أعاد اغتيال المطرب البربري الجزائري الوناس معطوب في شهر حزيران الماضي الى الأذهان مخاطر الفتنة العرقية بين العرب والبربر في الجزائر، خاصة ان المظاهرات التي قامت في منطقة القبائل بعد الحادثة قد اتسمت بمظاهر مسلحة وشعارات تعبر عن مشاعر عرقية حادة. لم يكن الوناس مجرد مغن محبوب، بل كان أيضا من أقطاب »حركة الثقافة البربرية«، من هنا جاء اغتياله على ايدي الجماعات الاسلامية المسلحة ليصب الزيت على النار. هل هناك مشكلة عرقية في الجزائر.. أي مشكلة عرب وبربر؟ وهل هي مشكلة سياسية أم مشكلة هوية ثقافية؟! الكتاب الذي بين أيدينا يحيطنا بأبعاد الواقع البربري في الجزائر وجذوره التاريخية. ومؤلف الكتاب بربري، وهو تشبث بنظرية الأصل العربي للبربر، سفير سابق وباحث تاريخي ويحمل لقب دكتوراه من جامعة الجزائر. يرى المؤلف ان البربر (الأمازيغ) هم من العرب العاربة. استقروا بالمغرب ضمن هجرات سابقة للفتح الاسلامي. وهم ينتشرون ما بين عُمان شرقا الى موريتانيا على المحيط الأطلسي غربا. وينقل المؤلف عن موسوعة »يونيفرساليس«، انه لا يوجد جنس بربري مستقل بذاته، وأن البربر يمثلون عدة أنواع عرقية (إثنية). ويعزو استجابتهم للاسلام الى التشابه الكبير بينهم وبين العرب في التراث الحضاري والثقافي. ويعيد معظم المؤرخين البربر الى الحاميين، ولكن المؤلف يصر على انهم حاميون وساميون معا. وينسبهم الى العرب العاربة. اما نسبتهم اليوم في البلاد فهي 20$ كما يؤكد المؤلف، في حين تذكر مصادر اخرى ان نسبتهم تصل الى 35$. يعود ظهور المسألة البربرية في العصر الحديث الى عهد الاستعمار الفرنسي. إذ عمد الفرنسيون الى عزل الجماعات الناطقة بالبربرية عن غالبية السكان العرب، ونشر التعليم الفرنسي والمبشرين في مناطقهم. وبث الفرنسيون بين البربر فكرة ان العربية لغة دخيلة، وان البربر هم سكان البلاد الأصليون ولا علاقة لهم بالعرب ولا بالساميين، وان أصلهم أوروبي! بدأت المسألة تأخذ طابعها الحدي... اي طابع المجابهة بعد اتخاذ الحكومة الجزائرية عام 1980 قرارها التاريخي بتعريب التعليم في البلاد ليشمل التعليم الابتدائي والثانوي والجامعي. وقد لقي هذا القرار الذي كان تأكيدا لعروبة الجزائر في وجه »الفرنسة«، مقاومة شديدة من البربر لسياسة التعريب. ولم يكن ذلك حبا بالفرنسية التي يتمسكون بها بقدر ما كان ذلك دفاعا عن مصالحهم الاقتصادية والوظيفية في أجهزة الدولة المختلفة. فبربر منطقة القبائل بشكل خاص الذين تعلموا الفرنسية منذ وقت طويل مكنتهم فرنسا في فترة الاستعمار من شغل كثير من المواقع الثانوية في الادارة والتجارة. وحين حصلت الجزائر على الاستقلال كانت هذه الكوادر هي الوحيدة المدربة في البلاد وبالتالي الكوادر المهيئة لاستلام المواقع والمفاصل الأساسية في جميع أجهزة الادارة والخدمات. أمام الشعور بخطر التعريب رفعت جماعات من البربر لأول مرة شعار »الثقافة البربرية«، وراح بعضهم يقول ان الجزائر لم تعد عربية، بل هي أمازيغية عربية. ويفسر بعض البربر، مثل عز الدين الزعلاني (لاحظ الاسم العربي) مسألة الهوية تفسيرا عرقيا، إذ يقول: »ان الأمازيغية بالنسبة لشعبنا وجود، والعربية، والاسلام، والفرنسية مكاسب، اي عناصر مقبولة منا. فهويتنا أحادية، ولا بد من ان تكون أحادية، اي أمازيغية فقط، والعربية والاسلام مكملان لها«. ويحلل البروفيسور البريطاني روبيرتس صو جذور »النزعة البربرية« فيقول: »ان جوهر السخط في بلاد القبائل هو مصالح اقتصادية. فالتعريب الذي أخذت به الحكومة الجزائرية كالتزام أيديولوجي وضرورة قومية يهدد مصالح قطاعات كبيرة من بربر القبائل، الذين تخلوا عن العربية كلغة ثانية وأحلّوا الفرنسية محلها.. ان معارضة هؤلاء للتعريب هي أقوى من إصرارهم على المحافظة على لغتهم الأمازيغية.. فهذه ليست المطلب الرئيسي الحقيقي للنخبة البربرية، ولكنهم لا يستطيعون ان يجاهروا بذلك..«. ويختلف المفكرون البربر أنفسهم في تقدير مدى خطورة المسألة البربرية. إذ يرى المفكر المغربي البربري محمد البصري انه لا توجد مسألة بربرية بالمعنى السياسي الحقيقي للكلمة مثلما توجد مثلا مسألة كردية في العراق، او مسألة جنوب السودان. فالبربر مندمجون تماما في مجتمعهم في شمال افريقيا بسبب الرابطة الاسلامية، وبسبب التزاوج المستمر... ويرى البصري أيضا ان من يدعو الى الثقافة البربرية في مواجهة الثقافة العربية سينتهي موضوعيا الى الثقافة الفرنسية.. فالبربرية لغة غير مكتوبة ولا يوجد لها تراث مكتوب.. ولما كانت الفرنسية هي الأقرب والأقوى فان هؤلاء الدعاة سيأخذون بها. من هنا ليس صدفة ان فرنسا هي المشجعة الاولى والرئيسية لحركة الثقافة البربرية... اما المؤلف فيعتبر ان المسألة البربرية أخطر من المسألة الكردية. فالأكراد لم يطلبوا الاعتراف باللغة الكردية لغة رسمية وطنية، وانما طالبوا بالاعتراف لهم بلغتهم كلغة جهوية تدرّس في مناطق الأكراد فقط وبالحرف العربي، مع التسليم بأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوطنية في البلاد. اما بربر الجزائر فهم يطالبون بتعميم تدريس »الأمازيغية« (اي اللهجة القبائلية) على جميع الجزائريين بمن فيهم العرب الذين يؤلفون اكثر من 80$ من الشعب الجزائري. ويرى المؤلف انه لا توجد لغة أمازيغية مركزية أم، بل توجد لهجات أمازيغية: كالقبائلية، والشاوية، والميزابية والطارقية (نسبة الى الطوارق) والزناتية، والشلحية (في المغرب) والشرشالية وغيرها.. ويصل عدد هذه اللهجات في شمال افريقيا حسب تقدير بعض العلماء الى ما يزيد على 5 آلاف لهجة. مع تقديري لجهد المؤلف العلمي، وحرصه الوطني وهو البربري على العربية وعلى وحدة الجزائر القومية، إلا انه بدا مغاليا أحيانا او متعنتا احيانا اخرى. فهو قد بذل جهدا كبيرا في محاولة إثبات الأصول العربية للبربر، ومع هذا فقد بدا غير مقنع. ذلك ان تجاهل حقيقة أساسية وهي: اذا كان قسم من بربر الجزائر، ومن »القبائليين« تحديدا، مقتنعا بأنهم غير عرب، وبأنهم يشكلون أقلية عرقية ذات هوية ثقافية متميزة، فلن تكفي كل الحجج العلمية لإقناعهم بغير ذلك. فالأصل في الانتماء هو القناعة الذاتية. وفي تقديري ان المجادلة في هذه المسألة (هل هم عرب أم غير عرب؟) لا تفيد كثيرا. المهم أنهم مسلمون، وأنهم وطنيون، وانهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني الجزائري. ومن حقهم بالطبع ان يكونوا علمانيين، وان يتحالفوا مع القوى السياسية الجزائرية التي ترفض تسلط »الاسلام السياسي« عن طريق القوة. ومن حقهم أيضا ان يكون لهم بعض التمايز الثقافي. بل ان الإقرار لهم ببعض التمايز الثقافي ربما يكون سفيرا ما دام انه يتم في إطار الوحدة الوطنية الجزائرية. * تأليف عثمان سعدي. صادر عن دار الملتقي بيروت قبرص، في آب 98.