As Safir Logo
المصدر:

أفكار الإسلام والعنف

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1998-08-21 رقم العدد:8077

ان الاحداث الجارية في البلدان الاسلامية والعربية، وخصوصا في منطقة الشرق الاوسط تفرض فكرة ان الاسلام عنيف. ويحاولون تفسير ذلك عن طريق العودة الى الوراء نحو أصول الاسلام، ويحتجون بأن النبي محمدا نفسه قاد الحروب. واعتمادا على ذلك، يقولون ان الاسلام دين استخدم العنف منذ البداية، وبالتالي فان المسلمين يعيدون انتاج موقف قديم يتخذ شكل المثال والقدوة من موقف النبي نفسه. لا ريب في ان الاحداث الجارية تبرز لنا أنواعا من السلوك والأعمال التي تحصل في المجتمعات الاسلامية، ولا يمكن تجاهلها. ولكن هذه الاعمال مرتبطة أساسا بأوضاع سياسية واجتماعية محسوسة ومحددة تماما. وللأسف، نجد ان المراقبين الغربيين عوض ان يأخذوا بعين الاعتبار هذه العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الديموغرافية التي تدفع الى بعض الاعمال والمواقف، فانهم يلصقون كل ذلك بالاسلام. انهم يلحقون بالاسلام كدين، والاسلام كثقافة، والاسلام كتاريخ، ظواهر عديدة ومتناقضة لا علاقة لها بالاسلام كإسلام. ان العالم الذي ينتشر فيه الدين الاسلامي هو عالم شديد التنوع، وكل مجتمع يتسم بصفات خاصة به، وأوضاع تاريخية تخصه دون غيره، الى حد انه من غير الممكن ان نصنف كل هذا العالم الواسع تحت اسم الاسلام، كما يفعل المراقبون الغربيون. في الواقع اننا نجد انفسنا هنا أمام حالة هيجانية، اكثر مما نجد أنفسنا أمام حالة عقلانية وتحليلية. ومما يعقد المسألة اكثر، هو ان المسلمين انفسهم يقدمون صورة عن مجتمعاتهم، وما يحصل فيها، تغذي هذا التصور الذي يشكله الغربيون في أذهانهم عنها، او عن الاسلام. بكلمة اخرى فانهم »يساعدونهم« على تشكيل هذه الصورة العتيقة اللاتاريخية وترسيخها. وهذا ما يعقّد الامور كثيرا. فعندما نحاول ان نفسر للجمهور الغربي ان الأشياء تحدث في أرض الاسلام، كما تحدث في الأديان الاخرى تماما، وانه ينبغي عليهم ان ينظروا الى المجتمع نفسه بالدرجة الاولى وليس الى الدين، لأن المجتمع هو الذي يصوغ وجه الدين بحسب الحالة التاريخية التي يعيشها، وليس الدين هو الذي يخلق المجتمع، فانهم يجيبونك فورا بأن المسلمين هم الذين يقولون بأن الاسلام دين ودنيا، ويشمل المجتمع والسياسة وكل شيء... وهذا ما يجعل وضع المفكر الذي يريد تحليل الحالة الراهنة صعبا جدا، بل ويكاد يكون مستحيلا. انه محاصر من كلتا الجهتين. فالمؤرخ والفيلسوف وعالم الاجتماع الذي يشتغل على المجتمعات العربية والاسلامية يجد نفسه مسفها بشكل من الأشكال عن طريق أغلبية المسلمين. وإذاً: ماذا يمكن ان نفعل؟ ماذا يمكن ان نقول؟ يمكن ان نقول بأن المراقبين والصحفيين الغربيين مخطئون، لأنهم لا يأخذون بعين الاعتبار معطى أساسيا، هو ان الفاعلين الاجتماعيين في مجتمع ما (المسلمين هنا) لا يعترفون أبدا بواقع القوى التي يخضعون لها، والتي هم مجيشون بواسطتها. انهم يقنّعون الحقيقة الاجتماعية التي يعيشونها. د. محمد أركون مقال نشر في مجلة »المستقبل العربي« 1987

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة