As Safir Logo
المصدر:

ثقافة شعبية الضباع مفيدة فلا تقتلوها

المؤلف: م ح التاريخ: 1998-08-15 رقم العدد:8072

دأبت الصحف، في الآونة الأخيرة، على نشر صور لصيادين، قاموا بقتل الضباع، مع تعليقات تعبر عن بطولات وهمية، وكأن هناك انجازا رائعا قد تحقق! وقد ذكرتنا هذه الصور بتلك الاساطير والأخبار والروايات التي كانت تدور وتروى حول قصص الضباع والحيات وعن مغامرات الصيد والصيادين، من اجل التسلية و»تضييع الوقت«، فتشكل جزءا من ثقافتنا الشعبية. فللضبع معنى اسطوري عند قدامى اللبنانيين من القرويين، فهو أقرب الى الغول مما هو الى الذئب، ويقع حديث الضباع احيانا في باب قصص الجن في سهرات الشتاء، وفي كل قرية تقريبا هناك قصة ضبع، وأحيانا القصة نفسها تروى كأنها احدى الوقائع المحلية... ويبدو أن مرحلة الليل، ولون السواد، وانعدام الرؤية (إذ لم يكن هناك من وسائل حديثة ومتطورة للانارة كما هي الحال اليوم) قد ساهمت في اطلاق العنان للمخيلة الشعبية، فكبّرت ما هو صغير، وقوّت ما هو ضعيف، وكل ذلك من اجل التعويض عن النقص والخوف... يقول سلام الراسي في كتابه »في الزوايا خبايا«، ان الضبع في لغتنا العربية كلمة مؤنثة فنقول: »جاءت الضبع«، خلافا لأسماء الاسد والنمر والذئب والنسر والصقر، معتبرا ان اجدانا العرب الأولون كانوا يطلقون الاسماء المؤنثة على كل ما هو مكروه ومحتقر عندهم، لذلك وضعوا الضبع في منزلة الحية والأم اربع وأربعين. ففي حين سموا الأسد ابو حارث، والذئب ابو سرحان، والديك ابو يقظان، والحمار ابو صابر... الا انهم اغدقوا على الضبع الاسماء المؤنثة مثل: أم عامر وأم قشعم وأم عمر وأم رحال وغير ذلك. إلا أن تلك التسميات قد جاءت على سبيل النكتة وفي سياقات ادبية معينة. أما اللقب الحقيقي للضبع، فهو »ابو الفطايس«، وهو لقب يعبر بشكل واقعي عن حياته وطرق تحصيل معاشه. فالضبع في الحقيقة لا يهاجم الناس، بل يخافهم، وهو لا يهاجم حتى أي كائن حي لأنه ليس من الحيوانات القانصة، بل يعيش على الجيف المنتنة. ولهذا لقب »بأبو الفطايس«، أي الذي يأكل الكائنات الميتة. أما القول بأن »الضبع بالنهار واوي وبالليل سبع«، فهو يعكس حقيقة شعور الانسان نفسه وليس واقع حال الضباع. فلنترك ضباعنا (التي هي في طور الانقراض اصلا) تسرح في ودياننا وتنام بسلام في كهوفنا، لتأكل جيفنا المنتنة والمريضة والتي يمكن ان تلوث تربتنا ومياهنا الجوفية، ولنهتم بمعاكسة ضباعنا الاجتماعية التي لا تزال تأكل الأحياء منا، وهي تتلذذ. ح.م

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة