لم يغب القضاء، في الآونة الأخيرة، عن خطة النهوض الوطنية التي يطرحها رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري والتي تبلور نظرته الحلم الى حكم فاعل في إطار دولة القانون. وها هو يفصّل، أمس، في مناسبة تكريم ستة قضاة أحيلوا على التقاعد لبلوغهم السن القانونية (68 سنة) بعض مقومات إعادة خلق الأمل من خلال تبشيره بدولة قضاؤها قادر على محاسبة كل من يتجرأ على المسّ بمفاهيم دولة المؤسسات القائمة على توازن السلطات من أجل الصالح العام. لم يماش رئيس الحكومة »المعارضة المتطرفة« في تهجمها على القضاء بل أنصف باعترافه بأن القضاء عانى في نهوضه من »الهزات الارتدادية« التي تلت المحنة الكبرى ومع ذلك تمكن من الدفاع عن الحق والحقيقة وحافظ على حرمة القانون وهيبته وترسيخ احترام النصوص في نفوس المواطنين، إلا أنه اعترف بالمقابل ان الناس يحتاجون الى عمل مضن لتعود إليهم ثقتهم بسائر مؤسساتهم ولا سيما منها المؤسسة القضائية التي وهذا ما لم يذكره الحريري وإن كان اقترب منه بتلميح غير مركّز عانت ولا تزال من تهجمات افترائية ليس من معارضي السلطة والنهج فحسب بل من أرباب الحكم أنفسهم. ابتعد الرئيس الحريري الذي يخوض اليوم معركة قاسية لغده عن السياسة بمعناها الضيق ولجأ الى مُثل الدستور والعدالة التي يكفي ذكرها والرهان عليها لكشف المستور في الواقع اللبناني الحالي.. إلا أنه في المقابل بدا متمسكا بفريق عمله الوزاري إذ لم يتوان عن تكرار تسمية وزير العدل الدكتور بهيج طبارة بعبارة »الوزير الصديق«. »الوزير الصديق« ابتعد عن السياسة والسياسيين وحصر كلمته بهمّ القضاء الذي وضعه على ميزانه الدقيق، فوضع في الكفة الأولى الانجازات وفي الكفة المقابلة بعض العثرات التي اختصرها في دعوته وهي تعبير عن إعجابه بالدينامية القضائية في تنقية الذات مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي الى ممارسة الصلاحيات التي منحها القانون لكل منهما وهي صلاحيات تفي بالغرض الى تطبيق صارم لقاعدة الثواب لمن أحسن والعقاب لمن أساء بحيث يكون القضاء قدوة لسواه في هذا المجال ويبقى فوق كل شبهة. إلا أن الوزير طبارة، وفي تصعيد غير متوقع، يعبّر بالتأكيد عن نظرته الانتقادية الى واقع الحال، أشار الى انه سيسعى مع لجنة توحيد وتحديث القوانين خلال ما تبقى من عمر الحكومة على إنجاز مشاريع قوانين عدة تهدف الى ضمان النزاهة والشفافية في العمل العام (الإثراء غير المشروع) واحترام حقوق الأفراد (التنصت على المخابرات الهاتفية) وصون إرادة الناخب (مشروع قانون جديد للانتخابات النيابية يستوحي المبادئ والقواعد التي تضمنها تقرير لوزارة العدل رفعته الى مجلس الوزراء منذ سنتين). رئيس مجلس القضاء الأعلى منير حنين ومن خلال تجربته الشخصية عمَّم الحسنات على »الترويكا« إذ اعتبر فرسانها الثلاثة »من الدعاة الى دولة القانون ومن بُناتها (...) وهم حريصون حرص القضاة أنفسهم، على استقلال القضاء وعلى استقلال القاضي« إلا أنه عاد وخصص الرئيس الحريري بأن أشاد »بما له من إسهامات في القرارات الآيلة الى تحصين القضاء وتعزيز القضاة«، وأقر للوزير طبارة »عن صدق« بمواقفه المشرفة تجاه القضاة في الحقلين المعنوي والمادي معطيا ما للسلطة التنفيذية للسلطة التنفيذية وما للسلطة القضائية