رأى المؤلف الأكاديمي العراقي الدكتور عبد الأمير الأعسم من خلال مخطوط حققه ونشره باسم »المصطلح الفلسفي عند العرب« وقال إن نصوصه تقدم قراءة نقدية جديدة تصحح بعض ما نشر سابقا.. ان الباحثين المحدثين في مجال توثيق المصطلح الفلسفي أخطأوا في الاعتماد على المتأخرين، والسبب الرئيس في ذلك يعود الى الاعتماد على ما نشره المستشرقون في القرن الماضي. واعتبر دور جابر بن حيان في مجال توثيق المصطلحات الفلسفية دورا رائدا مميزا. وفي حديث الأعسم عن »صميم مسألة توثيق المصطلح الفلسفي عند الباحثين المحدثين« قال ان الاعتماد على علي بن محمد الشريف الجرجاني (مطلع القرن الخامس عشر للميلاد) وحاجي خليفة (1608 1670) والهندي محمد علاء التهانوي في منتصف القرن الثامن عشر »ترفضه طبيعة البحث العلمي في تاريخ المصطلح منذ تكوينه وحتى استقراره. فهؤلاء المؤلفون المتأخرون.. يقعون خارج دائرة مراحل تطور المصطلحات الفلسفية عند الفلاسفة المحددة في رسائل الحدود والرسوم »التي تناولها الأعسم في كتابه المؤلف من 525 صفحة والذي صدر عن »المؤسسة العربية للدراسات والنشر«. أضاف ان هؤلاء المؤلفين المتأخرين يقعون أيضا »خارج دائرة تطور المعجم الفلسفي الذي ظهرت الحاجة إليه بعيد ابن رشد وفي عمل الآمدي« أي كتابه المعروف باسم »كتاب المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين«. وقد توفي الآمدي سنة 1233 ميلادية. وقال »ولكي نعطي هذه المسألة في التوثيق المتأخر مزيدا من إيضاح الغلط المنهجي فيها لا بد من أن نلاحظ هنا ان السبب الحقيقي الذي يكمن وراء اعتماد الباحثين المحدثين على المصادر المتأخرة دون الرجوع الى رسائل الحدود الفلاسفة كلاً أو بعضاً وإغفال دور الآمدي في ما بعد في تكوين المعجمية الفلسفية إنما يعود الى نشريات المستشرقين في القرن التاسع عشر »حيث نشر غوستاف فلوغل كتاب حاجي خليفة »كشف الظنون« ابتداءً من سنة 1835 كما نشر كتاب »التعريفات« للجرجاني سنة 1837 وبعد ذلك نشر أ. شبرنغر بالاشتراك مع و.ن. ليس سنة 1863 كتاب »كشاف اصطلاحات الفنون« للتهانوي. أضاف الأعسم الأستاذ في قسم الفلسفة في جامعة بغداد ان انتشار هذه المؤلفات في أيدي الباحثين »كان يسهل الرجوع إليها ردحا من الزمن في مجمل أبحاث المستشرقين، ثم تابعهم الباحثون العرب بعد أن توالت طبعات جديدة لهذه المؤلفات... على الرغم من أن النصوص الفلسفية التي تضمها رسائل الحدود والرسوم معروفة ومتداولة بين دارسي الفلسفة العربية الإسلامية. لذلك فنحن لا نعثر إلا نادرا على توثيق المصطلحات الفلسفية بالرجوع الى الفلاسفة أنفسهم تجاوزا على طبيعة تأصيل البحث في أصول الألفاظ وجذورها في الاستعمال الفلسفي. العودة إلى الأوائل »وخلاصة القول في رأينا ان هذا الخطأ نشأ من سوء المنهج الذي عولجت به الفلسفة العربية الإسلامية عندما اعتقدت جمهرة من الباحثين ان النصوص المتأخرة منها إنما تكشف باستمرار عما تقدم من نصوص الفلاسفة. والصحيح... هو العكس بلا أدنى ريب«. وفي تصدير الكتاب قال »ان لفلاسفتنا العرب لغتهم الاصطلاحية التي ازدهرت إبان الحضارة العربية خلال خمسة قرون... ان الرجوع الى الشريف الجرجاني دليل على إهمال الباحثين في المصطلح الفلسفي، فالصحيح توثيق المصطلحات بالعودة الى جابر بن حيان والكندي والفارابي وابن سينا والخوارزمي والتوحيدي والغزالي والآمدي لكي نصل الى الجرجاني«. تحدث الأعسم عن مادة كتابه فقال »هذه طائفة من النصوص ظفرنا بها في مخطوط قديم في كابل سنة 1976 وهي تمثل إنجاز العرب في المصطلح الفلسفي، نشأته، وتكوينه، وتحديده