As Safir Logo
المصدر:

الجماعة الاحمدية او "القاديانية"

مسيح كشمير

المؤلف: ف ص التاريخ: 1998-07-31 رقم العدد:8059

يرفض الأحمديون أن يطلق عليهم لقب »القاديانية«. فهم لا ينتسبون إلى بلدة »قاديان« التي وُلد فيها مؤسس هذه الفرقة، بل الى الميرزا غلام أحمد، الرجل الذي أقام مذهبهم؛ فهم، من هذه الناحية، أحمديون وكفى. والجماعة الأحمدية فرقة دينية شأنها شأن الكثير من الفرق الدينية الأخرى، يجهلها معظم العرب حتى المثقفين منهم. ويكاد لا يعرف عنها سوى قلة قليلة من المطلعين أو الدارسين أو الباحثين. وفي ما عدا ذلك ثمة جهل كامل بمنشأ هذه الفرقة وعقائدها ورجالها. والمأنوس في القول ان »الإنسان عدو ما يجهل«. وهذا الجهل جعل هذه الفرقة محط اتهامات بل افتراءات شتى؛ فغالى البعض حتى اتهامهم بالكفر والشرك والخروج على الملة، وتواضع البعض الآخر فحصر الأمر في مجال الاختلاف وتباين العقائد. وربما كان لنشأة هذه الفرقة في قاديان من بلاد الهند، لا في بلاد العرب، أثر في تلك الريبة التي تحوط الجماعة وأمثالها من الجماعات المنشقة على الإسلام أو الخارجة عليه أو المتفتحة في أحضانه. المقال التالي انتداب ذاتي من أجل العلم والمعرفة، ومحاولة أولية تهدف الى التعريف بالفرقة وتاريخها ونشأتها وعقائدها. وقد جرى الاستناد، في كتابة هذا المقال، الى المصادر المتاحة، واعتمد فيها منهج السرد التاريخي لا المحاكمة التاريخية، ومن غير التطرق، بتاتاً، الى النظر في صحيح هذه العقيدة من باطلها أو في مدى انسجامها مع عقيدة جمهور المسلمين أو افتراقها عنها. ومن نافل القول ان هذا ليس من شأننا البتة. الأحمدية: ما هي ومَن مؤسسها؟ تُنسب هذه الجماعة إلى الميرزا غلام أحمد الذي ولد في »قاديان« بالهند نحو سنة 1840 (وفي بعض المصادر سنة 1835). وهي تارة تدعى »الأحمدية« نسبة الى غلام أحمد، وطورا تدعى »القاديانية« نسبة الى بلد المؤسس. وتعود أسرة الميرزا غلام أحمد في أصولها الى سمرقند، لكن آباءه رحلوا الى الهند واستوطنوا »قاديان« وصارت لهم الرياسة في تلك الديار. درس غلام أحمد القرآن واللغة الفارسية واللغة العربية وعلوم النحو والمنطق والفلسفة. وعندما مرض والده الميرزا غلام مرتضى سنة 1876 أذاع غلام أحمد بين أتباعه أن وحياً نزل عليه وأنبأه أن أباه سيموت بعد غروب يوم معين. وعندما توفي والده في اليوم الموعود راح يؤكد أن الوحي يخاطبه باستمرار. وتمثل هذه المسألة نقطة البيكار في دعوة غلام أحمد، فهو يقول ان الوحي لم ينقطع بعد محمد ولن ينقطع أبدا. روّج غلام أحمد انه اكتشف قبرا في كشمير، وأن هذا القبر هو قبر المسيح الذي لم يمت على الصليب، بل نزل عنه وسافر الى كشمير مع أمه مريم وعاش طويلاً، وعندما توفي دُفن في هذا القبر. وأهل كشمير يعتقدون ان هذا القبر للنبي عيصا (عيسى) وأمه مريم. وراجت، في الأثر، شائعة قوية تقول إن روح المسيح حلت في غلام أحمد لأنه اكتشف القبر الحقيقي للمسيح، وأنه هو المهدي الموعود الذي ينتظر الكثير من المسلمين عودته. ويستند الأحمديون في اعتقادهم هذا الى الآية التالية: »وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما الى ربوة ذات قرار ومعين« (المؤمنون: 50). ويعيبون على المسلمين اعتقادهم ان هذه الربوة هي ربوة دمشق، بينما يعتقدون انها ربوة كشمير التي كان يقطنها بعض القبائل اليهودية التي سباها نبوخذ نصر، وهي التي يقول عنها المسيح انها »خراف إسرائيل الضالة«. كما