للسلطة القضائية. انتقل الرئيس حنين الى »الهمّ الذاتي« فهاجم بتهذيب المتهجمين عليه »فهو سليم« وحمل القضاة وقطاعات المجتمع كلها مسؤولية »ترسيخ سلامته« إلا أنه في المقابل اعترف بوجود »ثغرات قليلة تشكو منها العائلة القضائية« ولكنه قلل من أهميتها لأن مثلها مثل كل عائلة ذات تبعات جسام« ودعا »الى الابتعاد عن الغرور والتفاؤل المفرط إذا كان العمل جيدا، ثم عن الإحباط والتشاؤم المفرط إذا شابت العمل هنّات قليلات«. وأفكار إذا تجسّدت أنقذت. وأحلام إذا تحققت عظم الوطن.. تلك هي الخلاصة للمحطة المهمة التي توقف عندها الوضع القضائي في لبنان لمناسبة كاد يمكن أن تكون تقليدية، لو لم يطل الصمت القضائي ولو لم يسجل الرئيس الحريري سابقة في حضور حفل مماثل. وقد يكون ما حدث أكبر تكريم لستة قضاة أعطوا العمر لسلك ينهض إلى رهان السلطة وهم: موريس خوام، حكمت هرموش، أسعد جرمانوس، محمد البابا، مصطفى الغطيمي وحسن أبو مرعي. وقد يكون تحقيق ما قيل فتح شهية كبار حقوقيي لبنان الذين تنضوي نخبة منهم في إطار لجنة توحيد وتحديث القوانين في وزارة العدل، على مزيد من العطاء في المحاماة والتشريع.. لأن الأمل بحلم يتحقق يشحذ الهمم التي يثقلها اليأس. ماذا عن وقائع حفل التكريم؟ فارس خشانألقيت في الحفل التكريمي الذي أقيم في مطعم »رابليه« في الأشرفية خمس كلمات لكل من المدير العام لوزارة العدل الدكتور وجيه خاطر، رئيس مجلس القضاء الأعلى منير حنين، القاضي حكمت هرموش باسم القضاة المكرّمين، وزير العدل الدكتور بهيج طبارة فرئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري. حضر الحفل رئيس المجلس الدستوري أمين نصار، النائب العام التمييزي عدنان عضوم، رئيس هيئة التفتيش القضائي وليد غمرة، أعضاء مجلس القضاء الأعلى، رؤساء الوحدات في وزارة العدل، النواب العامون الاستئنافيون وقضاة التحقيق الأول في بيروت والمحافظات، الرؤساء الأول الاستئنافيون في لبنان، مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية نصري لحود، قاضي التحقيق العسكري الأول رياض طليع، النائب العام المالي أحمد تقي الدين، نقيبا المحامين في الشمال وبيروت جورج طوق وأنطوان قليموس وأعضاء لجنة توحيد وتحديث القوانين يتقدمهم الرئيس فيليب خير الله. وتخلل الحفل توزيع الوزير طبارة على القضاة المكرمين ميداليات تحمل شعار وزارة العدل. الحريري واعتبر الرئيس الحريري في كلمته لقاءه بالموجودين »فرصة فريدة لا تتكرر دائما لأسباب عدة، اولها حرص مني، اكيد وثابت، على احترام مبدأ الفصل بين السلطات وأنتم سلطة وثانيهما لرغبة في ابقاء الجسم القضائي بعيدا عن الهموم والمشاكل اليومية التي نعيشها، حتى يتفرغ الى أداء دوره المميز في ترسيخ العدالة وإحقاق الحق. غير ان هذا الامر لا يعني مطلقا، اني بعيد عن الواقع الذي تعيشون او المعاناة التي تشعرون بها والتي حاولنا بالتعاون مع الوزير الصديق التخفيف من حدتها«. وقال: أنا ادرك ان السنوات الماضية كانت سنوات صعبة بالنسبة الى السلطة القضائية، خصوصا في الظروف التي عاشتها البلاد في الانتقال من سلطة الفوضى الى سلطة القانون. والسنوات الآتية، لن تكون أقل صعوبة لأنكم مدعوون خلالها، الى الاستمرار في الدفاع عن الحق والحقيقة، وفي الحفاظ على حرمة القانون وهيبته وعلى