قد يُدرك المتأنِّي بعض حاجتِهِ وقد يكونُ مع المستعجِلِ الزَّلَلُ (شاعر عربي) يختتم وضاح يوسف الحلو مراجعته لكتاب روجيه غارودي »أمريكا طليعة الانحطاط كيف نجابه القرن الحادي والعشرين«(1) بالقول إن هذا الكتاب »تعرية مثيرة« للولايات المتحدة؛ وليته قال: معيبة، أو مشينة، أو مخزية فكُثرٌ هم الرجال الذين ينفقون الأموال الطائلة للتمتع، ولو لبضع دقائق، بتعرية... مثيرة. وإذا جاز لي أن أستعير هذا التعبير من الناقد، فلسوف أقول إن النسخة العربية للكتاب المذكور »تعرية مثيرة (للغضب)«؛ تتكشّف فيها عيوب كثيرة أبرزها: المعلومات العامة الرديئة عن... »أمريكا«، والأغاليط المقرفة فعلاً في كتابة الأسماء الأجنبية، وانعدام المراجعة للطباعة وأغلاطها المرعبة. ولو أردتُ اختيار كلمة واحدة لوصف هذا »الإنجاز«، الذي كاد ينسيني معلومات غارودي وآراءه، لما وجدتُ أفضل من كلمة في لغتنا المحكية: »استلشاق«! وهاكم بعض النماذج أو »النماذذ«، كما تصير بفضل الطبّاعين والطبّاخين: 1 الأغلاط الطباعية في العربية من أول الكتاب إلى آخره، تُضاف أحرف وتؤكل أخرى؛ وتنتقل الحركات من حرف إلى حرف؛ بحسب الطِّباع أو مزاج الطبَّاع، ولا مَن يراقب أو يحاسب، ولا مَن يحزنون! مثالاً لا حصراً لأن الحصر هنا يحولني إلى... حصير (أي الضيِّق الصدر): استقرقاق استرقاق؛ شؤون إسرائيل العام العامة؛ وضعها وصفها؛ تؤخرُّ تؤخِّر؛ مسيحو العالم مسيحيُّو؛ الأشدُّ قدرةً الأشدَّ؛ الخطر الحظر؛ بتسلم بتسليم؛ غوش إمومين إمونيم؛ الأمريطية الأمريكية، أو الأميركية؛ البيأمريكي (!)؛ الهلترية الهتلرية؛ إلخ. 2 الأغلاط اللغوية كانت اللغة أسعد حظاً (وأرجو ألاَّ تُطبع هذه الكلمة »خطاً«) من الطباعة... الغلاَّطة المغْلاطة؛ ومع ذلك وجدت فيها دونما أيِّ تدقيق شبه جدِّي مجموعة »لا بأس بها«. مثالاً على ذلك: »لأن ما سميّ (يقصد: سُمِّي)، حتى الآن، الحربان العالميتان...« (ص 9، وهي الأولى في... الفصل الأول أي أول الغيث)، بدل »الحربين...« كقولنا: سُمِّي فلانٌ كذا أو بكذا! في الصفحة 19: »تحوي... ملياراً ومئتي مليون نسمة... ويداً عاملاً لا حدود لها«، بدل »عاملة« فاليَدُ (وهي من المِنكب إلى أطراف الأصابع) مؤنَّثة! وفي الصفحة عينها: »... بوجود 33 مليون من سكانها«، بدل »مليوناً«. في الصفحة الخامسة والثلاثين: »كلفت هذه الحرب... فرنسة مليون ونصف قتيل«، بدل »مليوناً وخمسمئة ألف قتيل«، أو »مليوناً ونصف المليون من القتلى« لأنني لم أسمع بعد... بنصف قتيل! وفي هامش تلك الصفحة، توضيح من المترجم لأحد الأسماء: »مُصنع سفن...«، بدل »صانع«، من »صَنَع«، أي يحترف الصناعة؛ كما نقول »كاتب«، من »كَتَب«، أي يحترف الكتابة. أما »مُصنع« هذه، فهي من »أصنَعَ«، والمعنى مختلف »أصنَعَ الفَرَس: تعهده، وأحسنَ القيام عليه« (المعجم الوسيط). في الصفحة 73، تُجمَع الجزيرةُ... جزيرات (هل هي بضم الجيم وفتح الزاي؟) بدل جُزُر أو جزائر وفي صفحة أخرى، استُعمِلت الغاب (جمع غابة) بصيغة المذكّر. وجاء في الصفحة 105 »أن ثلث عمال العالم البالغين 2800 مليون عامل عاطلين عن العمل«، بدل »عاطلون من...« (ولو أن الخطأ الشائع هو »عن العمل«)! تجدر الإشارة هنا إلى أن المترجم نبهنا، في هامش الصفحة 21، إلى أن »السوق Marche: يُذكَّر ويؤنَّث في اللغة العربية«! 3 الأسماء الأجنبية... »التَّعتيريّة«! أسوأ ما في النسخة العربية لكتاب غارودي عن الولايات المتحدة والانحطاط وهذا أمر لم أره قط في أيٍّ من مئات الكتب التي قرأتها في حياتي هو التشويه الأكثر من معيب للأسماء الأجنبية، بالحرفين اللاتيني والعربي. ولربما تكون نسبة الأسماء المشوَّهة، التي تنافس الأغلاط الطباعية من حيث العدد، نحو... تسعين في المئة! لِنْكون (اللاّم الثانية في الاسم الثاني للرئيس الأميركي، Lincoln، لا تُلفظ) يصير Limeoln؛ والجريدة المستشهَد بها مرات عدة تُكتب Lemonde؛ والسيناتور الذي صار رئيسا... يُكتب صحيحا بالإنكليزية، W. Harding، لكنه يُعرَّب: وان هاروينغ؛ Allais يكون »آلّيس« ثم يتحول في الفقرة نفسها إلى »آلّي«؛ »أناتول فرانس« يصبح »أناقول«؛ »سيدني« بالحرف العربي لما كُتب بالإنكليزية Siadney (سِيادني)، والاسم الأول لهذا الإنسان Hugh يقرأه المترجم الذي لم يسمع بأسماء بريطانية أو أميركية: »هوغ« (الصحيح: »هْيُو«)؛ الكاتب الأميركي »ثورو« صار فرنسياً أو ربما ذلك الذي يصرعونه في إسبانيا »تورو«، وفي مكان آخر: »كورو«؛ Edgar Poe كُتب مرة كاسم واحد »إدغاربو« (هل هو قريب الممثلة »غاربو«؟)، ومرة »أدغاء بو«؛ Imgxes هي »انغرس«؛ وثمة فنان فرنسي كبير هو Renair، يُعرَّب »رنيوار«؛ استراتيجية الصد Roll Back تُكتب Roff - Baek؛ »البرنامج الشامل الجديد« لفرانكلين روزفيلت، New Deal، يتحول إلى »الأصم (Deaf) الجديد«؛ كلمة Knee، التي تعني الرّكبة وتُلفظ »ني«، تتحول بالطباعة الراقية إلى Knww (ولو أضافوا حرف اwب آخر، لَدَخلنا الأنترنت!)، وبالتعريب الذكي إلى... »كني«؛ و... هلم جرّ! ومن الواضح أن الترجمة كُتبت بخط اليد، وأن الطبَّاعين... المتمرِّسين لم يفرِّقوا بين الواو والدال، أو بين الراء والهمزة (بالعربية)؛ وبين M وN، أو بين E وC، أو بين U وV (باللغات الأجنبية! 4 جهل الأسماء الأجنبية ثمة جهل محزن في معرفة لفظ الأسماء والكلمات الأجنبية، غير الفرنسية. فالمترجم، مثلاً، لا يعرف أن حرف (j) في اسم المدينة الأميركية San Jose لا يُلفظ مثل الجيم (ورد في النص »جوزيه« و»جوزه«)، وإنما مثل الخاء أو حتى الهاء خوزيه، هوزيه. ولا يعلم أيضا أن هذا الحرف بالذات يُلفظ مثل الياء في العديد من اللغات؛ ولذا فإن اسم تلك المدينة الأوروبية، التي شوَّه جمالَها الحقدُ والتعصب، هو »سَرَيافو« وليس »سراجيفو« مثلما يجب أن نقول »يوهان« وليس »جوهان«. وتذكرني التحويرات اللفظية، الواردة في النص، باسم الوزير الأميركي الألماني الأصل في إدارة نكسون، هنري