؤدي دور الملازم كودرو، يوقع هنا تعاونه الثاني مع بيكر، بعد »مكر« (MALICE 1993). شي ماكبرايد، المعروف سابقا في دوره الكوميدي في »استعراض جون لاروكيت«، يؤدي دور بيزي، الصديق الوحيد والصادق، زميل آرت جيفريس في المهنة نفسها: »بيزي يقع في المسافة الوسطى بين صداقته لجيفريس من جهة، وبين رغبته في حماية مصالحه الخاصة، عائلته ووظيفته، من جهة ثانية. لكنه يقرر في النهاية ان يمنح صديقه فرصة، وان يثق به. تأثرت كثيرا بمهنية بروس ويليس، وبحرفيته، وبالطريقة التي اشتغل فيها، كما بالاهتمام الذي أولاه بكل شخصية. هارولد وهو علّماني الكثير أثناء تصوير هذا الفيلم. في الحقيقة، كان الأمر مفيدا وغنيا لي (...)«. الممثل الشاب الصغير ميكو هيوغز يؤدي دور سيمون الرقيق، الصبي الانطوائي والموهوب، الذي يُقتلع بعنف من محيطه المحمي. وعلى الرغم من عزلته، فانه يتحول الى هدف مطاردة واسعة: »انه يشعر بوقوع شيء ما، لكنه لا يعرف ماذا«. لتحضير هذا الدور، عمل ميكو مع طبيب متخصص بعلم الامراض النفسية وتربية الاطفال، هو الدكتور بينيت ليفنتال، بهدف بلورة تصرفات الانطوائي. أمضيا وقتا طويلا مع هؤلاء الأطفال، يدرسانهم ويلعبان معهم، لكي يعيدا انتاج ايقاعهم الصوتي وحركاتهم ووضعياتهم الجسدية غير الطبيعية وتعابيرهم. يقول د. ليفنتال: »فهم ميكو، في الحقيقة، ما هي الانطوائية. كان مؤثرا للغاية ان تراه برفقة هؤلاء الاطفال، لأنه بدا متكونا بحساسية خارقة. استوحى سيمون، لتجسيد شخصيته، العديد من الانطوائيين الذين التقاهم. تركيبته أدهشت الجميع، بسبب قدرته على التشابه الفظيع مع وضعية الانطوائيين«. التصوير والديكورات بدأت عملية التقاط المشاهد، التي دامت ثمانية عشر أسبوعا، في الرابع من حزيران 1997، في مدينة »ستورجيس«، في جنوب داكوتا. في حين ان غالبية المَشاهد المصوّرة تمت في شيكاغو، لاستغلال العمارة العصرية والنسيج الاجتماعي والثقافي، بهدف توطيد الشعور بالخطر والغموض والأسرار، الذي واجهه البطلان. طوال أشهر التصوير الثلاثة، استفاد فريق العمل التقني من الدعم القيم الذي قدمته السلطات البلدية، خصوصا أثناء احدى المطاردات التي جرت وسط مجموعات من السياح، على جسر جادة ميشيغان، والاحياء السكنية جنوب شيكاغو. هذا التعاون برز ضروريا، بشكل خاص، اثناء تصوير مطاردة بالسيارات، على مسافة ثمانية كيلومترات، الى جانب خط القطار السريع. الجدير ذكره ان تعاونا جرى مع رجال شرطة شيكاغو وفرق ولاية ايلينوا. لم يقدر فريق العمل، مع ذلك، ان يخفّف من عجقة سير السيارات، الكثيفة جدا، الا في أوقات مصغرة. للاستفادة من الوقت المخصص بتمارين المطاردات، مثلا، عمل جو ديون، رئيس فريق المخاطرين البدلاء، مع فريقه، على نماذج مصغّرة، سمحت لهم بالعمل على نحو أفضل. بالنسبة الى مقر »وكالة الامن القومي«، فقد بُني تماما كما حدث مع سطح ناطحة السحاب في استوديوهات شركة »يونيفرسال«، في لوس انجلوس. سقف ناطحة السحاب المستوحى من مبنى "IBM" في شيكاغو، جُهّز بمهبط، وأحيط بإحدى أوسع الدوائر التي لم يستخدم مثلها في السينما من قبل. اعادة تصنيع سماء شيكاغو وخط أفقها امتد على مسافة مئة وثلاثين مترا طولا، وثلاثة عشر مترا ارتفاعا، وتألّف من عدد من الصور الفوتوغرافية التي التقطت من أعلى مباني "IBM" و»آموكو« و»برج سيرس« (SEARS). مديرة الديكورات، باتريزيا فون براندنشتاين، التي حصلت على جائزة »أوسكار« عن عملها في فيلم »اماديوس« لميلوش فورمان (1984)، تخيّلت الديكورات الداخلية لوكالة الأمن القومي، لأن احدا باستثناء موظفي هذه الوكالة لا يعرف ما هو شكلها. تقول براندنشتاين: »غالبية الامكنة تقع تحت الارض، وبالتأكيد لا نستطيع اعادة تصنيع الموقع الحالي، لأسباب خاصة بالأمن القومي. استخدمنا التصميم الاسطواني، الضخم وغير الاعتيادي، الخاص بمختبرات »اراغون«، والمدخل الواقع تحت الأرض هو ايضا، من اجل تزيين ضواحي الوكالة وأحيائها«. كل هذه الديكورات الضخمة، ومشاهد الاكشن والتشويق، لا يمكنها ان تجعل المُشاهد ينسى البُعد الانساني في الفيلم، هذا البُعد الذي يُشكّل قلب الفيلم وعقله. يقول بروس ويليس: »كل عام، تطلق سينما الاكشن تحديات جديدة، لكن قيمتها وقوتها ترتكزان ايضا ودائما على قصة جيدة. بقدر ما تقترب شخصيتي من شخصية سيمون، وتكبر صداقتنا، فان حياة كل واحد منا تتغير. هنا، تكمن القصة الحقيقية للفيلم: لقاء غريب، قصة حب حقيقي بين صبي صغير مقطوع عن العالم، وبين راشد مقطوع عن عالمه«. ن. ج.