ترسيخ احترام النصوص القانونية في نفوس المواطنين وممارستها. عليكم ان تعيدوا ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم على اختلافها، ولا سيما المؤسسة القضائية، حتى تكونوا الملاذ الذي يركنون إليه عند الحاجة. لقد حملنا جميعاً، انتم ونحن، منذ مطلع التسعينيات، همّين اثنين: هم إعادة سلطة الدولة، وهم الاعمار والنهوض. فلا اعمار وإنماء من دون دولة المؤسسات التي تحميها سلطة القضاء. فأي مفاعيل لقوانين إذا لم يحكم بها القاضي، وأي دور للقضاة اذا لم يرتكز على انظمة وقوانين؟ انه عمل متكامل لا يستقيم إلا متى ساد مبدأ فصل السلطات وتعاونها، وهذا ايضا من أسس وقواعد وفاقنا الوطني. ان تحدي فرض سلطة القانون، يوازيه أيضا تحدي العمل المضني للقضاء في سبيل الاصلاح والتطوير. من هنا اجد ان امام اعضاء لجنة توحيد القوانين وتحديثها، مسؤولية كبيرة. لكني على يقين بأن المهمة لن تكون مستحيلة، عندما تتوافر الارادة الطيبة والرغبة الحقيقية في قيام الدولة القوية والقادرة (...). ان من حقكم على الحكومة ان تستمر في رد بعض ما لكم في ذمتها من دين، فتعمل على تفادي النقص في عديدكم، وتسهر على ارتفاع صروح العدالة في المناطق اللبنانية، وترعى تطوير آليات التعاون بين القضاء والاجهزة الأمنية المعنية، وتواصل توفير الحياة الكريمة واللائقة للقضاة، وتحرص على ان تبقي القضاء بمنأى عن التدخلات، من اي جهة كانت. وختم: »يا قضاة لبنان، انتم صمام الأمان، معكم تصان الكرامات وتحفظ الحقوق، وتسلم الاوطان«. طبارة وألقى الوزير طبارة كلمة ضمنها جردة عامة للعمل القضائي ولإنجازات وزارته وقال: ان الإحصاءات التي بين أيدينا تفيد (الأمر الذي أعلنه لأول مرة) انه، منذ بدء السنة القضائية في تشرين الأول الماضي لغاية آخر شهر حزيران من هذه السنة، تقدمت أمام المحاكم العدلية، بمختلف درجاتها، /101069/ دعوى جديدة اي ما يعادل تقريبا مجموع الدعاوى المقدمة خلال السنة القضائية الماضية برمتها. لا يدخل في هذه الارقام الشكاوى والاخبارات المقدمة الى النيابات العامة، ولا القضايا التي هي من اختصاص المحكمة العسكرية. الأهم هو ان المحاكم اصدرت خلال تلك الفترة /109719/ حكما نهائيا، اي بزيادة حوالى 5500 حكم عن مجموع الأحكام الصادرة خلال السنة القضائية الماضية برمتها. هذا مع العلم بأن النقص ما يزال كبيرا في عدد القضاة، بالرغم من انه خلال السنوات الخمس الاخيرة تم تعيين 130 قاضيا عدليا أصيلا (اي اكثر من ثلث القضاة الحاليين)، كما دخل معهد الدروس القضائية، خلال الفترة ذاتها، حوالى 90 قاضيا متدرجا. لقد حاولنا معالجة موضوع النقص منذ حوالى سنة ونصف عندما تقدمنا بعدة مشاريع قوانين، اقترنت بموافقة مجلس الوزراء، تهدف من جهة، بصورة مؤقتة واستثنائية، الى تمديد سن التقاعد الى السبعين، ومن جهة اخرى الى الاجازة بتعيين قضاة من بين المحامين ذوي الخبرة الطويلة. الا ان هذين المشروعين، مع سواهما، ما يزالان قيد الدرس والتمحيص لدى اللجان النيابية. حرصنا كان، وسوف يبقى، ان نضع العدالة في متناول الجميع بحيث لا يشكل المال حائلا عند البعض دون ممارسة حقه في التقاضي. من هنا مشروع قانون وافقت عليه الحكومة وأحالته الى مجلس النواب، يقضي بتخفيض الرسم النسبي في المحاكم ودوائر التنفيذ الى ما