انهم يعتقدون ان المسيح خرج من القبر وسار بصبحة يوسف الرامي الى الجليل حيث مكث أربعين يوما يداوي جروحه بمرهم صنعه له نيقوديموس، ثم أخذ والدته وبعض تلامذته وعلى رأسهم توما وسافر الى كشمير يبحث عن الأسباط العشرة أي »خراف إسرائيل الضالة«. وهناك تزوج مريم المجدلية وعمّر حتى بلغ الى 120 سنة، ثم توفي ودُفن في مدينة سري نكر عاصة كشمير اليوم. وهذا الرأي، بالطبع، مخالف للعقيدة المسيحية نفسها وللرواية الإنجيلية أيضا. فالأناجيل الأربعة تقول إن المسيح »أسلم الروح على الصليب«. ادّعى مؤسس المذهب ان المعجزات تجري على يديه. وعندما حدث كسوف للشمس سنة 1894 بادر أتباعه الى الترويج أنه هو الذي أجرى هذه المعجزة. وهكذا راح أتباعه يتكاثرون شيئا فشيئا، واستفاد هو من رياسة والده على المنطقة ومن الامتيازات التي كان يتمتع بها والده الميرزا غلام مرتضى في ظل الإنكليز. وعندما تُوفي والده سنة 1876 خلفه في منصبه. ولم تكد سنة 1880 تطل حتى كان الميرزا غلام أحمد ظهر كأحد الدعاة الإسلاميين المشهورين في الهند. وفي كانون الأول 1888 دعا عموم المسلمين الى مبايعته، فانضم إليه وبايعه عدد كبير منهم. وكان يعتبر نفسه »مجدد العصر« وأنه »مأمور من الله« ومماثل للمسيح. المسيح الموعود وفي سنة 1891 أعلن أن المسيح مات وأنه هو نفسه المسيح الموعود والمهدي المنتظر. وفي سنة 1900 صار أتباعه يطلقون عليه، صراحة، لقب »نبي«. وكي لا يثير نقمة بقية المسلمين عليه كان يقول إنه »نبي ظلي«. غير انه كشف موقفه تماماً في سنة 1908 قائلا: »أنا نبي وفقا لأمر الله، وأكون آثماً إن أنكرت ذلك«. أثار هذا التصريح نقمة علماء المسلمين في الهند (وكانت تضم الباكستان وبنغلادش يومذاك)، فتصدوا لهذه »البدعة« وراحوا يقاومونها بالدعوة والخطب والمقالات. ومن أشهر من تصدى لهذه الجماعة الشاعر محمد إقبال وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي، وهم الذين صاروا من أعلام الفكر الإسلامي في العالم في ما بعد. والحقيقة ان الميرزا غلام أحمد وإن كان هندياً فهو فارسي الأصل، وقد استفاد من الموروث الديني لدى الفرس، وأدرك الأهمية التي تمتاز بها الأحاديث والعقائد المتعلقة بالمهدي المنتظر، ومدى تعلق وجدان المسلمين الفرس وسلوكهم بهذه العقيدة. فاستفاد من ذلك كله استفادة عظيمة، وصاغ مقولته على النحو التالي: »إن الله بعثني مجدِّداً على رأس هذه المئة(*)، واختصني عبداً لصالح العامة، وأعطاني علوما ومعارف لإصلاح هذه الأمة، ووهب لي من لدُنه علماً حياً لإتمام الحجة على الكفرة، وجعلني من المتكلمين الملهمين، وأكمل عليّ نِعَمَهُ وسمّاني المسيح ابن مريم بالفضل والرحمة«. ويعتقد الأحمديون ان الوحي لم يتوقف بعد وفاة النبي محمد، وأن الوحي ليس محصورا بالأنبياء فقط، بل ربما يوحي لبعض الأفراد ممن سَمَت نفوسهم وارتفعت علومهم. غير أن الوحي بعد محمد ليس وحي تشريع بل وحي تعليم. وعلى هذا فإن نبوة الميرزا غلام أحمد ليست نبوة تشريعية كنبوة محمد وعيسى وموسى، بل نبوة ظلية خادمة لنبوة صاحب الشريعة. اتركوا الجهاد أثارت هذه الدعوة نقمة عارمة في صفوف المسلمين ممن لم يؤمنوا بها. ولولا السلطة الانتدابية للإنكليز في الهند يومذاك لربما كان جمهور المسلمين وغوغاؤهم قضوا عليها. ومن الطبيعي أن يحمي الإنكليز الأحمديين من غضب بقية المسلمين، وذلك لأن المسلمين كانوا يرفعون فريضة الجهاد في وجه الاحتلال الإنكليزي بينما حدد غلام أحمد