كيسنجر، الذي أصرَّ على »أمركة« اسم العائلة، بحيث يُلفظ بالجيم »الشامية« وليس بالجيم »المصرية«. لكن الرئيس أنور السادات، الذي كان »صديقه« (ويخاطبه أحيانا بتودد: عزيزي هنري)، أصر بدوره على »تمصير« الجيم. وكنت أتساءل في تلك الأيام: كيف سيشعر السادات لو أن كيسنجر، أو أي أجنبي آخر، »مَصَّر« الجيم في اسم »حَرَم الرئيس«... جيهان! لا يعرف مترجم أو مترجما كتاب غارودي عن »أمريكا« أن كلمة War (الحرب) تُلفظ »ووُر«، فتحوَّل اسم الفنان المشعوذ Warhall إلى »فارهول«. ويجهل هذا المترجم، أو ذاك، أن اسم Dahl يُلفظ »دال« وليس »داهل« على وزن... جاهل! ولأن الاسم الأول للممثلة والراقصة Ginger Rogers يشبه كلمة Finger (الإصبع)، التي تُلفظ »جِيمُها« مصريّة، فقد ارتأى أن يكتبه »جينغر« مع أن »الجيمَيْن« يُلفظان مثل نظيريهما في اسم جورج. وفي حين »يُفرنس« المترجم اسم منطقة يبدأ بكلمة Fort (حِصْن وأرجو ألاَّ تُغيِّرها الطباعة إلى »حضن«): »فور«؛ فإنه يحوِّل اسم الأكاديمية العسكرية »وَسْت بُوينت (بمعنى النقطة الغربية) إلى... »وست بوانت« أي لا هو بالإنكليزي/ الأميركي، ولا بالفرنسي! في المقابل، يصير الجسر الجديد في باريس... Pont New، أي »أمريكاني على فرنساوي«! أما بالنسبة إلى مصطلح Know - How، فقد ورد مقلوبا (تُرجم: »المعارف المكتسبة«؛ وهذه مبالغ فيها) مثلما ورد اسم »روث سان دنيس« Denis - Ruth Saint؛ واسم »كْريستيز«: sصChristie! ولكن، لماذا أستغربُ وأستهجن كل هذا التشويه، ما دام اسم العاصمة الصومالية يتحول إلى »موغاديسبو« في النص؛ وينقلب في هامش المترجم إلى... »موغادريشيو«! من »النماذذ« الأخرى في هذا المجال، إصرار المترجم على جعل اسم المؤسسة الفكرية المعروفة Brookings بالمفرد »بروكينغ«، وكذلك اسم موسيقى »البلوز«: »بلو«! وقرر المترجم ترجمة اسم نْيوزيلندا بدل تعريبه: »زيلندة الجديدة«؛ وكذلك اسم الولاية الأميركية نيو مكسيكو: »مكسيكو الجديدة«؛ لكنه لم يترجم اسم مدينة نيويورك، أو صحيفة نيويورك تايمز مثلما يفعل بعض »الأشقاء«: صحيفة »أزمنة يورك الجديدة«! وفي حين ترك المترجم »ال« التعريف الفرنسية (LE وفي الجمع LES) مع أسماء أفراد أو فرق رياضية؛ فإنه اعتقد أن (Dص) في اسم السناتور الأميركي، الإيطالي الأصل (DصAmato)، زائدة... فحذفها، جاعلاً الاسم: »أماتو«! والله، لقد »أماتو(ني)«... تعصيباً! 6 اللاثبات (أو الازدواجية) في الكتابة فاجأتني هذه الترجمة بإحلال »التاء« المربوطة محل »الألِف« في نهاية أسماء الدول الأجنبية، مع أن تلك الأسماء لا تُلفظ هكذا. أضف إلى ذلك، أن ثمة هدفا رئيسيا لاستعمال الألِف... هو التمييز بين اسم البلد ومَن ينتسب إليه: في بريطانيا، شركة بريطانية...! كذلك، ظهرت أسماء عديدة بأسلوب ثنائي وأحياناً ثلاثي لا في الصفحة الواحدة وحسب، بل أيضا في الجملة الواحدة (راجع ص 14): إنكلترا وإنكلترة؛ ألين وألان؛ تايمس وتايمز، أمريكة وأمريكا وأميريكة و... الله أعلم! وشملت حالات الاهتزاز والتقلب هذه مشكلة عدم الاتفاق على أحد اللفظين المعتمَدين لحرف الجيم: (Gatt)، »جات« و»غات«. ويحدث التقلب أيضا في الترجمة: »مجلس الأمن القومي« (ص 53) و»مجلس الأمن الوطني« (ص 46، من الفصل ذاته)! 7 المعلومات الأميركية ... »الفضائحية« أ لا تكتفي الطباعة السيئة، واللامراجَعةُ البائسة، فقط بتحوير اسم المدينة الأميركية »سِياتِل« إلى... »ستيل« (ويا له من »ستيل«)، بل »يوضح« لنا المؤلف بين هلالين، أن »ستيل« هذه موجودة »قرب واشنطن« (ص 16) والمعنى الضمني أنها قرب العاصمة واشنطن، أو واشنطن العاصمة! لكن سياتل هي كبرى مدن ولاية واشنطن، في الشمال الغربي للولايات المتحدة؛ في حين أن العاصمة في الجانب الشرقي... على بُعد آلاف الكيلومترات! ب في الصفحة 19، كتب غارودي عن »البؤس المتزايد »لأمريكة الأخرى« غير تلك الموجودة في »دالاس«، بؤس متزايد...« (المزدوجان، في الحالتين، واردان في النسخة العربية للكتاب). وفي أسفل الصفحة، هامش من المترجم الواسع الاطلاع »يشرح« للقارئ الجاهل حقيقة الأمر بالقول: »تشتهر دالاس Dallas في ولاية تكساس بغناها الغائد للثروة ]العائد إلى...[ البترولية والصناعات البتروكيميائية والإلكترونية القائمة فيها«! لكن المقصود هنا هو المسلسل التلفزيوني »دالاس«، وليس المدينة التي سُمِّي تيمناً بها! والدليل القاطع... موجود في الصفحة 23: »... اعتباراً من الفيلم الأمريكي المبتدئ باقتناص الهندي مع صيادي الغرب... أو أدغال المال مع »دالاس«، مرورا بكل أشكال العنف واللاإنسانية من »باتمان« إلى »ترميناتور {Terminator}...«. وفي الصفحة 186: »تموِّه سينماهم... جشع وحوش »دالاس« و...«! ج في الصفحة 65، يكتب مترجم غارودي أن »40$ من اليافعين الأمريكيين الذين يدخلون المدارس الثانوية Colleges يعترفون أنهم لا يجيدون القراءة...«. ليست لديَّ أي دراسات أو إحصاءات حديثة العهد عن نسبة هؤلاء الذين »لا يجيدون القراءة«؛ لكنني أعلم أن اليافع هو دون المراهق، والمدرسة الثانوية هي High School، والCollege ليست مثلما هي في النظام الفرانكوفوني، وإنما هي كلية، أو جامعة. 8 المعلومات العامة للمؤلِّف (!) أ يكتب غارودي: »ما بين عام 1991 وعام 1993 تضاعفت... صادرات أفغانستان من الأفيون إلى الاتحاد السوفييتي إلى ثلاثة أمثالها« (ص 24)؛ وفي مكان آخر: »وضعت نهاية الحرب وحلول السلام في 1945، ثم انهيار الاتحاد في العام 1989، الولايات المتحدة...« (ص 46)! لكن معلوماتي البسيطة تُفيد بأن الاتحاد السوفييتي تفكَّك نهائياً في كانون الأول 1991؛ وكانت بداية الانهيار مع استقلال جمهوريات البلقان الثلاث في أيلول من ذلك العام. ب يقول غارودي إن الإبادة الجماعية لم تُبق من السكان الأصليين في الولايات المتحدة، »وقد كانوا عشرة ملايين إنسان، إلا مئتي ألف نسمة« (ص 30)! هنا أكاد أجزم بأن النص الفرنسي، أو أحد المترجمَيْن، »أكل« أحد الأصفار الستة من عدد الباقين؛ لأن هؤلاء هم حاليا... مليونان! وأتساءل بسذاجة (ما دمنا نكتب عن الأرقام): ما هو المقصود بمساحة 60 »أربنت« (ص 30)؟ ج يكتب غارودي: »... في العام 1933 ذكر تيودور روزفلت موسوليني بقوله...« (ص 37)! لكن ثيودور روزفلت تُوفي في 1913، والاسم الأول الصحيح هو... فرانكلين! د يكتب غارودي، نقلاً عن »نيويورك تايمس« (تايمز)، أن »اللوبي« ]»الإسرائيلي«[ يمكن أن يعتمد على 40 إلى 45 سناتورا كحد أدنى وعلى 200 عضو من أصل 435 في الكونغرس« (ص 54). الكونغرس الأميركي مؤلَّف من مجلسين: الشيوخ (100 عضو) والنواب (435 عضوا)، لكن مصلح Congressman لا يُطلق على السناتور، وإنما على النائب؛ وهو مرادف لتعبير Representative (ولا ضرورة إطلاقا لترجمته »ممثلاً«، كما ورد في الصفحة 121). عن الكونغرس أيضا، كتب غارودي: »في العام 1988 بلغت الميزانية الدعائية لانتخابات مجلس الشيوخ ومجلس النواب خمسمئة مليون دولار« (ص 66). لكننا نقرأ في الصفحة 121 أنه »في الولايات المتحدة لا بد من خمسمئة مليون دولار للقيام بحملة انتخابية ليكون نائبا أو »ممثلا«، و...«! فهل المرشح الواحد يحتاج الى نصف المليار؟ ه يعطي المؤلف نفقات التعليم العالي في الولايات المتحدة بالفرنك الفرنسي، وهذه ليست بالمشكلة لقارئ النص الأصلي. وكان بإمكان المترجمَيْن إضافة هامش آخر يضع الرقم بالدولار الذي حولته الطباعة مرة واحدة، على الأقل، الى... دولاب؛ وصار في استطاعتنا القول: الدنيا دولاب، أو الدنيا... دولار! و ثمة جملة »طريفة« في الصفحة 106، أنقلها من دون تعليق: »وقد انتحر بابوف قبل أن يُعدم في فندوم...«! 9 المعلومات العامة للمترجمَيْن! يكتب غارودي عن »عالم خلق الرامايانا ومسرح نو،... وملحمة جلجامش« (ص 69)؛ فيشرح لنا المترجم هذه الأسماء على النحو التالي: أ »الرامايانا: ملاحم هندية امتدت من القرن الخامس ق.م. حتى القرن الخامس عشر م. حول حياة »راما«. لكن »رامَيانا«، التي تعني رومانسية راما (الإله، أو البطل المؤلَّه)، هي صغرى الملحمتين الهنديتين العظيمتين الكبرى هي »مَهابْهاراتا« كُتبت بالسنسيكريتية، ربما ليس قبل العام ثلاثمئة ق.م.، وفقا لموسوعة البريتانكا. وتتألف هذه الملحمة الواحدة لا الملاحم من أربعة وعشرين ألف »دوبيت« (مقطع شعري من بيتين)، تضمها سبعة مجلدات؛ يُعتبر الأول والسابع منها أحدث عهدا، أي أضيفا لاحقاً على النص الأصلي الذي وضعه الشاعر »فالمِكي« (Valmiki). ويتبيّن من التاريخ الهندي أنها كانت ذائعة الصيت في القرن السادس عشر للميلاد، وبقيت »متداولة« الى حد ما في القرنين السابع عشر والثامن عشر! ب »مسرح نور ]كذا[: مسرح غنائي ديني ياباني« (هل المقصود هنا »نَوَر« أم »نُور«؟ على أي حال، »نوَّر« اللهُ أيّامكم!). المعنى الحرفي للكلمة (No أو Noh) هو الموهبة؛ وفي مسرحها يروي الممثلون قصة بأدائهم وحركاتهم، موحين بالجوهر وليس بالوقائع والتفاصيل (البريتانكا). ويتميز مسرح »نو« بالكورس، والمشاهد الغنية، والثياب المزركشة. ويشرح قاموس »المورد« هذه الكلمة على النحو التالي الكافي: »دراما كلاسيكية يابانية راقصة ذات موضوع بطولي«. ج »جلجامش: ملحمة أشورى ]كذا[ اصطبغت بها الأساطير السورية حول الخلود«؛ لكن »غِلْغامش« ليست أشورية. إنها سومرية عن مغامرات ملك »أوروك« في سعيه الفاشل وراء الخلود، وصداقته مع الرجل الجبلي المتوحش »آنْكيدو«؛ كُتبت، على الأرجح، في الألف الثالث قبل الميلاد أو، على الأقل، في القرون الأولى من الألف الثاني. وتُظهر الاكتشافات الحديثة العهد نسبياً، أن النسخة الأكثر اكتمالاً كانت محفوظة في المكتبة العظيمة لآخر ملوك الأشوريين (بعد أن حصل عليها، وأمر بترجمتها). تجدر الإشارة أيضا الى أن »غلغامش« تتضمن أسطورة أخرى تروي قصة... الفيضان، وتُشبهها في ذلك قصة نوح في التوراة! * في الصفحة 81، يكتب غارودي »أن الناقد لا يتحدث عن العمل بقدر ما يتحدث عن نوايا (نيات) مؤلفه الذي يُغمر بالألقاب الأكثر تفخيماً: ... »الأورفيّة Orphisme«؛ فيشرح لنا المترجم أن هذه الصفة »نسبة إلى أورفة أحد أبطال أساطير الإغريقية وابن أبولون«! والى جانب أن الهامش، كما هو، لا يمت إلى الموضوع بصلة، فإن النسبة هي إلى أورفيوس أو أورفايوس الذي كان في الأسطورة الإغريقية شاعرا وموسيقيا لم يتمكن لأنه نظر إلى الوراء من استعادة زوجته من »مثوى الأموات«. وتختلف الروايات حول »ولادته«، إذ بعضها يقول إنه ابن »المُوزيّة: إحدى الإلاهات التسع... اللواتي يحمين الغناء والشعر...«، أو »كاليُوب: إلاهة الفصاحة والشعر الملحمي«؛ بينما تذكر روايات أخرى أنه ابن »أبولّو: إله الشعر والموسيقى والجمال الرجولي عند الإغريق« (المعلومات من البريتانكا، وتعريب الأسماء مع النُّبذ من »المورد«). أعود إلى »الأورفيّة« لأقول: إنها، في الفن، اسم أطلقه الشاعر الفرنسي أبولينيير في 1912 على »نزعة في التكعيبية تُعطي الأولوية للون« (راجع موسوعة البريتانكا). * في الصفحة 106، كتب غارودي أن بابوف الذي »انتحر... قبل أن يُعدَم« أعلن »معارضته للفوضى الاقتصادية التي أحدثها النظام الترميدوري في العام 1795«، فزوّدنا المترجم بالهامش »التوضيحي« التالي: »الترميدوري: نسبة إلى شهر ترميدور Thermidore: وهو الشهر الحادي عشر في التقويم الجمهوري الذي أعلن خلال الثورة الفرنسية، وهو يقابل الفترة الممتدة بين 20 تموز و18 آب«. المعلومات هذه... صحيحة؛ ولكن، بربِّكم، ماذا تعني أو كيف توضِّح عبارة »النظام التروميدوري«؟ ثمة مصطلح متعلق بالتاريخ الفرنسي، هو »رد الفعل التَّرْميدوري«، معناه »عملية إطاحة روبسبيير في لجنة السلامة العامة، وقد بدأت في 26 تموز 1794، وأنهت المرحلة الراديكالية من الثورة الفرنسية«. »مسك« الختام... من أوّل الكلام! تبدأ النسخة العربية لكتاب غارودي عن الانحطاط بقول رؤيويّ بالغ الأهمية، عمره أكثر من خمسين عاماً، ورد في الصفحة الخامسة وهي الأولى بعد صفحة العنوان، وقبل المقدمة. إنه للفيلسوفة الفرنسية »سيمون ÷ايل«، التي ظهر اسمها في السطر الأول... »فيل«، وفي الهامش... »÷يل«. وجاء في الهامش »التوضيحي« الذي لا أعلم إن كان للمؤلف، أم للمترجم، أم للناشر (إن كان للمؤلف... فالمصيبة أعظم): »فيلسوفةٌ وكاتبة، عملت في مصنع والتحقت بالجنرال ديغول في لندن، العام 1942، مؤلفة كتاب »الثقالة والنعمة« خاصة. وقد حصلت على عدة مناصب وزارية في الحكومات الديغولية المتعاقبة، وتدين بالديانة اليهودية«. لن أعلق على الأسلوب الرَّكيك لهاتين الجملتين، لكنني سوف أسرد الحقائق التالية عن ÷ايل: عملت في مصنع للسيارات، وعاشت مع عاملاته (1934 1935)، لدراسة التأثيرات النفسية للعمل في حقل الصناعات الثقيلة، والكتابة عن الموضوع. من أهم مؤلَّفاتها، التي صدرت بعد وفاتها، كتاب (La Pesanteur et la Grace) نُشر بالفرنسية في 1947، ونُشرت نسخته الإنكليزية بعد ذلك بأعوام خمسة؛ وفي رأيي أن العنوان يجب أن يُترجم: »الجاذبية والنعمة الإلهية«. فالكتاب ذو مضمون ديني، ولا علاقة له بالثقل النوعي أو... »الثقالة«! لكن الشق الأول من الجملة الثانية هو »خير« دليل على كل ما سبق ذكره. فحقيقة الأمر أن ÷ايل ذهبت مع والديها إلى الولايات المتحدة في 1942، ثم انتقلت لاحقا الى إنكلترا للالتحاق بالمقاومة السرية؛ طالبة إلقاءها بمظلة فوق الأراضي الفرنسية المحتلة. لكن قادة المقاومة »في المنفى« كما تقول موسوعة البريتانكا، دونما أي ذكر لديغول رفضوا طلبها. وقد توفيت بعد ذلك ببضعة أشهر فقط (آب 1943)، عن أربع وثلاثين سنة؛ نتيجة تجويع ذاتي طوعي انتحاري، تضامناً مع أبناء وطنها في محنتهم تحت الاحتلال النازي! من المحتمل ألا تكون الموسوعة الأميركية مصيبة؛ لأن المؤلف فرنسي والمترجم ذو ثقافة فرنسية، ولا بد تالياً من منطلق أن رب البيت أدرى بمن فيه أن تكون معلوماتهما... »مصيبة«. وإلا... فكيف »حصلت على عدة مناصب وزارية في الحكومات الديغولية المتعاقبة«، بعد... وفاتها في الرابعة والثلاثين من عمرها؟ أول القصيدة... كفْر! لربما يتساءل القارئ: هل تستأهل هذه العيوب »القليلة« كلَّ أو مثل هذه التعليقات و»النرفزات« الكثيرة؟ وهل تبررها الرغبة في »إنزال« الكتاب إلى الأسواق بسرعة، وبثمن »شعبي«؟ الرد على التساؤل الأول: نعم، وأقولها باقتناع تام؛ وعلى الثاني: لا، وأقولها باقتناع مماثل. فالإهمال، والاستعجال، والاسترخاص، و»الاستلشاق« ليست صفات حميدة على الإطلاق؛ ولو أننا »تَمْسَحْنا« من جراء انتشارها على نطاق واسع جدا، في مختلف الحقول والمجالات، وصرنا نَعدُّها جزءاً لا يُجزأ من حياتنا اليومية و... شخصيتنا القومية! هوامش (1) روجيه غارودي، »أمريكا طليعة الانحطاط كيف نجابه القرن الحادي والعشرين«، ترجمة صيّاح الجهيّم وميشيل خوري، دار عطية للنشر، بيروت، 1998. (2) وضاح يوسف الحلو، »روجيه غارودي يعرّي تاريخاً كاملاً: أميركا طليعة الانحطاط«، »النهار«، 4/4/1998.