يقارب نصف المعدلات الحالية، والى استبدال بعض الرسوم النسبية بالرسم المقطوع. همنا كان، وسوف يبقى، تحصين القضاء والحفاظ على طابعه المميز وتعزيز استقلاليته وصونه من حملات التشكيك والتجريح. من هنا، ايضا، مشروعا قانونين أحالتهما الحكومة الى مجلس النواب، الاول يعالج موضوع سلسلة رتب ورواتب القضاة بشكل منفصل ومتميز عن باقي العاملين في القطاع العام، والثاني يشدد العقوبة على من يستعطف القاضي لمصلحة أحد المتداعين كما يعاقب الافعال التي من شأنها زعزعة الثقة بالقرارات والاعمال القضائية على نحو يمس سلطة القضاء او كرامته او استقلاليته. أضاف: ويسعدني ان أعلن ان الجهود التي بُذلت من اجل تأمين قرض سكني للقضاة قد اقترنت بوضع مشروع يوفر للراغبين من القضاة وسيلة تمويل لتملك مسكن لائق بكلفة مقبولة، وأرجو ان تنتهي في وقت قريب المباحثات الجارية بين القيّمين على إدارة صندوق التعاضد والمراجع المعنية حول هذا الموضوع. حنين وقال الرئيس الأول منير حنين: (...) وإن من أفضل النعوت المتصلة بمفهوم الدولة، في القاموس الديموقراطي العريق هو انها دولة العدالة ودولة القانون. وكلما شعر المسؤولون بأهمية هذين الوصفين، وعملوا في سبيل تحقيق مدلولاتهما، توثقت العرى بينهم وبين المؤسسات وفي طليعتها السلطة القضائية. وإن القضاة لمسوا، لدى رجال هذا العهد، اهتماما خاصا بمطالبهم المحقة وتلمساً لمعاناتهم. وفي طليعة الاهتمام بالمطالب، ان المسؤولين حريصون حرص القضاة أنفسهم، على استقلال القضاء وعلى استقلال القاضي، حتى يرتفع صوت الضمير، وتستقيم أمور لا تستقيم إلا اذا كان صوت العدل نذيرا وبشيرا، ينذر أصحاب الباطل، ويبشّر أصحاب الحق. أما الحد من المعاناة، على الصعيد المادي، فقد ترجمه تخصيص القضاة بسلسلة مستقلة للرتب والرواتب والعمل الدؤوب على تأمين قروض سكنية للراغبين منهم.. ونأمل المزيد، لا طمعا بجاه، ولا بحثا عن ثروة، بل تأميناً للكفاف الذي هو كالوجه المعنوي من حياة القاضي سياج الكرامة. وإذا كان صحيحا ان الكرامة تبدأ حيث الوجدان والضمير والاحساس بالعدالة والاندفاع في العمل، وبذل النفس تحقيقا لهذه الغايات، فهي لا تكون كاملة ومنيعة كل المناعة الا اذا كان لها سياج مادي. وكيف للمجتمع ألا يُنصف مَن اختارهم لإنصاف الناس. إننا نقر أيها السيد الرئيس، بما لكم من مواقف سديدة بهذا الخصوص ومن اسهمات في القرارات الآيلة الى تحصين القضاء وتعزيز القضاة. ونقر كذلك، وقد رددناها عن صدق غير مرة، بأن للسيد وزير العدل الدكتور بهيج طبارة مواقف مشرّفة تجاه القضاة في الحقلين المعنوي والمادي، وقد تعاونّا معه ولا نزال نتعاون بالشكل الأمثل، خصوصا انه يعرف ما له وما لسواه، ما للسلطة التنفيذية وما للسلطة القضائية في إطار من التفهّم المتبادل للصلاحيات وللحقوق والواجبات (...). اضاف: »قضاة لبنان لا يدعون الكمال، ولكنهم يعملون على تقديم افضل صورة عنهم للناس. العدد محدود والقضايا كثيرة وهم يعملون. الظروف قاسية ولكن التضحيات جمة. وهم يستعدون للأغزر والافضل من العطاء، واذا كان ثمة ثغرات تشكو منها العائلة القضائية، مثل كل عائلة ذات تبعات جسام، فعلينا الا ننساق مع تضخيم الامور وتصويرها على غير حقيقتها. القضاء اللبناني سليم وسلامته تزداد وتترسخ بوعي القضاة، بوعي قطاعات المجتمع كلها، وبالابتعاد عن الغرور والتفاؤل المفرط اذا كان العمل جيدا، ثم عن الاحباط والتشاؤم المفرط اذا شابت العمل هنات قليلات (...). خاطر وألقى الدكتور خاطر كلمة قدم فيها بعض اقتراحات لمصلحة من يتقاعد من القضاة وقال: دولة الرئيس بالامس كان القاضي عندما يتقاعد تنفك روابطه عن وزارة العدل، اما اليوم فقد تبدلت الاحوال وبقي القاضي المتقاعد مرتبطا بالوزارة عن طريق صندوق التعاضد، مما يخفف من ألمه النفسي ويرفع عنه جزئيا عبء الماديات في سن الشيخوخة، ولكن ذلك غير كاف، فالحياة ليست دائما مادية بل لا بد من رعاية الشأن المعنوي. واسمحوا لي يادولة الرئيس ان اقترح على معالي وزير العدل بأن يتبنى تحضير مشروع قانون لاستحداث وسام خاص بالقضاة، يدعى وسام العدالة على ثلاث درجات من اجل منح القاضي او المحامي هذا الوسام خلال ممارسته القضاء او المحاماة وبخاصة عندما يتقاعد القاضي وينال لقب قاضي شرف بدلا من ان ينال وسام الارز من رتبة كومندور بموجب مرسوم بالصورة الغيابية. هذا من جهة، ومن جهة اخرى ولئلا يشعر القاضي المتقاعد انه اصبح على هامش الحياة، وهو لا يزال قادرا على العطاء، وبدلا من ان يعاني ويتكلف الكثير بعد ان يخلع »روب« القضاء من اجل ارتداء »روب« المحاماة، حيث لا يمكنه الانتساب الى نقابة المحامين، الا بعد الانتظار طويلا وبعد دفع رسم انتساب بالملايين يقتطعه من تعويضه الذي قضى عمره من اجل الحصول عليه عند نهاية خدمته، فيرتبط بالنقابة اسميا، ويبقى مرتبطا بصندوق التعاضد ماديا، فلا يستفيد من نقابة المحامين من اي تعويض اجتماعي او استشفائي او تقاعدي. وبما ان العدد الاكبر من القضاة المحالين الى التقاعد تبقى لديهم مقدرة العطاء، ونبقى نحن بحاجة الى علمهم وخبرتهم، لذلك فانني اقترح ان يصار الى انشاء رابطة او مجلس يدعى مجلس المستشارين القانونيين، ليضم قضاة الشرف حملة وسام العدالة، وحيث يمكن لكل منهم ان ينتقل من مركز احقاق الحق خلف القوس الى مركز الدفاع عن الحق امام القوس ويمارس المحاماة دون الانتساب الى نقابة المحامين او دون دفع اي مبلغ ليعود الى محراب العدالة حيث عاش وترعرع وقضى عمره فيه وهو الذي كان قد حكم بالملايين كأتعاب محاماة تعود لصندوق النقابة. كما يمكن للدولة ان تستعين بالقادر منهم على العمل، في لجان او مجالس قضائية، او في الدفاع عن قضايا الدولة طالما ان سلك القضاء يشكو من نقص كبير في عدد القضاة. وكذلك يمكن ان يصار بواسطة صندوق التعاضد الى انشاء مركز تحكيمي من هؤلاء المستشارين المتقاعدين للتخفيف من عبء الدعاوى على المحاكم، وعندها توزع الرسوم المستوفاة عن هذه الاعمال التحكيمية مثالثة بين صندوق التعاضد، المحامين والمستشار المحكم. هرموش وألقى القاضي هرموش كلمة المكرمين ومما جاء فيها: في هذه الحقبة تعاود المرء على حين غرة ملامح ايام خوالي تتمازج فيها الملاحة بالمرارة لتطبع حياة القاضي في تسامي رسالته وقصر باعه حلاوة العمل الصابر الدؤوب في تقصي الحقائق لاحقاق الحق بعد سهر ودرس وتنقيب وتداول تقارع فيه الحجة بالحجة... حلاوة العمل المضني عندما يبلغ به القاضي غايته بمعاناة يتحسس فيها مآسي الناس ويعايش شؤونهم وشجونهم، ينشغل بها عن ذاته وذويه، فيخلو الى ضميره لقوله الحق ونصرة المظلوم والاقتصاص من الباغي.