وانتشاره ثم استقراره. وهذه الرسائل من تأليف نخبة مختارة من الفلاسفة هم جابر بن حيان وأبو يوسف الكندي والخوارزمي الكاتب وأبو علي بن سينا وأبو حامد الغزالي، وهي معروفة للباحثين، فمنها ما نُشر نشرة معتمدة على مخطوط واحد كرسالتي جابر والكندي، ومنها ما نشر بالاستناد الى مخطوطات حديثة كرسالة ابن سينا، ومنها ما طبع أصلا ضمن كتاب يشمل النص وغيره كرسالتي الخوارزمي والغزالي. »وتأتي أهمية نشر هذه النصوص مجددا ليس من الرغبة في جمعها وإعادة طبعها، بل لأن المجموع المخطوط الذي ظفرنا به... يقدم هذه النصوص في قراءة نقدية جديدة تصحح ما حقق منها سابقا، وأما ما طبع منها بلا تحقيق فتقومه تقويما نحن في أمس الحاجة إليه منذ عهد بعيد. ان وحدة الموضوع في هذا المخطوط الفريد تلغي جملة من الاعتقادات السائدة بخصوص بعض هذه الرسائل، منها ان رسالة الكندي التي أثير الشك حول نسبتها إليه، مؤكدة في ما بين أيدينا من نصوص، وان رسالة جابر، التي لم يتحدث عنها القدماء وقبلها المحدثون على مضض تنتسب الى جابر انتسابا لا يقبل أدنى ريب، وان رسالة ابن سينا التي يعتبرها الباحثون من أعماله الثانوية هي في الحقيقة مشروع نظريته في التعريف التي سيبسطها في »الشفاء« ثم يلخصها في »النجاة« وأخيرا يجدد فيها »منطق المشرقيين«، »وان رسالة الخوارزمي وهي فصول منتزعة من كتاب »مفاتيح العلوم« لا ينفر منها الباحثون باعتبارها جمعا للمصطلحات الفلسفية فحسب بل ان اقتباسها في المخطوط يثبت أهميتها في تحديد المصطلح الفلسفي في القرن الرابع الهجري... فالمقارنة تؤكد أنها ممثلة لإنجازات أبي نصر الفارابي في الحدود والرسوم ولو انه لم يؤلف رسالة مستقلة في ذلك. وتبقى رسالة الغزالي وهي في الأصل كتاب الحد من »معيار العلم« »فإنها وفق سياق المخطوط ممثلة لمرحلة استقرار المصطلح الفلسفي...«. وفي رأيه »ان من المدهش بعد كل هذا أن نلاحظ ان اختيار هذه النصوص على هذه الصورة في المخطوط ينسجم انسجاما تاما مع تكوين اللغة الفلسفية في العربية، وهو ممثل لكل الاتجاهات في استعمال الألفاظ الفلسفية خلال ثلاثة قرون ونيف، وتلك هي فترة ازدهار الفلسفة العربية«. وأورد أسماء هذه الرسائل على الصورة التالية: الحدود لجابر بن حيان. الحدود والرسوم للكندي، الحدود الفلسفية للخوارزمي الكاتب، الحدود لابن سينا، الحدود للغزالي فضلا عن الآمدي وكتابه »المبين«. حقيقة جابر بن حيان اعتمد الأعسم في تحقيق كل واحدة هذه الرسائل على عدد من المخطوطات الأخرى. ولعل الشخصية الأكثر بروزا عنده من حيث التأسيس لتوثيق المصطلحات الفلسفية العربية هي شخصية جابر بن حيان الذي دفعت كثرة أعماله وتنوعها عددا من الباحثين الى التحدث عن »مسألة الانتحال في مؤلفاته« وخلص الى القول ان جابرا كان موسوعي المعرفة. ورفض قول أناس منهم ابن النديم أن جابرا »لا أصل له ولا حقيقة«. وقال ان نص كتاب »الحدود« ليس عاديا في تراثنا العربي الفلسفي، بل انه يكشف بدقة عن المصطلح الفلسفي في عصر جابر مهما قيل في مشكلة جابر من الناحية التاريخية. فالنص كما نراه يمثل الجانب الهام في أعمال جابر كلها، لأنه لا يفصح عن موقف خاص لجابر من حدود معينة بل يؤكد الجانب المنهجي لفلسفة جابر ورؤياه المبكرة لتقسيم العلوم وفيها يثبت الحدود الفلسفية لهذه العلوم والأشياء المرتبطة بأجزائها ارتباطا وثيقا يبيّن عمق فهم جابر لماهيات تلك العلوم وأجزائها في عصره«. وخلص الى ان »الحدود« لجابر بن حيان »من الأهمية بحيث يحتاج الى دراسات عميقة موسعة للكشف عن أصالة جابر في الحدود والرسوم وتقسيم العلوم وتعريفها.«. وقال ان جابرا »أول من استعمل التعريب الحرفي (ترانسليتارايشن) للألفاظ التي لم يجد لها مقابلاً في العربية كما في استعماله مصطلح هيولى بمعنى المادة التي نجدها عند أرسطوطاليس« وكما في مصطلح »ما وراء الطبيعة« مقابل التعبير الأرسطي لمباحث »ميتافيزيكا«. ورفض موقف محمد عبد الهادي أبو ريدة في تحقيقه »رسالة الكندي في حدود الأشياء ورسومها« وقال انه وقع في خطأ عندما عدّ رسالة الكندي هذه أول رسالة في الحدود متناسيا كتب الحدود لجابر بن حيان وغيره وذلك بسبب تشديد أبو ريدة على كتاب التعريفات للجرجاني لأن الجرجاني متأخر. وقال ان رسالة الكندي هي مرحلة تالية متطورة بعد جابر. وفي الحديث عن رسالة الحدود لابن سينا يقول الأعسم »قيمة رسالة الحدود لابن سينا انها تكشف عن نظرية متكاملة في الحدود«. ويتحدث عن تعريف ابن سينا للحدود وقوله »أما الحدود الحقيقية فإن الواجب فيها حسب ما عرفناه من صناعة المنطق ان تكون ذات دلالة على ماهية الشيء، وهو كمال وجوده الذاتي حتى لا يشذ من المحمولات الذاتية شيء إلا وهو مضمن فيه إما بالفعل أو بالقوة«. يرى الأعسم هنا ان »هذا الذي يقوله ابن سينا في هذا الموضوع سيكون تأثيره عميقا في عمل الغزالي...«. واعتبر مرحلة ابن سينا والغزالي »مرحلة ثبات المصطلح واستقراره في مؤلفات الفلاسفة واللغة الفلسفية التي كانوا يتعاملون بها في محافلهم العلمية خلال القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) وهذه ممثلة في ابن سينا والغزالي«. وقال ان الغزالي الذي أقر ألفاظ ابن سينا فاعتمدها وطورها »يكشف عن تطور اللغة الفلسفية تطورا عربيا في المصطلحات حتى أننا نجد اختفاء الألفاظ اليونانية المعربة التي ازدهرت في المرحلة ما بين الكندي وابن سينا فلا نعثر على ألفاظ يونانية معربة في لغة الغزالي غير اصطلاحين هما الهيولى والأسطقس..«. أضاف ان حدود الغزالي تؤكد أن المصطلحات الفلسفية »قد استقرت في الاستعمال الفلسفي بالحالة التي عرضها الغزالي بعد أن تخلصت اللغة الفلسفية ابتداءً من ابن سينا من الألفاظ القلقة غير الثابتة التي شاع استعمالها قبل الفارابي«. »وهنا يجب أن ينظر دائما الى لغة الغزالي باعتبارها ممثلة لمرحلة نضج اللغة الفلسفية المعجمية للمصطلحات التي ستظهر بعد قرن من الزمان من وفاة الغزالي بعد مرورها بابن رشد«. وقد أورد المؤلف ثبتا بالحدود الفلسفية التي وردت عند أصحاب الرسائل كما جاءت في مخطوطته، فكانت هذه الحدود 170 حداً عند جابر بن حيان و190 في نص الكندي و206 في نص الخوارزمي و239 عند ابن سينا و268 في نص الغزالي كما أحصى 314 وردت في نص الآمدي الذي حققه منفصلا عن الرسائل المشار إليها. فهارس الكتاب مدروسة ومبوبة بما يفيد القارئ والباحث، وهذه الفهارس تشمل محتويات المقدمة وأربعة فهارس أخرى للألفاظ الفلسفية والأعلام والكتب والرسائل والألفاظ المعربة الواردة في النصوص بالاضافة الى كشافين عربيين للمصطلحات اللاتينية واليونانية وفهرس تفصيلي لمحتويات الكتاب وفهرس فرنسي موجز لمواد الكتاب. فهرس الألفاظ الفلسفية جاء في نحو 40 صفحة اشتملت على نحو 800 لفظة. أما فهرس الألفاظ المعربة فقد احتوى على 21 لفظا أكثرها يوناني وقليل منها سرياني. أول الكشافين كشاف عربي لاتيني جاء في سبع صفحات وردت فيها الكلمة بالعربية واللاتينية. الكشاف الثاني ورد في ثلاث صفحات أدرجت فيها الكلمة بالعربية وباليونانية. (*) المصطلح الفلسفي عند العرب، د. عبد الأمير الأعسم، 525 صفحة، قطع متوسط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.