شروطا للجهاد لم تكن متوافرة، في رأيه، في تلك الفترة، ودعا الى التفاهم مع الحكومة البريطانية، وهو يقول في ذلك: »أيها الأحباب اتركوا الآن فكرة الجهاد، فقد حَرّمتُ الآن الحرب والقتال من أجل الدين. قد جاء الآن المسيح الذي هو إمام الدين، وهذه نهاية جميع الحروب الدينية، ولا فائدة من فتوى الحرب والجهاد. فعدو الله مَن يجاهد الآن«. انقسام الأحمدية ظلت الجماعة الأحمدية متحدة في زمن مؤسسها الميرزا غلام أحمد وفي أيام خليفته حكيم نور الدين. لكنها انقسمت بعد وفاة نور الدين الى قسمين أو شعبتين: 1 شعبة قاديان بزعامة محمود بن غلام أحمد. 2 شعبة لاهور بزعامة محمد علي وهو مترجم معاني القرآن الى الإنكليزية. أما شعبة قاديان فأساس عقيدتها ان غلام أحمد نبي مرسل، غير أن شعبة لاهور لا تعتقد ذلك وتصر على أنه نبي ظلي، وتؤمن بأن المسيح هو ابن يوسف النجار من مريم. والخليفة الحالي لمؤسس المذهب هو الميرزا طاهر أحمد الذي تسلم رياسة الجماعة سنة 1982، وكان سبقه كل من: حكيم نور الدين (1908 1914)؛ وبشير الدين محمود (1914 1925)؛ وناصر أحمد (1925 1982). الأحمديون اليوم يبلغ عدد أفراد الجماعة الأحمدية نحواً من عشرة ملايين شخص. منهم نحو مئة ألف في الهند. وهم ذوو نشاط كبير خارج الهند، ولهم مركز كبير في لندن. ويشمل نشاط الأحمديين عددا كبيرا من دول آسيا وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ويمتلكون محطة تلفزيونية فضائية تبث بالإنكليزية تدعى »تي. في. مسلم« (T.V. Moselem) أي »تلفزيون المسلم«. وكذلك الجامعة الأحمدية في مدينة »ربوة« في كشمير. والمعروف ان أول مسجد في ألمانيا بناه الأحمديون. ويعتبر المركز الأحمدي في حيفا الأبرز من بين مراكزهم وهو ذو قيمة روحية عالية. وتصدر عن هذا المركز مجلة »شهرية« باللغة العربية بعنوان: »البشرى«. وللجماعة الأحمدية بعض الأتباع المتفرقين في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ولهم مجموعة نشطة في دمشق تتركز في حي الميدان. ومن أبرز وجوه هذه الجماعة في دمشق الكاتب السوري نذير المرادني. وفي عمان جرت محاكمة للصحافي الفلسطيني المعروف ابراهيم أبو ناب بتهمة اعتناق الأحمدية والردة عن الإسلام، لكن المحكمة برأته. ومن أشهر الشخصيات الأحمدية في العالم ظفر الله خان وزير خارجية الباكستان السابق والرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية والذي رئس الدورة السابعة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن أعلام الجماعة البارزين أيضا البروفيسور عبدوس سلام الحائز جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1979. ص . أ . ف. (*) إشارة إلى الحديث الذي يقول إن الله يرسل على رأس كل مئة سنة مَن يجدد الإسلام وينصر أمة المسلمين. المصادر »القاديانية أو الجماعة الأحمدية«، في ملف »معلومات« الذي يصدر، شهريا، عن »السفير«، العدد 10، أيار 1994. أبو الحسن الندوي، »القادياني والقاديانية«، جدة: الدار السعودية للنشر، 1971. الدكتورة آمنة محمد نصير، »أضواء وحقائق على البابية والبهائية والقاديانية«، بيروت: دار الشروق، 1984. نذير المرادني، »حقائق إسلامية«، دمشق: د.ت، د.ن. نذير المرادني، »نبوءات وحقائق إسلامية«، دمشق: الجمعية التعاونية للطباعة، 1995. »المهدي المنتظر في لندن«، تحقيق بقلم: دسوقي سعيد، روز اليوسف، القاهرة، 17/6/1996.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة